انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حقيبة لا تعرف النوم

مروان ياسين الدليمي
مروان ياسين الدليمي

شاعر وكاتب عراقي

4 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
حقيبة لا تعرف النوم
مشاركة:

لم يكن السفر هو ما يقلقني، على الأقل هذا ما كنت أقوله لنفسي كلما اقترب موعد رحلة.

كنت قد سافرت مرات كثيرة، وعرفت المطارات والفنادق وغرف الانتظار، وحفظت الطريقة التي تتغير بها وجوه الناس أمام شبابيك المغادرة. ومع ذلك، كان يكفي أن أعرف أن عليَّ السفر في اليوم التالي حتى أفقد قدرتي على النوم.

تبدأ الحكاية قبل موعد الرحلة بليلة. أضع رأسي على الوسادة، وأطفئ المصباح، ثم أترك للظلام أن يؤدي مهمته. لكن شيئاً ما يبقى مستيقظاً في داخلي. شيء لا أراه، ولا أعرف كيف أخاطبه، يظل يتحرك بين أفكاري، كأنه موظف صغير لا تنتهي ساعات دوامه. أحاول أن أطرده، أستدير إلى الجانب الآخر، أغمض عينيَّ بقوة، وأستحضر أشياء لا علاقة لها بالسفر. أحياناً أعدُّ الأبواب التي مررت بها في طفولتي، وأحياناً أستعيد وجوه أناس لم أرهم منذ عقود. لكن النوم يظل بعيداً، كأنه مدينة أخرى لا أعرف الطريق إليها.

في تلك الليلة، عادت جدتي.

لم تأتِ في حلم، فقد كنت مستيقظاً تماماً، وإنما حضرت بصوتها القديم، بذلك الصوت الذي كان يعرف كيف يقنع الليل بالتراجع. كنت طفلاً حين علمتني حِيَلاً صغيرة لمقاومة السهر. كانت تقول لي إن عليَّ أن أغمض عينيَّ وأتخيل مكاناً بعيداً، أو أن أعدَّ الأشياء التي أعرفها في البيت، أو أن أترك أفكاري تمشي وحدها حتى تتعب وتنام. لم أكن أفهم يومها أن الإنسان قد يكبر، ويظل محتاجاً إلى الحِيَل نفسها التي كان يستعين بها طفل لكي ينام.

تقدمت في العمر، ودخلت منتصف العقد السادس، لكن شيئاً لم يتغير. بل إن الأمر ازداد سوءاً. صار القلق أكثر خبرة، وأكثر قدرة على العثور عليَّ مهما حاولت الاختباء منه. كنت أحسد أولئك الذين يضعون رؤوسهم على الوسائد فينامون فوراً. لم أكن أحسد أحداً على ماله أو بيته أو مكانته. كنت أريد فقط تلك القدرة البسيطة التي تبدو متاحة للجميع، أن ينام الإنسان حين يقرر النوم.

في الليلة الماضية، كان موعد سفري إلى دبي في الواحدة بعد الظهر. لم تكن هناك ضرورة لأن أنهض باكراً، ولم يكن ثمة ما يستدعي كل ذلك الاستنفار الذي أخذ يسري في جسدي منذ المساء. ومع ذلك، عشت الساعات كما لو أن الطائرة ستغادر بعد دقائق، وأن تأخري عن موعدها قد يغير شيئاً أساسياً في حياتي.

عندما سمعت المؤذن يرفع صوته لصلاة الفجر من الجامع القريب، شعرت بشيء يشبه الارتياح. لم يكن صوت الأذان دعوة للصلاة وحدها، بل بدا لي عذراً مناسباً لإنهاء تلك المعركة التي لم أكن أعرف كيف أخرج منها منتصراً. نهضت من السرير، واتجهت إلى المغسلة. كان الماء بارداً، فوضعت وجهي تحته قليلاً، ثم توضأت وصليت الفجر. كنت أفعل ذلك عادة بعد استيقاظي، وغالباً ما يكون في العاشرة صباحاً. لكنني في تلك الليلة لم أكن مضطراً إلى انتظار النوم كي أستيقظ.

حين عدت إلى الغرفة، كان البيت غارقاً في سكونه. زوجتي نائمة، وابني نائم في غرفته. وقفت لحظة أمام الباب، وأصغيت إلى الصمت. بدا لي أن الجميع حصلوا على حصتهم من الليل، إلا أنا. تساءلت إن كان النوم نعمة موزعة بالتساوي بين البشر، أم أن هناك أشخاصاً يُتركون خارج حصته لأسباب لا يعرفونها.

كانت حقيبة السفر تنتظرني قرب الخزانة. فتحتها، وبدأت أراجع محتوياتها للمرة الثالثة أو الرابعة. بنطلونان، وسترة رياضية، وأربع قطع من الملابس الداخلية، وفرشاة أسنان. ثم أخرجت البدلة الرسمية، وتأملتها قليلاً. كان لونها كحلياً داكناً يميل إلى السواد، وقد اخترتها بعناية لكي أرتديها في الاحتفال الذي سأحضره في دبي لاستلام الجائزة التي فزت بها في مسابقة الشعر. مررت يدي على قماشها، ثم أعدتها إلى الحقيبة. كان كل شيء في مكانه. لم أنسَ شيئاً. ومع ذلك، أعدت ترتيب الملابس، وأغلقت الحقيبة، ثم فتحتها من جديد. كنت أتصرف كما لو أن هناك شيئاً ناقصاً، شيئاً لا يمكن العثور عليه بين الملابس والأغراض، لكنه قد يكون السبب الحقيقي وراء ذلك القلق الذي يرافقني كلما فكرت في السفر.

نظرت إلى البدلة مرة أخرى.

فكرت في الجائزة. في القصائد التي كتبتها، وفي السنوات التي مضت قبل أن يصلني خبر الفوز بها. تخيلت لحظة الوقوف أمام الحاضرين، والاسم الذي سيُعلن، واليد التي ستمتد لتسليم الدرع. كان يفترض أن أشعر بالسعادة، لكنني لم أكن أشعر بشيء واضح. كان ثمة فراغ صغير يتسع في داخلي، كلما اقترب موعد الرحلة.

أغلقت الحقيبة هذه المرة بإحكام.

لم يكن في البيت ما يستدعي القلق. كل شيء مرتب، والملابس جاهزة، والوثائق في مكانها، والرحلة لن تكون قبل الواحدة ظهراً. كان بإمكاني أن أعود إلى السرير، وأن أحاول النوم لبضع ساعات. لكنني لم أفعل.

جلست على حافة الفراش، وأخذت أنظر إلى الحقيبة.

للمرة الأولى خطر لي أنني ربما لا أخاف السفر نفسه، وإنما أخاف تلك اللحظة التي أغادر فيها المكان وأتركه خلفي. فالإنسان لا يحمل معه كل ما يخصه، مهما اتسعت حقيبته. هناك أشياء تظل في الغرفة، فوق الطاولة، في الخزانة، أو في أصوات الذين ينامون مطمئنين إلى أنك ستعود.

نهضت وأطفأت الضوء.

لم أعد أحاول النوم. اكتفيت بالجلوس في الظلام، أستمع إلى أنفاسي وإلى صوت ساعة الحائط.

وعندما اقترب الصباح، سمعت حركة خفيفة في غرفة زوجتي. لم ألتفت إليها. كنت قد بدأت أفكر في شيء آخر: ماذا لو عدت من دبي ولم أجد الحقيبة في المكان نفسه؟

ثم تذكرت أنني لم أكن قد غادرت البيت بعد.

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٩:٥١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الحَكَّة
سرد

الحَكَّة*

الحَكَّة عدنان عادل (مقطع من الرواية) رمى يومين متتاليين، في آن واحد، في كيس الزبالة، وقرر أن يكيف غرائزه للعيش بالخمسة الباقية، بعد أن تردَّدَ طويلاً في حسم تسمية اليوم الذي فيه: "اليوم، السبت، أم الأحد ؟! لا، اليوم هو السبت، لا، لا، اليوم هو الأحد، لا السبت، لا الأحد، سبت، أحد، سبت، أحد..."،…

· 9 د
رائحةُ المطر على الإسفلت القديم
سرد

رائحةُ المطر على الإسفلت القديم

قبل أن تسقط القطرة الأولى من المطر بلحظات، يسبقها ذلك العطر الغريب. رائحة الأرض حين تتذكَّر أنَّها كانت يومًا حبيبة. رائحة الأرض حين تستقبل قطرات المطر يسميها العلماء البيتريكور، وأسمِّيها أنا ذاكرة المكان. لا أعرفُ لماذا تفعل بي رائحة المطر على الإسفلت ما لا تفعله الكتب والصور، تأخذني إلى حيٍّ…

· 1 د
برزخ رمادي
سرد

برزخ رمادي

برزخ رمادي في صباح أحد الأيام العصيبة من زمن الحرب المتقدة على حدود البلاد، تسلّمت كتاباً يحمل قرار نقلي إلى إحدى الوحدات العسكرية في الصفوف الأمامية لجبهات القتال. شعرت بحيرة عارمة أمام التفكير بكيفية الوصول إلى تلك البقعة النائية التي تقع في أعماق الصحراء الشاسعة تحت وطأة ظلام الليل الدامس. كان…

· 5 د