انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الحَكَّة*

عدنان عادل
عدنان عادل

شاعر ومترجم عراقي

9 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
الحَكَّة
مشاركة:

رمى يومين متتاليين، في آن واحد، في كيس الزبالة، وقرر أن يكيف غرائزه للعيش بالخمسة الباقية، بعد أن تردَّدَ طويلاً في حسم تسمية اليوم الذي فيه:

"اليوم، السبت، أم الأحد ؟! لا، اليوم هو السبت، لا، لا، اليوم هو الأحد، لا السبت، لا الأحد، سبت، أحد، سبت، أحد..."، وهكذا حتى ملّ من نفسه، وملَّت الأيام من نفسها".

لطالما أزعجته مشكلة رمي النفايات في الكيس الملائم، الورق والكرتون في الكيس الأصفر، العلب المعدنية والمواد البلاستيكية في الكيس الأزرق، عزل المواد الزجاجية لرميها في الأماكن المخصصة لها، حسب لون الزجاج، أبيض أو ملون، والمتبقي من الفضلات في الكيس الأبيض، فوقع اختياره على الأخير، لئلا يعود اليومان ثانية، بعد عزلهما وفرزهما، للاستعمال اليومي:

"أعتقد بعد شرب شاي ساخن، بإمكاني أن أحل هذه المعضلة ".

توجه نحو المطبخ. قدح من الشاي الساخن قد يعيد إليه اطمئنانه، وثقته في هذه الساعات المُملة من أوقات قبيل الظهر، حيث الأشياء لَم تحدد، وتسمى بعد، وكل شيء جائز وممكن، ومعرض للفشل والعطب في الوقت نفسه. جهز غلاية الماء وانتظر. اقتادته قدماه المتيمتان بالتنقل، نحو الصالة، انقاد للأمر، رجع متخذاً وضعه الدراماتيكي أمام النافذة.

وحدها الصالة تمسحه على بساطها الخشبي، وتؤطره داخل هذه النافذة، صورة جامدة لا تجد حائطاً تزينه. ينبغي اختيار ما ترتسم عليه تقاطيع وجهه، أن ينصاع لطلب المصور الظريف: "ابتسامة صغيرة !" ماذا لو أسدلت الستارة، وحجبت أجفان المارة عن تحديقها، ليظل وحده غير راضٍ يكشف عن أسنانه رغما ًعنه ؟! وميض ينسل من صورته المنعكسة على الزجاج، لينير الصالة بأوهامه، كائنات تتقافز على رفّ قديم عُلّق على الحائط بمسمارين أحدبين، رجل ينتظر، ليموت مرتين كل يوم، قبل أن يعوم في بركته المنتظرة، وآخر يحدق بامتعاض إلى شمس حارقة في سماء زرقاء، لمنظر ساحل ألصق على الحائط بإهمال متعمد، على مرمى الأفق بحر تخشى أمواجه العظيمة قطرات العرق المتلألئة على جبينه المالح، وهديره يتخاذل قبالة وقفته الصارمة. أطياف متراكمة فوق بعضها بعض تتزاحم على الأريكة الوحيدة في الصالة، بينما تظل صورته على الزجاج تكشف عن أسنانه رغماً عنه.

كان يزمجر على هيئته المنعكسة، ويرمقني، بين حين وآخر، بنظرة منكسرة ملؤها الريبة. لَم أتجاسر على التقرب منه، امتلكتني الخشية من أن يسحقني بقدمه، فهمتُ محتوى ما كان يريد إيصاله لي، فتقبلتُ الأمر، ورضيتُ نزولا ًلإرادته، بأن أكون حاضراً أراقب المشهد عن كثب، حتى وإن تمثلتُ في هيئة كائن هزلي يزحف في أركان الصالة متحسساً بمجساته القاذورات، ليقتات مرغماً على فضلاته المتروكة تحت المكتبة، منذ أسابيع.

كان ينظر إلى الشارع، والضباب المتهادي أمامه. ندف الثلج أعتمت ذاكرته، مع كل ندفة تذوب حكاية، عليه أن يفضي ما في دواخله، ويخصص لكل منها فصلاً، أو صفحة من حياته، هكذا يصير ما عاشه خلواً من أي شيء: دفتي كتاب دون صفحات.

يطيل الوقوف جنب النافذة، يظل يجول بنظره لساعات، دون أن يصاب بالملل، وأغلب الأحيان، يمضي طوال النهار مشتولاً هناك يضبب الزجاج بأنفاسه، ويرسم بسبابته أبعاداً ودوائر، ما تنفك أن تتقطر وتذوب، حتى يعيد الكرة من جديد. ابتلى بهذه العادة، بعد أن أيقن منذ أمد طويل، بأنه فقد القدرة تماماً على خلع حذائه. هذا العجز المربك أمام حذاء استعمر قدميه، وَلَّد لديه هاجساً ينخر رأسه وقدميه، هاجس ترك هذا المكان أيضا ًمازال يرهقه، أن يتبع الدرب الذي يختاره حذاؤه، وكالعادة يبحر من خلال النافذة دون دفّة، أو شراع، يترك رأسه في الدقل، وقد عوَّد جسده أن ينقلب ببساطة إلى سارية، ويبحث عن الطيور، لكن عبثاً.

"يا لهذا الثلج اللعين"!

وينهش أرضية الصالة جيئة وذهاباً، يراقب مقدمة قدميه. في الآونة الأخيرة لاحظ بروز الأصابع من جلد الحذاء بشكل يجلب الانتباه، الإصبع الكبير بدا جافاً ومتشققاً يطل بعنقه خارجاً، تكسوه طبقة خفيفة من اللون البني المائل إلى الصفرة، الأصابع الأخرى مالت إلى البروز أيضاً، يلتصق بعضها ببعض، إثر إفرازات مخاطية لزجة خليط إفرازات جلده، وعفونة الحذاء. وكلما أمعن النظر في نفسه ألقى التاريخ والجغرافيا أمامه كسوتهما دون حياء، وأخذا يمارسان الحب بسادية مقرفة.

الحَكَّة*

فاحت من ذاكرة قدميه صور تختلط بلزوجة، وتعفن الموقف، ورائحة غير مستحبة تجبره أن يتصور مشاهد مقززة مثبطة للهمة: رائحة إسكافي مُدَبّغ، يرتدي صدرية بيضاء، وسماعة طبية تتدلى على عنقه، يجري عملية بتر عضو تالف لكائن هُزم حديثاً.

عاودته وخزات الحَكَّة من جديد في باطن قدمه، كان متهيئاً لمثل هكذا طارئ. تناول السكين ذا علامة الضبع المحفور على نصله من فوق المكتبة، وأخذ يقشط باطن قدميه مزيلاً القشور والعوالق المتعفنة من بين أصابعه، ومن على كعب حذائه الذي أنبت مجدداً جذوراً متفاوتة الطول وخشنة: "مع أنني قمت بتقليمها قبل يومين"، يتأفف، ويستمر بهرش حراشيف جلد ساقه الجاف المتكلس.

بدا ظفره منتفخاً، وتحدب أصابعه يضفي إلى قدميه مظهراً بشعاً، سال سائل من قاعدة الظفر، أصبحت الرائحة لا تحتمل، فتح درفة النافذة، نفخ من فمه ضباباً محملاً بأمنيات تتخذ شكل فراشات بأجنحة سوداء مزينة بدائرتين حمراوين محاطتين بهالة صفراء، دون رموش، توحي للناظر، وكأن هذه الأمنيات محروسة بأعين الصقر. إنها فراشاته التي تتمظهر بالشر.

الضباب يلف السيارات التي تمر بين حين وآخر، وتلبس أشجار البندق على طرفي الشارع زياً ملائكياً بأغصانها المتدلية التي تلامس بخفة رؤوس المارة القلائل، وهي تقطع الشارع تحت سماء رصاصية شاحبة تمهد الدرب لقدوم الموت بهيبته الرهيبة.

سيارة وقفت قرب صندوق البريد المتواجد على الرصيف، رجل يترجل حافياً، ليودع ظرفاً، لَم يحسد في حياته حدثاً، أو كائناً مثله. تستفزه الحَكَّة، وتقطع عليه السبل لمواصلة انطباعاته، يضغط بقوة على أرضية الصالة: متى يستطيع خلع هذا الحذاء، ويتمطى تحت فراش دافئ، ويريح رأسه على الوسادة المفقودة التي تعوّد عليها، حيث لَم يلتصق الحذاء بجلد قدميه، ويكون جزءاً من لحمه تسري فيه دماؤه الحارة، ولَم تبرز أصابعه المعوجة من مقدمته، كأنها دمى بملابس جلدية وسخة، كما الآن ؟! لكن هذه اللعنة مريحة لديه، تهدئ توتره، وتزيل الارتباك عن بقية أعضائه السليمة: "قد لا يكون لدي الرغبة الحقيقية بالانفصال عنها". كان يردد هذا، ويرسم على الزجاج المضبب سهاماً تشير إلى جميع الاتجاهات، وتنطلق من مركز واحد.

كست ملامحه فرحة، ولوح للرجل محيياً: "قد يكون لهذا الرجل طبع مغاير لطبعي، ربما لا يستطيع انتعال الأحذية لراحة في كيانه، أو سكينة في قلبه، أو دفء فراشه، قد يعود السبب إلى وسادته، نعم وسادته".

لكن الأمر اختلف، حين رأى سيدة في السبعينيات من عمرها تنزه كلبها، السيدة حافية تسير على الثلج باطمئنان غير مفتعل. أطلَّ بجسده قليلاً صوب الخارج، كي تتوضح له الصورة أكثر، لفه الضباب، وأضاف غشاوة على محياه. ترطبت الأمنيات وأجنحة الفراشات التي كانت تسيل بغزارة من فمه، وتبعثرت ألوان الفراشات مع الرذاذ المتطاير من نواح الأرملة في الطابق الثالث من البناية، وأخذت تزحف على الثلج، تاركة آثارها، على بساط كفَّ أن يكون أبيض يلج بألوان الأجنحة، ورحيق الأمنيات، تسحقها أقدام حافية لسيدة بكامل وعيها. فرك عينيه قليلاً، وهو متأكد من سلامتهما، لكن السيدة ظلت حافية تسير بخطاها الثابتة غير عابئة بهيجان العالَم في رأسه المنخور في الدقل، ولا بقدميه اللتين ترفضان أن تكونا مرساة تثبت هيكله الريشي، وسط هذا الكم الهائل من اللطمات. كانت السيدة تشدّ وتحثّ على السير كلبها الذي ظل يزمجر على فراشات سكرى برحيق الأمنيات، ويمدّ أنفه، كمن يتلهف لاستنشاق كائنات عشقها، منذ زمن مضى.

***

لَم يتعود نظره أبداً على رؤية الناس حفاة، رغم جلسات ونصائح طبيبه، كان فكرة أن يكون العالَم كله حافياً ما عداه تقلب كيانه. أقر بألا يخاطر بالنظر إلى المارين، لما له من وقع مُربك على خياله. أيقن بأن الأسئلة الساذجة هي حقاً الأكثر صعوبة، حسب ما قرأ في أحد الكتب المُملة أيام ولعه بالمطالعة، ومن الأفضل أن ينهمك الواحد منا بإرهاق ذهنه بوسائل أخرى كالسياقة في الأماكن المزدحمة التي تعج بالإشارات المرورية، أو بإيجاد حلول لمعادلات رياضية معقدة، أو قتل الوقت بالانهماك، مثلاً في لعبة المكعب روبيك: "قتل الوقت، نعم قتل الوقت"، هكذا بمقدورنا أن نبتعد عن طرح الأسئلة البسيطة القاتلة التي تقلب حياتنا، وتجعلها لا تُطاق، لكن هل بالإمكان منع الوعي من التلف ؟!

يهز ذراعيه بعنف، ينبه جسده، لتتمايل السارية، راجاً الرأس المتروك في الدقل، منبها ًإياه بألا يغفو، وليوزع ابتسامة ساخرة على طريقة تفكيره، وطرحه للأسئلة. لكن السيدة العجوز، بعد أن تلاشت عن أنظاره، عاودت الظهور من بين جذوع الأشجار المتراصة، قبل أن تغيب في نهاية الشارع، تمشي حافية، توبخ كلبها، وتجرجره غير مبالية لرغباته، بدا المسكين لاهثاً، يرطب بلسانه الوردي الأمنيات السكرى.

تَذَكرَ أن السيدة تثاءبت مرتين متتاليتين أمامه، وبغنج كمن يُظهر سلوكاً يفتقر إليه أغلب العامة، دون أن يصيبه عدوى التثاؤب. منذ زمان، وهو لم يتثاءب، أَمنَ الممكن أن جهازه المناعي- نتيجة تلفه - تحصن ضد التثاؤب ؟! فتح فمه قليلاً، وغطاه بظاهر كفه، لَم يرضَ أن يتحايل على نفسه، فعدَل عن الأمر، ولكي يبعد الفكرة نهائياً عن خاطره استسلم لنتيجة مفادها: أن التثاؤب، وخلع الحذاء أمران يحتاجان إلى جرأة كبيرة، وممارسة غير مزيفة قد تتطلب دهراً.

حَكَّة مزعجة في باطن قدمه اليمنى أعادته إلى ما هو عليه، أسند باطن قدمه على مقبض الأريكة في طرفه المدبب، وأخذ يطحن حَكَّاته مع بقايا قشور متيبسة، كان متمرساً في ذلك، يقوم به كلما واتته الحَكَّة في هذه المنطقة الحرجة، والعصية على الحكّ. فجلد حذائه الثخين يمنعه من حكّه بأظافره، رغم أنه امتنع مؤخراً عن قصها، كما امتنع عن لبس القفازات في الليل أثناء النوم مخالفاً بذلك نصائح طبيبه، فلقد كان يدمي نفسه، عندما تواتيه الحَكَّة مختلطة بكوابيسه، وكل هذه الاحتياطات لَم يكن مجدية، ومع ذلك كان يوهم نفسه بالحكّ بفرك جلده بأنامله. لكن الشيء الذي كان يقلقه أكثر، إثر كل حَكَّة، هو ما كانت تقوله جدَّته دائما ًبأن:

" رحلة تنتظر كل من يصاب بحَكَّة في باطن قدمه."

منذ فترة كفَّت بعض الأعشاب، والنباتات التي كانت تظهر بين الجذور النابتة في قدميه، عن النمو، فقد كانت أزهار بعض منها تساعده على قليل من نشاط الحَكَّة، كان يسحق شتلاتها بحكّ ساقيه بعضهما ببعض، حيث يفرز من عصارتها زيتاً يرطب جلده الجاف. كان يعرف أسماء بعض منها، كنبتة لسان الثور، وعشبة الطيور، ونبات البابونج مثلاً الذي كان لأزهاره تأثير فعال على الدمامل والقروح، والأكياس المائية. لَم يكن يحبذ ما أوصاه به طبيبه في وضع قدميه في دلو من الماء البارد مرتين في اليوم، للتخفيف من شدة الحَكَّة، لكنه خشية أن تصيب الهشاشة عظامه، ويفقد القدرة على المشي، كان يسقيهما بالحليب، كي يغذيهما بالكالسيوم، كان حريصاً على ذلك، يقوم به ثلاث مرات في الأسبوع، فقط يلتزم بهذه النصيحة، لعدم استعداده التخلي عن التجوال، كما كان يُقَلّم الجذور، كلما نمت وتطاولت، وأعاقته عن المشي. كان يجوب المدينة مستمتعا ًبصوت خربشة جذوره لأرضية الرصيف، يناغم حركة أطرافه مع هذا الإيقاع المحب، والمفضل لنفسه، يحاول مسايرة الصوت، يحرك رأسه وكتفيه برشاقة راقص، ويتابع مشيته لمسافات طويلة. هذا ما علمته إياه "كارول".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مقطع من رواية بنفس الاسم للكاتب

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٥:٥٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الجنون ...هو كل ما تركه لي
سرد

الجنون ...هو كل ما تركه لي

آلاء الخيرو كثيرًا ما كانت تنتابني نوبات عصبية عارمة، تملأ جوانب حياتي وتستبدّ بي إلى حدّ يفوق التصوّر. ومع ذلك، كنت وما زلت أحاول السيطرة على تلك الانفعالات المريعة. لكن لم يخطر ببالي يومًا أنني مجنونة، حتى حين باغتني المرض؛ فهو لم يفسد حواسي، بل زادها حدّة، وجعلني أثور لأسباب لا تكاد تُذكر. ولم…

· 12 د
برزخ رمادي
سرد

برزخ رمادي

برزخ رمادي في صباح أحد الأيام العصيبة من زمن الحرب المتقدة على حدود البلاد، تسلّمت كتاباً يحمل قرار نقلي إلى إحدى الوحدات العسكرية في الصفوف الأمامية لجبهات القتال. شعرت بحيرة عارمة أمام التفكير بكيفية الوصول إلى تلك البقعة النائية التي تقع في أعماق الصحراء الشاسعة تحت وطأة ظلام الليل الدامس. كان…

· 5 د
 المسطّر
سرد

المسطّر

الأعزاء في هيئة تحرير موقع تلغراف المحترمون، شكري وامتناني العميق لحرصكم وحسن تواصلكم ورعايتكم لما اشارككم من لفحات قلمي ويُنشر على صفحات مجلتكم الغراء. تحية مودة طيبة بطيبة عطائكم وتمنياتي لكم بدوام الصحة والعطاء يسرني أن أبعث إليكم قصة بعنوان" المسطَر" ولكم كل الشكر والتقدير والاحترام..........…

· 10 د