انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

برزخ رمادي

فاضل العذاري
فاضل العذاري

قاص وأديب عراقي

5 دقائق للقراءة
15 مشاهدة
برزخ رمادي
مشاركة:

في صباح أحد الأيام العصيبة من زمن الحرب المتقدة على حدود البلاد، تسلّمت كتاباً يحمل قرار نقلي إلى إحدى الوحدات العسكرية في الصفوف الأمامية لجبهات القتال. شعرت بحيرة عارمة أمام التفكير بكيفية الوصول إلى تلك البقعة النائية التي تقع في أعماق الصحراء الشاسعة تحت وطأة ظلام الليل الدامس. كان القلق ينهشني؛ فالرحلة نحو الوجهة المنتظرة ستتطلب وقتاً طويلاً قد يتجاوز اليوم الواحد، يغيب خلاله النهار ويحلّ المساء. حينئذٍ، كيف سأبيّن للسائق المكان الذي أحتاج النزول فيه أثناء سير المركبة على الطريق الصحراوي وأنا بنفسي لا أعرف وجهتي المحددة؟ وحتى لو عرفتها، كيف يمكنني أن أهتدي إليها وأحددها وسط عتمة شديدة، حالكة السواد في متاهات مفازة منقطعة قد تكون صعبة المسالك؟
مع منتصف الليل، اجتزت المرحلة الأولى من السفر ووصلت إلى مرآب المدينة، مستعداً لركوب حافلة أخرى صوب موقع وحدتي. أمام باب المرآب، كانت الحافلات تتحرك بوتيرة متسارعة، والجنود يهرولون هنا وهناك: بين من يسعى للحاق بالمعركة على الجبهات الأمامية، ومن يفرّ من أهوال الموت عائداً إلى مدينته. احتشدت المشاعر وتملّكني سؤال يلح عليّ بشدة: هل أمضي قدماً إلى الجحيم أم أعود أدراجي إلى الأمان؟ لكن إحساساً داخلياً أقنعني بأنها مجرد فترة قصيرة من الخدمة الإلزامية التي تُؤدى بعد التخرج من الجامعة، يليها التسريح سريعاً كما هو المعتاد.
وسط أزيز الطائرات وهدير الانفجارات البعيدة، كان الناس يجلسون على جانبي الطريق، يهربون من الموت بحثاً عن مأوى آمن. وجدت نفسي جالساً قرب جدار المرآب، مرهقاً، وأفكاري مثقلة بأسئلة تدور بلا إجابة. فجأة، توقفت أمامي حافلة، وكأنها الإشارة الوحيدة للأمل وسط هذه الفوضى العارمة. دون أن أفكر كثيراً، صعدت وجلست في مقعدٍ شعرت وكأنه نافذتي للخلاص.
كان الطريق طويلاً ومحاطاً بالخوف من جميع الجهات، فكل اهتزاز للحافلة تحوّل إلى تذكيرٍ بالخطر المحيط بنا. كانت السماء ملبدة بالدخان، والصواريخ تتهاوى بلا رحمة. وبينما ركاب الحافلة يحاولون إظهار ثباتهم بصوتهم العالي وهتافاتهم الشجاعة التي تخفي الهلع الكامن في أعماقهم، كنت أعيش حالةً مستمرة من التأهب والتوتر.
حين اقتربنا أخيراً من منطقتي العسكرية، ساعدني بعض الجنود في التعرف على الموقع الصحيح للوحدة. توقف السائق وأشار لي بالنزول. وقفت على تراب الطريق بينما ارتسمت خيوط الفجر على الأفق، تشق طريقها بهدوء في عتمة الليل كأنما تعلن عن بداية جديدة. وقعت عيناي أخيراً على لوحة صدئة تحمل اسم ورقم وحدتي المنشودة. وفي طريقي إلى مدخل الوحدة، اهتزت الأرض تحت قدمي جراء قصف الطائرات العنيف للموقع. تجمد الزمن حولي في تلك اللحظة، فيما اتجهت أسراب الطيور إلى السماء فزعاً من صوت الانفجار الشديد.
أمام البوابة، وقف شخص بدا مألوفاً لي. رفعت عيناي إليه، فرأيت وجهاً ظننته قد غاب عن عالمي للأبد! كان أخي الأكبر، الذي عبر معي الكثير من المحن، والذي فقدته في إحدى المعارك الماضية. لم أصدق ما تراه عيناي، وتسللت إلى أعماقي عشرات التساؤلات كعاصفة لا تهدأ، بينما تباطأت خطواتي نحو مكانه.
ابتسم لي بهدوء وكأنه لا يحمل سوى السكينة، وكأن وجوده هنا جزء طبيعي من يومياته. ورغم اضطرابي وترددي، انهارت داخلي الحواجز وسألته بصوت مخنوق بصدمة:
- كيف وصل الأمر إلى هذا؟ ألم أحمل نعشك فوق كتفي وعلى أكتاف الآخرين في تشييع مهيب، ثم وارينا جثمانك تحت الثرى في مرقدك الأخير؟ لقد أوجعت قلب أمك بفراقك وظلت تبكيك إلى آخر نفس من عمرها!
نطقت كلماتي وهي تحمل كل الألم والدهشة، بينما شعرت بجسدي يرتجف وقشعريرة خافتة تمتد بداخلي، كأن قوى مجهولة تحاول سحبي نحو عالم لا أفهمه. رد عليّ بصوت هادئ يغلفه الغموض:
- أنت الآن في معسكر سرية الشهداء: هنا لا فرق بيننا، فالجميع على قيد الحياة يقفون معاً لتحقيق النصر كرموز خالدة ترهب الطغاة، وتؤكد أن النضال لا يحده موت.
كانت كلماته تنقل الإيمان والقوة بثبات، لكنها وضعتني في دوامة من الحيرة والغموض. وجدت نفسي أخاطب داخلي بصمت متكرر: هل يعني ذلك أنني رحلت عن عالمي بفعل القصف الأخير؟ أم أنني عالق بين واقعين لا أفهمهما؟ خرج مني سؤال متردد بالكاد سُمع:
- هل صرتُ شهيداً مثلكم؟
لم أجد منه إجابة واضحة: فقط أشار لي بهدوء أن أتبع خطواته. سار أمامي إلى أعماق معسكر الأرواح المترع بالذخائر الحية والخنادق والمخابئ. بدا المشهد استثنائياً ومهيباً وهو يشرح لي موضحاً:
- إن هذا المكان ليس نهاية المطاف، بل بوابة عبور نحو صمود سرمدي لا يضعف، غايته الأسمى مقاومة أي اعتداء غاشم، ودحر الظلم والقمع والاستبداد القائم.
وعندما انتهت الجولة بين جنبات ذلك المعسكر المشحون بالأمل والتحدي، أدركت الحقيقة التي بدت لي كالشمس الساطعة: ما كنت أظنه نهاية لم يكن سوى بداية جديدة. وبينما اصطفت الأرواح رافعة شعارها معلنة استعدادها لمرحلة جديدة من الكفاح، شعرت بطاقة جديدة تهدر في داخلي كبركان يستعد للانفجار، ثم التفتَ إليّ ومدّ يده نحوي ليجذبني إلى عالمه الآخر، ولكن سرعان ما شدّت على يدي قوةٌ من الخلف وسحبتني إلى داخل خندق الإسعاف الميداني، حيث أُسنِدتُ في جوفه إلى الأرض الترابية. هناك، بدأ المسعفون بتضميد جراحي النازفة على عجل، ثم حُقِنتُ بإبرة مخدرة لتسكين الألم. وما هي إلا لحظات حتى تلاشت الحدود وغبت في برزخ عميق، اختفى فيه أخي عن نظري تماماً وسط هالة من الضوء الغامر، وفي غمرة ذلك السكون المحير لم أعلم هل ما زلتُ حياً، أم ضمَّ جسدي لحدٌ، أو أنه غدا جثةً في العراء، أو بعثر القصفُ أشلاءه في الفضاء! بيد أنني لم أجد جداراً يحجزني ولا خندقاً يحدّني، بل متاهة مصير رمادي تُفْضي إلى مآل واحد من كل هذه الاحتمالات.
بدأت الأصوات تتداخل في مسمعي وتتلاطم كأمواج مشوشة، غلب عليها صوت مسعف يصرخ قريباً من أذني:
- نبضه يعود، ما زال ثمة أمل!
ولم أعد أدري إن كان هذا السائل اللزج الدافئ الذي يتدفق من جراحي، هو دم ينبض بالحياة داخل خندق الجبهة، أم مسك الشهادة الذي يفتتح أولى معارك الخلود؟ ومع ذلك، لم يعد يهمني، ولا يقلقني شيء سواء كنت حياً أو ميتاً ما دمت لم أفقد الغاية التي أضحت أشدّ جلاءً، مُدركاً في الوقت ذاته أنني غدوت جزءاً من الحكاية التي لن تنطفئ أبداً.

مشاركة:

آخر تحديث: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الجنون ...هو كل ما تركه لي
سرد

الجنون ...هو كل ما تركه لي

آلاء الخيرو كثيرًا ما كانت تنتابني نوبات عصبية عارمة، تملأ جوانب حياتي وتستبدّ بي إلى حدّ يفوق التصوّر. ومع ذلك، كنت وما زلت أحاول السيطرة على تلك الانفعالات المريعة. لكن لم يخطر ببالي يومًا أنني مجنونة، حتى حين باغتني المرض؛ فهو لم يفسد حواسي، بل زادها حدّة، وجعلني أثور لأسباب لا تكاد تُذكر. ولم…

· 12 د
 المسطّر
سرد

المسطّر

الأعزاء في هيئة تحرير موقع تلغراف المحترمون، شكري وامتناني العميق لحرصكم وحسن تواصلكم ورعايتكم لما اشارككم من لفحات قلمي ويُنشر على صفحات مجلتكم الغراء. تحية مودة طيبة بطيبة عطائكم وتمنياتي لكم بدوام الصحة والعطاء يسرني أن أبعث إليكم قصة بعنوان" المسطَر" ولكم كل الشكر والتقدير والاحترام..........…

· 10 د
شتاء أغسطس
سرد

شتاء أغسطس

كان جسدي بارداً، ولم أصرخ.. انتظرت لبرهة، أخذت نفساً عميقاً برائحة التفاح، رأيت الحزن بعين الجَدّة.. تلمّست حبلي السُّرّي، كان مربوطاً بيني وبين مسمار في الجدار.. نشروا عليه الأغاني.. تركوها حتى تجفّ موسيقاها.. وينمو زغب الطير فيها.. ما زلت معلّقاً من أطرافي بيد الجَدّة.. بينما تسيل من فمي أحاديث…

· 2 د