انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الراط

عساف سلامة السلمان
عساف سلامة السلمان

قاص وكاتب سوري

4 دقائق للقراءة
91 مشاهدة
الراط
مشاركة:

حين تراجع النهر وانحسر ماؤه، وجد أهالي الحبوبة أنفسهم أمام مشكلة تهدد أراضيهم الزراعية الواقعة غرب القرية. كان عليهم أن يجدوا وسيلة لاستجرار المياه إلى الأراضي البعيدة عن مجرى النهر، فقرروا حفر خندق عميق وعريض يوصل الماء إليها.

لم تكن لديهم آليات حديثة؛ كانت أدواتهم الغزمات والكواريك، وأيديهم التي اعتادت العمل في الأرض. خرج الرجال والنسوة منذ الصباح، وظلوا يحفرون حتى المساء. استمر العمل شهوراً، يتناوبون عليه بإصرار، حتى اتخذ الخندق شكل قوس واسع يبدأ من شرق قرية البغل ويمتد حتى حويجة عويد .

أطلقوا عليه اسم "الراط".

لا أعرف على وجه اليقين أصل هذه التسمية. أهي من كلمة "راديوس"، أي نصف القطر، بالنظر إلى شكل القوس الذي رسمه الخندق؟ أم لها أصل آخر من لغات المنطقة القديمة؟ بقي الاسم متداولاً بين الناس، مثل كثير من الكلمات التي ورثناها عن أسلافنا من غير أن نعرف حكايتها كاملة.

وحين جرت المياه في الراط، علت الزغاريد وانطلقت الدبكات. كان ذلك إنجازاً يستحق الفرح؛ فقد استطاع أهل القرية، بأيديهم وأدواتهم البسيطة، أن يعيدوا الحياة إلى الأرض. اخضرّت الحوايج، وصارت مكاناً لزراعة الخضار والدبشي صيفاً، ومرعى للأغنام والبهائم.

كبرنا والراط جزء من عالمنا اليومي. لم نعرف مشقة حفره، لكننا ورثنا خيره، واتخذناه فضاءً للعب ومغامرات الطفولة.

في الصيف، كنا نذهب إليه خلسة وقت القيلولة، حين يأوي أهل القرية إلى بيوتهم هرباً من الحر. نسبح في مياهه، ثم نعبر إلى حويجة البغل لنأكل الدبشي، مستغلين غفلة الأهل حتى لا ينكشف أمرنا. كنا نرى في ذلك مغامرة بريئة، ولم يخطر ببالنا أن الماء الذي نأنس به قد يخفي خطراً لا نعرفه.

كان عمر أكبر منا سناً وأكثرنا جرأة. يحب أن يستعرض مهارته في السباحة والغطس، وكنا ننظر إليه بإعجاب.

في ذلك اليوم، طلبت منه أمه أن يحضر الحمار من الحويجة، ليحمل عليه القمح في اليوم التالي وينقله إلى مطحنة محمد العوض.

ذهبنا إلى الراط، وكلنا شوق إلى العبور نحو حويجة البغل. وقف عمر على كومة من التراب تشرف على الجرف، والتفت إلينا قائلاً:

"انظروا إلى الغطس المثالي!"

قفز عالياً، وغاص برأسه في الماء.

انتظرنا ظهوره على السطح، لكنه تأخر. ظننا أول الأمر أنه يمازحنا أو يستعرض قدرته على البقاء تحت الماء. مرت دقيقة، ثم دقيقتان، وثلاث. بدأ القلق يتسلل إلى نفوسنا، وصرنا نناديه:

"عمر! عمر! عمر!"

لم يجب.

تحول انتظارنا إلى خوف، ثم إلى ذعر. ركضنا نحو القرية نستغيث، فسمعتنا الحاجة مريم، وفزعت أهل القرية. نزل الرجال والنساء من تلة البغل باتجاه الراط، وتجمعوا على الضفة، يبحثون عن عمر تحت الماء.

جاء عمي خلف، الرجل الهادئ القوي، الذي اشتهر بين أهل القرية بطول نفسه تحت الماء، وكانوا يعدّونه أفضل الغطاسين.

غاص في الراط، فيما ظلت العيون تراقب سطحه. وبعد وقت خرج إلى الهواء، وأشار إلى أنه لم يعثر على عمر. أخذ نفساً عميقاً، ثم عاد إلى الماء.

ساد الصمت. لم يعد يُسمع إلا الدعاء وهمسات الخوف.

وبعد لحظات، ظهرت رأس عمي خلف على السطح، وكان يمسك بذراع عمر. أخرجه إلى ضفة الراط، ووضعه على الأرض، وراح يحاول إنقاذه. ضغط على بطنه وصدره، محاولاً إخراج الماء وإعادة التنفس إليه، لكن جسد عمر ظل ساكناً.

كانت عيناه مفتوحتين وجاحظتين ، ولم يستجب لمحاولات عمي خلف. بدا العجز على وجوه الواقفين، وأدرك الجميع أن شيئاً فادحاً قد حدث.

عندها انطلقت صرخة أمه، فشقّت سكون المكان:

"وليدي مات! غرق بالراط! يا ويلتي عليك يا عمر!"

تجمعت النساء حولها، وتعالت أصوات النعي والبكاء. في لحظات، انقلب المكان الذي اعتدنا أن نملأه بالضحكات إلى مأتم. كان الراط يجري في مساره صامتاً، بينما راحت صرخة الأم تتردد بين الضفة والتلة وبيوت القرية.

حمل الرجال عمر إلى القرية، وسجّوه أمام بيته، ثم بدأوا تجهيزه للدفن. توافد الناس، وبقيت أمه تندبه، فيما وقفنا نحن، رفاقه الصغار، عاجزين عن استيعاب ما حدث.

خرج عمر من البيت في ذلك اليوم كما خرج عشرات المرات من قبل، لكنه لم يعد. كانت أمه قد طلبت منه أن يحضر الحمار استعداداً لنقل القمح إلى المطحنة، ولم تكن تعلم أن ذلك الطلب البسيط سيصبح آخر ما تطلبه منه.

مات عمر قبل أن يعبر إلى حويجة البغل، وقبل أن يقطف الدبشي، وقبل أن يعود إلى أمه.

مرت السنوات، وتبدلت وجوه كثيرة في القرية، لكن الراط بقي في مكانه، يحمل الماء إلى الحوايج، ويسقي الأرض، ويمنحها خضرتها كل صيف.

أما أنا، فما زلت كلما استعدت تلك الأيام أرى عمر واقفاً فوق كومة التراب، يلتفت إلينا بثقة ويقول:

"انظروا إلى الغطس المثالي!"

ثم يقفز ويغيب.

وأظل أنتظر ظهوره على سطح الماء، كأن الزمن لم يمضِ، وكأن نداءنا يومها لم ينتهِ بعد.

حفر أهل الحبوبة الراط بأيديهم ليجلبوا الحياة إلى الأرض، ولم يتخيلوا أن يصبح شاهداً على موت طفل.

مات عمر قبل أن يعبر إلى حويجة البغل، وقبل أن يجلب الحمار لأمه أو يحمل القمح إلى المطحنة.

وبقي الراط، وبقيت الحبوبة، وبقي عمر في ذاكرة طفل كبر، لكنه لم ينسَ ذلك اليوم.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

سأترك السفينة
ثقافة عربية

سأترك السفينة

ليس تقدما في العمر ولا خوفا من المغامرة بل إن تكرار الحروب مجددا يعيدنا الى إلى نفس الصفر لأننا لا نجد مغارة ولا كنز لا نجد امرأة جميلة ولا خاتم سليمان لا نجد الوحش ولا الجرذان نجد فقط كلابا ميتة والماء عطشان ليس برودا عاطفيا أو نقصان في الحماسة ولا خوفا من الأسر بل إن العالم أفرغ وأصبح خاليا ففي…

· 1 د
قيد الدراسة
ثقافة عربية

قيد الدراسة

كان مصطفى يعرف المطر من رائحته قبل أن تمسّ السماءُ الأرض. في العاشرة من عمره، في حيٍّ أسفل الطريق نسيته الخرائط عند طرفها، تعلّم أن للتراب في أول الخريف نَفَساً حاداً كطعم قطعة نقدٍ على اللسان. يشمّه أبوه سالم يترك الشاي الأحمر يبرد في الكأس ويحدّق في آخر الزقاق، حيث ينفتح في الرصيف مصرفٌ مسدود بما…

· 5 د
صوت الصمت
ثقافة عربية

صوت الصمت

صوت الصمت قصة قصيرة يستلقي فوق سريره كجثةٍ نسيتها الحرب، يحدق في سقف الغرفة الذي بات مرآةً لخواء روحه. لم يكن السرير مجرد خشبٍ ومرتبة، بل كان زاويةً منسية في قبو العالم، وكانت عيناه مسمرتين في تشققات الطلاء التي بدت له كشروخٍ في كيانه توقف عن ترميمها منذ زمن. في الخارج، لم يكن المطر يطرق النافذة،…

· 4 د