يستلقي فوق سريره كجثةٍ نسيتها الحرب، يحدق في سقف الغرفة الذي بات مرآةً لخواء روحه. لم يكن السرير مجرد خشبٍ ومرتبة، بل كان زاويةً منسية في قبو العالم، وكانت عيناه مسمرتين في تشققات الطلاء التي بدت له كشروخٍ في كيانه توقف عن ترميمها منذ زمن.
في الخارج، لم يكن المطر يطرق النافذة، بل كان يشن هجوماً انتحارياً، رصاصاتٌ مائية تضرب الزجاج بإيقاعٍ ساديٍّ يجلد سكون المكان. كل قطرةٍ كانت تصرخ باسمٍ نسيه، أو ذكرى حاول وأدها.
أزاح غطاءه الثقيل بتثاقلٍ مفرط، وكأنَّه يرفع عن صدره ركام ستة عقودٍ من الإخفاقات، ثم اتجه نحو النافذة بخطواتٍ وئيدة، تاركاً خلفه في الفراش طبعة جسدٍ دافئة، هي الأنيس الوحيد له في هذا الليل.
على الزجاج، انزلقت خيوط المطر ببطءٍ موجع، كانت تشبه تماماً تلك السنوات التي تسربت من بين أصابعه حين كان يظن أنَّ «الوقت» مجرد نهرٍ لا ينضب. والآن، وقف وجهاً لوجه مع الحقيقة المؤلمة: ستون عاماً، وجدرانٌ صماء لا ترد الصدى، وفنجان قهوةٍ باردٌ على الطاولة ينتظر شريكاً لن يأتي أبداً.
كان الضباب يصبغ الوجود، والبرودة تنهش في عظامه بضراوة ذئب جائع. ارتجفت أوصاله، فآبَ إلى دفء لحافه كجنينٍ يبحث عن أمانٍ مفقود.
الصمت هنا لم يكن غياباً للصوت، بل كان كياناً حياً، وحشاً رابضاً في الزوايا، لا يكسره إلا قرع المطر على الزجاج.. قرعٌ يشبه طرقات الندم على أبواب ذاكرته الموصدة بالأقفال.
وسط ذلك الحصارِ الرتيب لقطرات المطر، انشقَّ ليلُ الغرفة فجأة برنين هاتفه. لم يكن مجرد جرس، بل كان انفجاراً كونياً في مجرّة صمته. انتفض قلبه بين ضلوعه كعصفورٍ ذبيح، وارتجفت يده وهي تمتد نحو الهاتف الذي قذفه الضوء فجأة وسط العتمة.
لم ينظر إلى الرقم، ولم يهمه من يكون؛ ففي قاع الغرق، لا يسأل الغريق عن هوية اليد التي تمتد إليه. ألصقه بأذنه بلهفةٍ محمومة، وصرخ: «ألو؟» بملء صوته المشروخ، بصوتٍ خرج من حنجرةٍ جفّت فيها الكلمات منذ قرون. انتظر.. تجمّد نبضه.. وتلاشت أنفاسه ليفسح المجال للرد لكن الرد كان.. هويةً أخرى للصمت.
لم يكن صمتاً عادياً، بل كان صمتاً «مسكوناً»؛ كان بوسعه أن يسمع فيه حشرجة الوجود، وهسيس الفراغ على الطرف الآخر. لم يكن هناك تنفس، ولا ضجيج شارع، ولا خشخشة خطوط.. كان صمتاً يشبه صمت المقابر في ليلةٍ ريحها عاصف.
شعر وكأنَّ أذنه تلتصق بـ «تابوت»، وكأنَّ الوجود ذاته قرر أن يداعبه بـ «أملٍ كاذب» ثم يصفعه ببرودة العدم. ظلَّ الخط مفتوحاً لثوانٍ بدت كأنها دهور، يبتلع فيها الهاتف ما تبقى من كرامة وحدته، حتى انقطع الاتصال بـ «طنة» باردة، كانت أشبه بضربة مِعولٍ على حجرٍ صلد.
في تلك اللحظة، طفت على سطح ذاكرته وجوهٌ منسية؛ نصائح أصدقائه وتوسلات زملائه حين كان في الأربعين، يحذرونه من خريف العمر ومن «قطار» لا ينتظر الواقفين على أرصفة الغرور، فما كان منه حينها إلا أن يطلق ضحكةً واثقة، تبدو له الآن كصرخة أحمق في وادٍ سحيق.
أهوى بيده فوق السرير؛ لم يكن ذلك مجرد اتصالٍ خاطئ، بل كان إعلاناً رسمياً من القدر: لا أحد يذكرك.. حتى الصدفة ضلت طريقها إليك.
سقط الهاتف من يده المرتجفة، فاستقر فوق السرير كجسمٍ غريبٍ لفظه البحر. لم يعد في جسده متسعٌ لمزيدٍ من اليأس، كان الجوع يقرص أحشاءه بضراوة، لكن «عجز الروح» كان أشد ثقلاً من حاجة الجسد؛ كان كم يحمل جبلاً على كتفيه ولا يملك إلا أن ينحني.
استسلم لجاذبية الوسادة، وأغمض عينيه بقوةٍ كأنه يحاول إغلاق أبواب العالم خلفه. في تلك اللحظة، بدأ صوت المطر الرتيب على الزجاج يتغير.. لم يعد قرعاً سادياً، بل تحول إلى رذاذٍ ناعمٍ يوشوش في أذنه، غامت حدود الغرفة، وتلاشت برودة الأطراف تحت وطأة «موتٍ مؤقت» اختاره طواعية.
في عمق تلك الدهاليز المظلمة، حيث يمحو النومُ تجاعيدَ الستين ومرارة الوحدة، انشقَّ سكونُ العدم عن ضياءٍ خافتٍ يشبه خيوط الفجر الأولى. لم يشعر بالانتقال، بل وجد نفسه هناك.
فجأة.. لمس شيئاً لم يلمسه منذ عقود؛ لمسةً ليست من صنع الخيال، بل كانت يداً حانية، دافئة، ذات ملمسٍ يعرفه كل جزيءٍ في كيانه. كانت يداً تمسح عن جبينه عرق التعب، وصوتٌ رخيمٌ يقطر حناناً، انساب في روحه كالنهر الصافي:
قم يا بني.. الفطور جاهز، لا تتأخر عن دروسك.. الشمسُ أشرقت منذ زمن!
فتح عينيه ببطءٍ شديد، متشبثاً بطرف ذلك الصوت، باحثاً عن تلك اليد في عتمة الغرفة. لكنَّ الضوء الوحيد كان انعكاس المطر على السقف الصامت. أدرك حينها أنَّ «الصمت» قد عاد ليلتهم المكان بضراوةٍ أكبر، وأنَّ تلك اليد التي أيقظته لم تكن إلا طيف أمه الراحلة، وهي تمارس دورها الأبدي في حمايته.. حتى وهي خلف حجاب الغيب، كانت تحاول إنقاذ ما تبقى منه من أنياب شيخوخته.. حتى في الأحلام.
صوت الصمت

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٢٤ ص






التعليقات