انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

قيد الدراسة

حسين بن قرين درمشاكي
حسين بن قرين درمشاكي

قاص وروائي ليبي

5 دقائق للقراءة
21 مشاهدة
قيد الدراسة
مشاركة:

كان مصطفى يعرف المطر من رائحته قبل أن تمسّ السماءُ الأرض. في العاشرة من عمره، في حيٍّ أسفل الطريق نسيته الخرائط عند طرفها، تعلّم أن للتراب في أول الخريف نَفَساً حاداً كطعم قطعة نقدٍ على اللسان. يشمّه أبوه سالم يترك الشاي الأحمر يبرد في الكأس ويحدّق في آخر الزقاق، حيث ينفتح في الرصيف مصرفٌ مسدود بما تجرّه الريح وتلقيه الأيدي: أكياس وقوارير، وإسفنجةٌ صفراء ضخمة أقامت في مكانها سنةً كاملة حتى سمّتها مريم، أخت مصطفى ذات الست سنوات، "الخروف"، وصارت تلوّح له كل صباح في طريقها إلى الروضة.

كان سالم كاتب مخازن، ويؤمن بأن العالم يُصلَح بالمراسلات المرتبة. في دولابه ملفٌّ أخضر فيه ثلاث نسخ من طلبٍ واحد بخطه المنمّق: تنظيف مصرف الزقاق وتعميقه. على كل نسخة ختمٌ أزرق مدوَّر يقول "قيد الدراسة"، وتحته تاريخ الاستلام: مارس ٢٠١٩، ثم يونيو ٢٠٢٢، ثم فبراير ٢٠٢٤. وبين الطلب والطلب كانت تمرّ صيوف وشتاءات، يقول فيها لنفسه إن الأوراق كالأشجار، تحتاج وقتاً لتثمر.

كان مصطفى، إذا سُمح له بفتح الملف، يمرّر إصبعه على الختم كمن يتحسس ندبة.

بدأ المطر في الحادية عشرة ليلاً، وكان صوتاً قبل أن يكون ماء: طبولٌ على الصفيح، ثم هديرٌ بعيد كأن أحداً يجرّ كيساً ثقيلاً على الإسفلت.

وجد مصطفى مريم جالسة في سريرها بالغرفة المنخفضة قرب الباب، قدماها مضمومتان إلى صدرها، تعدّ القطرات التي تتسلل من تحت العتبة. كان الماء قد بلغ عرض كفّ.

قالت: السرير راهو يمشي يا مصطفى.

حملها وصعد الدرج. في الأعلى كانت فاطمة ترفع الفرش فوق الكراسي، وتشدّ شيشة الغاز إلى الشباك. وحين مدّ سالم يده إلى القضيب الحديدي خلف الباب، كان مصطفى يربط حذاءه بعقدتين محكمتين. نظرت فاطمة إلى الولد، ثم إلى زوجها، وقالت:

شدّه من حزامه يا سالم، وربّي يستر.

كان الزقاق نهراً بنياً تدور فيه الحاويات حول نفسها ببطء. وصلا إلى الفوهة، فغرز سالم القضيب بين قضبان الشبك وشدّ عليه بكل وزنه، فارتفعت حافة الشبك بمقدار كفّ، ثم ثبّت القضيب في مكانه كي لا تعود. أدخل يده في الفجوة فبلغت مفاصل أصابعه ولم تتجاوزها.

نظر مصطفى إلى أبيه، فنظر الأب إلى ذراع ابنه النحيلة، ثم إلى الفجوة، ثم أومأ مرة واحدة.

قال: ما تخافش يا وليدي، أنا ماسكك.

انزلق الولد إلى الماء على صدره، خدُّه على الحديد البارد، وذراعه تغوص في العتمة حتى الكتف، وقبضة أبيه تشدّ حزامه من الخلف. وجد أولاً قماشاً رخواً، ثم سلكاً حاداً جرح راحته في العتمة فشعر بلسعة الدم الحارة رغماً عن برودة الماء، ثم التقت أصابعه بكتلةٍ ثقيلة تشبه حيواناً غريقاً. شدّها فلم تتزحزح.

صرخ: امسكني مليح يا بوي.

شدّها ثانية، وشدّ الأب من الخلف، فجاءت الكتلة قطعةً قطعة، وفي آخر ما جاء عرف ملمسها الإسفنجي المتعفن، وفكّر في مريم قبل أن يفكّر في الخطر.

ابتلع المصرف ابتلاعةً عميقة. انحسر الماء عن ركبتيهما، ثم عن كاحليهما، ومال كله نحو الفوهة في دوّامةٍ صغيرة.

جلسا على الرصيف تحت المطر لالتقاط أنفاسهما، وظلّت أصابع سالم مطبقة على حزام ابنه وقتاً بعد أن لم يعد ثمة ما يُمسَك، بينما كان مصطفى يضغط بيده الأخرى على راحته النازفة.

في الصباح خرج الحيّ إلى الشارع يعدّ خسائره. فُرشت الأغطية على الأسوار، وأُخرجت الكراسي المبتلّة إلى الشمس، ووقفت النساء عند الأبواب يقارنّ علامات الماء على الجدران، وكل واحدة تقسم أن بيتها غرق أكثر.

مرّت مريم بالمكان نفسه في طريقها إلى الروضة، ولوّحت للفراغ حيث كان الخروف.

قالت: وين مشى؟

قال مصطفى وهو يخفي كفّه المضمودة خلف ظهره: مشى يشرب.

العاشرة صباحاً، تحركت سيارة بيضاء بمهل عند رأس الزقاق، ونزل منها رجل بسترة نظيفة، صوّر الفوهة المفتوحة ومضى. قال أحد الجيران: يمكن جايين يسرّحوه. ولم يردّ سالم.

ثم وقف سالم في طابور الخبز عند دكان عمّ إدريس. كان المذياع على الرف يتمتم بصوت رجلٍ مرتاح: "...تركةٍ ثقيلة خلّفها النظام السابق..."

دفع ثمن الخبز، وعدّ الفكّة مرتين، وخرج.

انقطع الضوء في الليلة التالية، فجلس الاثنان إلى الطاولة تحت شمعة. أخرج مصطفى كراسة التاريخ ليحلّ واجبه، وكان الشاش الأبيض الذي لفّته فاطمة على كفّه يتشرّب نقطة دم صغيرة جفّت عند الأطراف.

كان السؤال الأول في الكراسة: في أي عام انتهى حكم النظام السابق؟ كتب بقلم الرصاص: ٢٠١١.

مال سالم فوق كتف ابنه ورأى الرقم. حسب في سرّه: خمسة عشر خريفاً، والختم الأزرق لم يتغيّر. لم يقل شيئاً.

في الجهة المقابلة فتح الملف الأخضر، وسحب ورقة بيضاء، وبدأ يكتب بخطه المنمّق: "السيد مدير…" ثم سطراً بعد سطر، حتى بلغ آخر الصفحة حيث يُكتب التاريخ. توقّف، ونظر إلى الروزنامة على الجدار، وكتب: ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

جاءت فاطمة بكأسين من الشاي الأحمر ووضعت واحداً عند كفّ ابنه الملفوفة. قرأت التاريخ من فوق الورقة، وقالت دون أن ترفع عينيها:

وكان ما ردّوش؟

لم يجب. وضع النسخة الرابعة فوق الثلاث، وأغلق الملف، ولم يعده إلى الدولاب هذه المرة.. تركه على الطاولة قرب الشمعة.

على الدرج ظهرت مريم بقميص النوم، تحمل ظرفاً قديماً رسمت على ظهره بالقلم الأصفر شكلاً مستديراً له أربع قوائم.

سألت: الخروف يرجع؟

قال مصطفى: يجي واحد غيره. بس احنا نعرفو وين نفتحو وكيف؟

من جهة البحر كانت السماء تثقل مرة أخرى. فتح مصطفى النافذة قليلاً وأخذ نفساً طويلاً.

ونظر سالم إلى آخر الزقاق، وكفّه مفتوحة على الطاولة. لم يكن ينتظر هذه المرة؛ كانت يده تعرف وزن ما في المصرف.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥٦ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الراط
ثقافة عربية

الراط

حين تراجع النهر وانحسر ماؤه، وجد أهالي الحبوبة أنفسهم أمام مشكلة تهدد أراضيهم الزراعية الواقعة غرب القرية. كان عليهم أن يجدوا وسيلة لاستجرار المياه إلى الأراضي البعيدة عن مجرى النهر، فقرروا حفر خندق عميق وعريض يوصل الماء إليها. لم تكن لديهم آليات حديثة؛ كانت أدواتهم الغزمات والكواريك، وأيديهم التي…

· 4 د
سأترك السفينة
ثقافة عربية

سأترك السفينة

ليس تقدما في العمر ولا خوفا من المغامرة بل إن تكرار الحروب مجددا يعيدنا الى إلى نفس الصفر لأننا لا نجد مغارة ولا كنز لا نجد امرأة جميلة ولا خاتم سليمان لا نجد الوحش ولا الجرذان نجد فقط كلابا ميتة والماء عطشان ليس برودا عاطفيا أو نقصان في الحماسة ولا خوفا من الأسر بل إن العالم أفرغ وأصبح خاليا ففي…

· 1 د
صوت الصمت
ثقافة عربية

صوت الصمت

صوت الصمت قصة قصيرة يستلقي فوق سريره كجثةٍ نسيتها الحرب، يحدق في سقف الغرفة الذي بات مرآةً لخواء روحه. لم يكن السرير مجرد خشبٍ ومرتبة، بل كان زاويةً منسية في قبو العالم، وكانت عيناه مسمرتين في تشققات الطلاء التي بدت له كشروخٍ في كيانه توقف عن ترميمها منذ زمن. في الخارج، لم يكن المطر يطرق النافذة،…

· 4 د