انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مَصْرَعُ مَكْتَبَةٍ

ياسين غالب
ياسين غالب

شاعر وروائي

3 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
مَصْرَعُ مَكْتَبَةٍ
مشاركة:

كانت مكتبة (خورشيد) كشكًا صغيرًا في أحد أركان العالم، كأنها قطعةٌ من الزمن عُزلت عن كل شيء. رائحة الورق المعتّق تعبق في الهواء، ممزوجةً برائحة الخشب العتيق، فتملأ المكان بعبق الأجداد وسِيَرهم المعلّقة بين طيّات الكتب والصور المصفرّة. وعلى الجدران التي شهدت خيبات آمال الأجيال الماضية، عُلّقت صورٌ لمشاهير من زمنٍ مضى، تنبض بصدًى لذاكرةٍ لا تنقطع. بين صورةٍ لزعيمٍ مشنوق، وأخرى لموسيقيٍّ مات مشرّدًا بعدما نسيه جمهوره، وثالثةٍ لكاتبٍ معروف قضى بذبحةٍ صدرية بعد ليلةٍ ماجنة، جلس خورشيد في أحد أركان المكتبة، يبتسم لذكراهم. وقد تحوّل هو نفسه إلى ورقٍ وحبرٍ ونسيانٍ في زمن الشاشات الرقمية.

هكذا شعر آنذاك، محاطًا بجدرانٍ مرصوفةٍ بالكتب التي تختزن في صفحاتها أرواحًا جفّفها الزمن، كأنها أطيافٌ خفية تتجوّل في رحاب الوقت والمكان. ومنذ مدة، كان ذهن خورشيد غارقًا في بحرٍ من الذكريات، تطفو فيه أطيافٌ شبحية تحت ضوءٍ خافت.

تذكّر الأصدقاء الذين غابوا أو غُيّبوا لأسبابٍ سياسية؛ تذكّر الأصدقاء الذين غابوا أو غُيّبوا لأسبابٍ سياسية؛ أولئك الذين ذابت آثارهم كأوراق شجرٍ تلوكها العاصفة بفمها، تاركين خلفهم ضحكاتٍ لم يبقَ منها سوى صدى لماضٍ بعيد.

كانت المدينة الهرمة، مدينته الأصلية، ولنسمّها (بغداد)، ماثلةً أمامه من خلال نافذة المكتبة. بدت كأنها ترتدي ثوب الخريف الموشّى بالصفرة؛ تتساقط أوراق الأشجار فيها كرسائل لم تصل يومًا إلى غايتها، تحمل توقيعات العشّاق في رواياتٍ رومانسية. وانتشر اللون الذهبي في الأفق كغبار الشمس عند الغسق، فيما أحاطت الغيوم بالسماء لتعزف لحنًا جنائزيًا خافتًا، مستمدًّا من ذكرياتٍ قديمة وألمٍ غامض. وكان الهواء البارد يدفع بالمشاعر المنسية إلى الدوران في طاحونة الذاكرة. وبلمساتٍ خفية، مرّر في خاطره شريطًا من الفرص الضائعة والأحلام المتلاشية التي تراكمت على الرفوف.

همس : ماذا لو؟.. ثم صمت .

 كان هذا السؤال يطارده في أزقّة رأسه  كظلٍّ يتراقص مع الريح. تذكّر اختياراته الخاطئة، وتلك اللحظات التي انزلقت من بين يديه كعناصر حلمٍ يتلاشى عند الاستيقاظ ، ومع ذلك، كانت في أعماقه طمأنينةٌ دافئة تحتضن قلبه كأنها موقدٌ مشتعل في غابةٍ يلفّها الظلام. طمأنينةٌ تجعله يرى المستقبل لوحةً بيضاء، تنتظر ضربات فرشاته لتتشكّل عليها أحلامٌ جديدة، وتبعث فيه الأمل بأن الغد سيفتح أبوابًا إلى عوالم غير مرئية، وأن الأمنيات الراقدة الآن ستعود فتتدفّق بدمٍ حار مع بزوغ الفجر.

وقف خورشيد هذه المرة بهدوءٍ وبطء، وأغلق الكتاب برفق، كمن يودّع صديقًا قديمًا يحمل أسرارًا لا يُفصح عنها. كان مدركًا أن الحياة ليست سوى صفحاتٍ تتبدّل وأن كل صفحة تحمل في طيّاتها ألوانًا جديدة ومشاعر تتجسّد كأشباحٍ في مرآة الوعي. ورغم أن بعض الأحلام قد تتفتّت كجزيئات ضوءٍ في مجرى الزمن، وأن الفرص قد تتلاشى في أفقٍ يبتعد كل ثانية، وجد في أعماقه لغزًا سحريًا يتلألأ كنجومٍ بعيدة. عندها خرج خورشيد من أعماق الحيّ القديم، وبدا كأنه معلّق بين الزمان والمكان. وجد نفسه في قلب مدينةٍ غريبة؛ مدينةٍ مقطوعة الصلة بالماضي، بلا حبلٍ سريّ يصلها به، مدينةٍ قاتمة الملامح، لا تعده بغدٍ واضح ولا تتيح له أن يمزج بين الواقع والحلم. أقفل مكتبته، وسار بخطواتٍ وئيدة في شوارع مكتظّة بأكفٍّ وأعينٍ مشغولةٍ بالهواتف، كأن قلوب أصحابها معلّقةٌ في الشاشات المضيئة.

وقف خورشيد، وتنهد كجبلٍ هدّه التعب، ثم تلاشى كبخار ماءٍ صاعدٍ إلى السماء.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٠١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دليفري
سرد

دليفري

كان الشتاء ثقيلًا في تلك الليلة، والوقت تأخر قليلا في الكرادة، وهذا قد يكون وراء امتعاض (عبد الله) من فكرة أن يوصل طلبية طعام، في هذ الجو البارد، إلى مكان بعيد بعض الشيء عن المطعم الذي يعمل معه كعامل توصيل - أم علي.. ببغداد الجديدة.. تطلب أن يصلها الطلب سريعا، وتقول أن عليك أن تطرق الباب - وهل هذا…

· 9 د
إسفلت بارد
سرد

إسفلت بارد

لم يحفل، ولم يحاول حتى، إخفاء ترنح مشيته على طول إسفلت الشارع البارد الذي أدمن -حد الضجر- وقع أقدامه خلال رحلاته اليومية عديمة الجدوى.. كل همه الآن كان التفكير في أن الحظ سيحالفه هذه المرة.. وأنه سوف يراها مرة أخرى، كانت في عينيه نظرة جادة قوية سكبت فيه الجرأة، كأنه عاش كل دقيقة من عمره، بكل كيانه…

· 3 د
الحمار الذي هو
سرد

الحمار الذي هو

زياد كامل السامرائي لم أُبذلْ جهداً كبيراً وأنا أعتلي إحدى تلال مدينتي التي أَلِفْتُها منذ صباي، ولم أتكاسل، رغم عطشي وجوعي المتكرر الذي اعتَدتُ عليه حين فقدتُ حمارَتي البيضاء بفعل قصف مدفعي، نُسِفَتْ معها أحلامي في ولادة جحش صغير كأمه، أبيضَ، ذو عينين كبيرتين لامعتين، يساعدنا في حمل أثقال الحياة…

· 4 د