كانت مكتبة (خورشيد) كشكًا صغيرًا في أحد أركان العالم، كأنها قطعةٌ من الزمن عُزلت عن كل شيء. رائحة الورق المعتّق تعبق في الهواء، ممزوجةً برائحة الخشب العتيق، فتملأ المكان بعبق الأجداد وسِيَرهم المعلّقة بين طيّات الكتب والصور المصفرّة. وعلى الجدران التي شهدت خيبات آمال الأجيال الماضية، عُلّقت صورٌ لمشاهير من زمنٍ مضى، تنبض بصدًى لذاكرةٍ لا تنقطع. بين صورةٍ لزعيمٍ مشنوق، وأخرى لموسيقيٍّ مات مشرّدًا بعدما نسيه جمهوره، وثالثةٍ لكاتبٍ معروف قضى بذبحةٍ صدرية بعد ليلةٍ ماجنة، جلس خورشيد في أحد أركان المكتبة، يبتسم لذكراهم. وقد تحوّل هو نفسه إلى ورقٍ وحبرٍ ونسيانٍ في زمن الشاشات الرقمية.
هكذا شعر آنذاك، محاطًا بجدرانٍ مرصوفةٍ بالكتب التي تختزن في صفحاتها أرواحًا جفّفها الزمن، كأنها أطيافٌ خفية تتجوّل في رحاب الوقت والمكان. ومنذ مدة، كان ذهن خورشيد غارقًا في بحرٍ من الذكريات، تطفو فيه أطيافٌ شبحية تحت ضوءٍ خافت.
تذكّر الأصدقاء الذين غابوا أو غُيّبوا لأسبابٍ سياسية؛ تذكّر الأصدقاء الذين غابوا أو غُيّبوا لأسبابٍ سياسية؛ أولئك الذين ذابت آثارهم كأوراق شجرٍ تلوكها العاصفة بفمها، تاركين خلفهم ضحكاتٍ لم يبقَ منها سوى صدى لماضٍ بعيد.
كانت المدينة الهرمة، مدينته الأصلية، ولنسمّها (بغداد)، ماثلةً أمامه من خلال نافذة المكتبة. بدت كأنها ترتدي ثوب الخريف الموشّى بالصفرة؛ تتساقط أوراق الأشجار فيها كرسائل لم تصل يومًا إلى غايتها، تحمل توقيعات العشّاق في رواياتٍ رومانسية. وانتشر اللون الذهبي في الأفق كغبار الشمس عند الغسق، فيما أحاطت الغيوم بالسماء لتعزف لحنًا جنائزيًا خافتًا، مستمدًّا من ذكرياتٍ قديمة وألمٍ غامض. وكان الهواء البارد يدفع بالمشاعر المنسية إلى الدوران في طاحونة الذاكرة. وبلمساتٍ خفية، مرّر في خاطره شريطًا من الفرص الضائعة والأحلام المتلاشية التي تراكمت على الرفوف.
همس : ماذا لو؟.. ثم صمت .
كان هذا السؤال يطارده في أزقّة رأسه كظلٍّ يتراقص مع الريح. تذكّر اختياراته الخاطئة، وتلك اللحظات التي انزلقت من بين يديه كعناصر حلمٍ يتلاشى عند الاستيقاظ ، ومع ذلك، كانت في أعماقه طمأنينةٌ دافئة تحتضن قلبه كأنها موقدٌ مشتعل في غابةٍ يلفّها الظلام. طمأنينةٌ تجعله يرى المستقبل لوحةً بيضاء، تنتظر ضربات فرشاته لتتشكّل عليها أحلامٌ جديدة، وتبعث فيه الأمل بأن الغد سيفتح أبوابًا إلى عوالم غير مرئية، وأن الأمنيات الراقدة الآن ستعود فتتدفّق بدمٍ حار مع بزوغ الفجر.
وقف خورشيد هذه المرة بهدوءٍ وبطء، وأغلق الكتاب برفق، كمن يودّع صديقًا قديمًا يحمل أسرارًا لا يُفصح عنها. كان مدركًا أن الحياة ليست سوى صفحاتٍ تتبدّل وأن كل صفحة تحمل في طيّاتها ألوانًا جديدة ومشاعر تتجسّد كأشباحٍ في مرآة الوعي. ورغم أن بعض الأحلام قد تتفتّت كجزيئات ضوءٍ في مجرى الزمن، وأن الفرص قد تتلاشى في أفقٍ يبتعد كل ثانية، وجد في أعماقه لغزًا سحريًا يتلألأ كنجومٍ بعيدة. عندها خرج خورشيد من أعماق الحيّ القديم، وبدا كأنه معلّق بين الزمان والمكان. وجد نفسه في قلب مدينةٍ غريبة؛ مدينةٍ مقطوعة الصلة بالماضي، بلا حبلٍ سريّ يصلها به، مدينةٍ قاتمة الملامح، لا تعده بغدٍ واضح ولا تتيح له أن يمزج بين الواقع والحلم. أقفل مكتبته، وسار بخطواتٍ وئيدة في شوارع مكتظّة بأكفٍّ وأعينٍ مشغولةٍ بالهواتف، كأن قلوب أصحابها معلّقةٌ في الشاشات المضيئة.
وقف خورشيد، وتنهد كجبلٍ هدّه التعب، ثم تلاشى كبخار ماءٍ صاعدٍ إلى السماء.







التعليقات