انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مرافئ الهجر

فاطمة محمد الفلاحي
فاطمة محمد الفلاحي

شاعرة وأديبة عراقية

2 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
مرافئ الهجر
مشاركة:

تكلم بيقين مُزيف مدعيًا رغبته في التضحية: أترككِ الآن لترتبي فوضى مشاعركِ، علّ العزلة تصنع منكِ امرأة تعرف كيف تزن غيابي.
أشاحت بوجهها نحو الأفق، ولم تمنحه رفة جفن، وقالت: لم تتركني لأرتب نفسي، بل تركتني ظنًا منك أن القهر جدار لا يُرتقى، وأن غيابك زنزانة أبدية سأقضي عمري أستجدي مفاتيحها من طيفك العابر.
أراد أن يشعر بالتفوق عليها، فقال بتمثيل واضح: أرحل عنكِ لكي لا أؤذيكِ، ولن تدركي فضل وجودي في حياتكِ إلا بعد فوات الأوان.
جابهت كلماته بابتسامة باردة كشفرة جليد، وقالت: لا تمنح غدرك ألقابًا مقدسة. إنك لا تحميني بنارك، بل أنت تؤذيني، تحاول أن تتركني حية-ميتة لترضي نرجسية قلبك الصغير. تريدني أن أبقى حائرة بين ذنبٍ لم أقترفه، وانتظارٍ لا ينتهي، لتراودك فكرة أنك المحور الذي لا تدور الأرض إلا به.
خطا خطوة للوراء، يحاول استرجاع هيبته الآفلة، وتمتم: ستبقين تذكرين أنني الرجل الذي لم تستطعي الحفاظ عليه، وسيزوركِ صمتي ككل ليلة ليجلد كبرياءكِ.
التفتت إليه بكامل قامتها الروحية، وقالت بصوت هادر كموجٍ يكسر الصخور: واهمٌ أنت يا عابر الحكايات.. فالمرأة التي أسكنتكَ عرشها، قادرة على هدم المعبد فوق رأس أوهامك. قهرك الذي أعددتَه لي ليكون سجنًا، جعلتُ منه متكأً لوعي الجديد. لستُ تلك التي تقتات على فتات الذكريات، ولا التي تنظر إلى الباب الموصد بعيون باكية.
تابعت، وهي تنظر إلى يديها كمن ينفض عنه غبارًا قديمًا: اذهب وحقيبتك مليئة بظنونك الواهية. لن أكون الضحية التي تلوم حظها في عتمة الغرف، ولن أصنع من جرحي مزارًا للباكين. لقد أغلقتُ المدى خلفك، ووليتُ وجهي شطر شمسي.
أشارت إلى الفراغ الذي يمتد وراءه وأكملت بسخرية لاذعة: ارحل.. فالسجون لا تليق بمنبت الأحرار، والقلب الذي داس على لظى الخيبة ونهض، أعظم من أن يأسره نصف رجل يرى في قهر النساء انتصارًا.

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الحَكَّة
سرد

الحَكَّة*

الحَكَّة عدنان عادل (مقطع من الرواية) رمى يومين متتاليين، في آن واحد، في كيس الزبالة، وقرر أن يكيف غرائزه للعيش بالخمسة الباقية، بعد أن تردَّدَ طويلاً في حسم تسمية اليوم الذي فيه: "اليوم، السبت، أم الأحد ؟! لا، اليوم هو السبت، لا، لا، اليوم هو الأحد، لا السبت، لا الأحد، سبت، أحد، سبت، أحد..."،…

· 9 د
رائحةُ المطر على الإسفلت القديم
سرد

رائحةُ المطر على الإسفلت القديم

قبل أن تسقط القطرة الأولى من المطر بلحظات، يسبقها ذلك العطر الغريب. رائحة الأرض حين تتذكَّر أنَّها كانت يومًا حبيبة. رائحة الأرض حين تستقبل قطرات المطر يسميها العلماء البيتريكور، وأسمِّيها أنا ذاكرة المكان. لا أعرفُ لماذا تفعل بي رائحة المطر على الإسفلت ما لا تفعله الكتب والصور، تأخذني إلى حيٍّ…

· 1 د
برزخ رمادي
سرد

برزخ رمادي

برزخ رمادي في صباح أحد الأيام العصيبة من زمن الحرب المتقدة على حدود البلاد، تسلّمت كتاباً يحمل قرار نقلي إلى إحدى الوحدات العسكرية في الصفوف الأمامية لجبهات القتال. شعرت بحيرة عارمة أمام التفكير بكيفية الوصول إلى تلك البقعة النائية التي تقع في أعماق الصحراء الشاسعة تحت وطأة ظلام الليل الدامس. كان…

· 5 د