تكلم بيقين مُزيف مدعيًا رغبته في التضحية: أترككِ الآن لترتبي فوضى مشاعركِ، علّ العزلة تصنع منكِ امرأة تعرف كيف تزن غيابي.
أشاحت بوجهها نحو الأفق، ولم تمنحه رفة جفن، وقالت: لم تتركني لأرتب نفسي، بل تركتني ظنًا منك أن القهر جدار لا يُرتقى، وأن غيابك زنزانة أبدية سأقضي عمري أستجدي مفاتيحها من طيفك العابر.
أراد أن يشعر بالتفوق عليها، فقال بتمثيل واضح: أرحل عنكِ لكي لا أؤذيكِ، ولن تدركي فضل وجودي في حياتكِ إلا بعد فوات الأوان.
جابهت كلماته بابتسامة باردة كشفرة جليد، وقالت: لا تمنح غدرك ألقابًا مقدسة. إنك لا تحميني بنارك، بل أنت تؤذيني، تحاول أن تتركني حية-ميتة لترضي نرجسية قلبك الصغير. تريدني أن أبقى حائرة بين ذنبٍ لم أقترفه، وانتظارٍ لا ينتهي، لتراودك فكرة أنك المحور الذي لا تدور الأرض إلا به.
خطا خطوة للوراء، يحاول استرجاع هيبته الآفلة، وتمتم: ستبقين تذكرين أنني الرجل الذي لم تستطعي الحفاظ عليه، وسيزوركِ صمتي ككل ليلة ليجلد كبرياءكِ.
التفتت إليه بكامل قامتها الروحية، وقالت بصوت هادر كموجٍ يكسر الصخور: واهمٌ أنت يا عابر الحكايات.. فالمرأة التي أسكنتكَ عرشها، قادرة على هدم المعبد فوق رأس أوهامك. قهرك الذي أعددتَه لي ليكون سجنًا، جعلتُ منه متكأً لوعي الجديد. لستُ تلك التي تقتات على فتات الذكريات، ولا التي تنظر إلى الباب الموصد بعيون باكية.
تابعت، وهي تنظر إلى يديها كمن ينفض عنه غبارًا قديمًا: اذهب وحقيبتك مليئة بظنونك الواهية. لن أكون الضحية التي تلوم حظها في عتمة الغرف، ولن أصنع من جرحي مزارًا للباكين. لقد أغلقتُ المدى خلفك، ووليتُ وجهي شطر شمسي.
أشارت إلى الفراغ الذي يمتد وراءه وأكملت بسخرية لاذعة: ارحل.. فالسجون لا تليق بمنبت الأحرار، والقلب الذي داس على لظى الخيبة ونهض، أعظم من أن يأسره نصف رجل يرى في قهر النساء انتصارًا.
مرافئ الهجر

آخر تحديث: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٥ م






التعليقات