انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

روزنامة

ولاء الصواف
ولاء الصواف

قاص وأديب عراقي

2 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
روزنامة
مشاركة:

كتاب (تاريخ الأمم والملوك) لمحمد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة 310هـ، بنسخته المخطوطة، قبل أن يذهب بها إلى النُّسّاخ، شاءت الصُّدف أن تقع بين يدي. لاحظتُ في واحدٍ من فصولها، وتحديدًا في الصفحات التي جاء فيها ذكرُ فتوحات أمم الشرق المحاذية للبرِّيَّة، آثارَ دمٍ متيبِّسٍ تُغطّي الأسطر من الأوّل إلى الخامس عشر، وضغطةَ أصابعٍ على الورق... يبدو أن النزف حصل قبل قرون بعيدة.

شممتُها... عطرُ الغواني ما زال عالقًا فيها. تناهى إلى سمعي صوتٌ ضعيفٌ يشبه أنّةً مكتومةً، يخرج من أحد هوامش المخطوطة. حاولتُ أن أستبين الأمر، غير أن غِلظةَ الجند ورائحةَ بطشهم تنفذ من الحواشي كمطر تشرين الأغرّ. لم يهدأ لي بال، فأرسلتُ أصابعي خفيةً... عادت حمراءَ لزجةً... هذا اللون أعرفه جيدًا... كم ألفَ مرةٍ ساح من تحت نصب الحرية لجواد سليم؛ كان يقطر غضبًا من جسدٍ محمولٍ على الأطراف، نابتٍ بالمسامير على صدر المرمر... هذا الأحمر القاني يفترش الأرض في ساحة التحرير... يمرح قليلًا مع حمامات جدارية فائق حسن في حديقة الأمة، حتى إذا جنَّ الليل ونامت العصافير، يعود إلى السطر السابع في المخطوطة برفقة أناشيد الحروب...

قيل إن ما بين السطور مسيرةُ مائة عام... وإن (تاريخ الأمم والملوك) حين ينام... وينام الطبري، وتُغلق أبوابها مدن البياض... تهرب منه الفصول.. تنزع من أيديها المسامير، وتخلع عن رؤوسها الأسلاك الشائكة، وتتقاذف منها بلوراتٌ بألوان قزحية، تتكوّر على شفتيَّ مدن السواد... فتفيض بلاغةً وتُمطر راياتٍ سودًا...

أزرقُ سقف الله... أحمرُ لون الريح.

مَنْ هو آخر مَنْ قرأ المخطوطة؟... لا يهم...

رفعتُ أصابعي الضاغطة على الورق، ومسحتُ الدم النازف من رأسي، ومضيت..

روزنامة

مشاركة:

آخر تحديث: ٩ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:٠٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الحَكَّة
سرد

الحَكَّة*

الحَكَّة عدنان عادل (مقطع من الرواية) رمى يومين متتاليين، في آن واحد، في كيس الزبالة، وقرر أن يكيف غرائزه للعيش بالخمسة الباقية، بعد أن تردَّدَ طويلاً في حسم تسمية اليوم الذي فيه: "اليوم، السبت، أم الأحد ؟! لا، اليوم هو السبت، لا، لا، اليوم هو الأحد، لا السبت، لا الأحد، سبت، أحد، سبت، أحد..."،…

· 9 د
رائحةُ المطر على الإسفلت القديم
سرد

رائحةُ المطر على الإسفلت القديم

قبل أن تسقط القطرة الأولى من المطر بلحظات، يسبقها ذلك العطر الغريب. رائحة الأرض حين تتذكَّر أنَّها كانت يومًا حبيبة. رائحة الأرض حين تستقبل قطرات المطر يسميها العلماء البيتريكور، وأسمِّيها أنا ذاكرة المكان. لا أعرفُ لماذا تفعل بي رائحة المطر على الإسفلت ما لا تفعله الكتب والصور، تأخذني إلى حيٍّ…

· 1 د
برزخ رمادي
سرد

برزخ رمادي

برزخ رمادي في صباح أحد الأيام العصيبة من زمن الحرب المتقدة على حدود البلاد، تسلّمت كتاباً يحمل قرار نقلي إلى إحدى الوحدات العسكرية في الصفوف الأمامية لجبهات القتال. شعرت بحيرة عارمة أمام التفكير بكيفية الوصول إلى تلك البقعة النائية التي تقع في أعماق الصحراء الشاسعة تحت وطأة ظلام الليل الدامس. كان…

· 5 د