كتاب (تاريخ الأمم والملوك) لمحمد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة 310هـ، بنسخته المخطوطة، قبل أن يذهب بها إلى النُّسّاخ، شاءت الصُّدف أن تقع بين يدي. لاحظتُ في واحدٍ من فصولها، وتحديدًا في الصفحات التي جاء فيها ذكرُ فتوحات أمم الشرق المحاذية للبرِّيَّة، آثارَ دمٍ متيبِّسٍ تُغطّي الأسطر من الأوّل إلى الخامس عشر، وضغطةَ أصابعٍ على الورق... يبدو أن النزف حصل قبل قرون بعيدة.
شممتُها... عطرُ الغواني ما زال عالقًا فيها. تناهى إلى سمعي صوتٌ ضعيفٌ يشبه أنّةً مكتومةً، يخرج من أحد هوامش المخطوطة. حاولتُ أن أستبين الأمر، غير أن غِلظةَ الجند ورائحةَ بطشهم تنفذ من الحواشي كمطر تشرين الأغرّ. لم يهدأ لي بال، فأرسلتُ أصابعي خفيةً... عادت حمراءَ لزجةً... هذا اللون أعرفه جيدًا... كم ألفَ مرةٍ ساح من تحت نصب الحرية لجواد سليم؛ كان يقطر غضبًا من جسدٍ محمولٍ على الأطراف، نابتٍ بالمسامير على صدر المرمر... هذا الأحمر القاني يفترش الأرض في ساحة التحرير... يمرح قليلًا مع حمامات جدارية فائق حسن في حديقة الأمة، حتى إذا جنَّ الليل ونامت العصافير، يعود إلى السطر السابع في المخطوطة برفقة أناشيد الحروب...
قيل إن ما بين السطور مسيرةُ مائة عام... وإن (تاريخ الأمم والملوك) حين ينام... وينام الطبري، وتُغلق أبوابها مدن البياض... تهرب منه الفصول.. تنزع من أيديها المسامير، وتخلع عن رؤوسها الأسلاك الشائكة، وتتقاذف منها بلوراتٌ بألوان قزحية، تتكوّر على شفتيَّ مدن السواد... فتفيض بلاغةً وتُمطر راياتٍ سودًا...
أزرقُ سقف الله... أحمرُ لون الريح.
مَنْ هو آخر مَنْ قرأ المخطوطة؟... لا يهم...
رفعتُ أصابعي الضاغطة على الورق، ومسحتُ الدم النازف من رأسي، ومضيت..








التعليقات