انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

رماد الهاوية وفتنة العشرين: قداس سريالي في حضرة عشتار

قصة ميتاسريالية

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

6 دقائق للقراءة
2 مشاهدة
رماد الهاوية وفتنة العشرين: قداس سريالي في حضرة عشتار
مشاركة:

الساعةُ في مقهى "البونجور" لا تكتفي بالإشارة إلى العاشرة صباحاً؛ إنها تُشير في ارتدادها البندوليّ الخفيّ إلى سبعين عاماً من الرّماد المؤجّل، وسبعين قرناً من الانتظار المصلوب على جدران الذاكرة. جلس إبليسُ خلف طاولةٍ خشبيةٍ عتيقة تشبه منصّةً في قاعة محاضراتٍ مهجورة، متكئاً بمرفقه المتعب على عكّازٍ أسطوانيّ قُدَّ من خشب الأبنوس، نُحتت على استدارته وجوهُ نساءٍ سومرياتٍ ذوات عيونٍ كحيلةٍ تفيض باللوعة والأسرار. كان ينفث من غليونه الحجريّ دخاناً كبريتياً كثيفاً لا يلبث أن يتشكّل في هواء الغرفة البارد على هيئة أفاعٍ دقيقةٍ تلتفّ حول ذاتها ثم تتلاشى، كأنها أفكارٌ لم تكتمل في رأس الخليقة. يرتدي معطفاً صوفياً رمادياً تآكلت حواشيه وأزراره العظمية تحت وطأة الاحتكاك المديد بأزمنة الإمبراطوريات الغابرة، ونفائس الرُقم الطينية المنكوبة في مكتبات نينوى. كانت عيناه، المحاطتان بهالاتٍ من السخام الأزليّ، تراقبان حركة "عشتار" وهي تعدّ الشاي الساخن بمزيجٍ سريّ من أوراق الآس والأعشاب البرية.

عشتار، التي كانت تحمل في أوراق هويتها الحديثة اسماً وادعاً كأنه نُسج من طين الجنة الأول، كانت في حقيقتها الميثولوجية تلخيصاً مبهماً لأسرار الكهنة؛ كأنها أوتنابشتيم حين قرر أن يجعل من السنين استراحةً قصيرةً بين طوفانين لا يهدآن. نظرت نحوه، وفي مقلتيها بريقٌ سديميّ لا يقوى على حمله إلا كائنٌ شهد انبثاق السدم الأولى وتهاوي التيجان تحت شمس بلاد ما بين النهرين الحارقة.

تحدث إبليس بصوتٍ رخيمٍ ومبحوح، كأنه احتكاك أوراق البردي في صوامع معابد أور:

البنات... يا عشتار! يظن هؤلاء المؤرخون المنهكون وفقهاء الكواليس والظلال أنني مَن علّمهن التهام التفاحة واجتراح الغواية، وما دروا أنني كنتُ في حضرتهن مجرد تلميذٍ بليدٍ في الصفوف الأولى من مدرسة الدهشة. إنّ كل ما يعرفه الشيطان عن البنات لا يتخطى القشرة الهشة للرغبة، أما اللبّ الكامن في الأعماق، فمحضُ طلاسم مُحكمة بأختامٍ من نحاسٍ ودم، أقدم من صرخة هبوطي وأسبق من عرشي الساقط في الهيدورة.

ابتسمت عشتار ابتسامةً اقتطعت جزءاً من هواء الغرفة؛ وفي تلك اللحظة بالذات، تفتّحت عند زوايا المقهى شقائقُ نعمانٍ قرمزية، شقت طريقها بجرأةٍ عبر بلاط الأرضية الصلب متجاوزةً ببرودٍ كل قوانين الفيزياء وثقل الجاذبية الأرضية. وضعت أمامه فنجاناً خزفياً تتصاعد منه أبخرةٌ ذات عبقٍ طينيّ يماثل رائحة دجلة في ذروة فيضانه الربيعي، وقالت بنبرةٍ تجمع بين الشفقة الملكية والدلال القديم:

ما زلتَ كائناً خطياً يا مسكين! تحسب الوجود مساراً ينحدر من العلوّ إلى الاسفل، وتظنّ الهبوط مأساةً واندحاراً، بينما البنات يصعدن بالسقوط نفسه نحو ذروة المعنى وطهارة التجربة. حين فتحتُ لك أبواب قلبي قبل نصف قرنٍ من هذا الحساب الأرضي الضيق، لم أكن أشتهي الملاك الناريّ المنفيّ بذنبه، بل كنتُ متيمةً بتلك الحيرة الطفولية التي تفيض من عينيك كلما وقفت عاجزاً عن فكّ طلاسم ضفيرةٍ من شعري أو تأويل لمعةٍ في طرف رمشي.

كان الحب بينهما قد عبر تخوم الأزمنة؛ لم يكن شغفاً عاطفياً مستهلكاً، بل كان تواطؤاً سريالياً وميتافيزيقياً ضد وحش النسيان والفناء. كل خطٍّ وتجعيدةٍ حُفرت على ملامح وجهها كانت تختزن سلالةً بأكملها:

من عناة وشميرام، وصولاً إلى كواعب الأهوار الجنوبية اللواتي يغزلن القصب بحناجر ترسل مواويل تُذيب صلابة القدر وتروض شراسة التاريخ.

مدّ إبليس كفّه المرتعشة إلى جيب معطفه الداخلي، وأخرج مرآةً نحاسيةً مقعرة صقلها طمي الرافدين، مرآةً لا تعكس الأجساد بل تقتنص النوايا الغافلة. تطلّع فيها بوجل، فلم يرَ تجاعيد شيخوخته الشيطانية، بل رأى نفسه طفلاً بريئاً يركض حافياً في حقولٍ من النور البكر قبل أن يخترع قابيل فكرة القتل؛ ورأى عشتار على الجانب الآخر تتربع فوق طمي الفرات الأول، تضفر بخيوط المغزل ضوء الشمس وأغاني الصباح.

تنحنح بصوتٍ أشبه بارتطام الحصى في قاع بئرٍ مهجورة:

وما الذي تدركه البنات عني يا سيدة الأقواس؟ سأل مستسلماً، كأنه يوقع وثيقة انكساره النهائي أمام جبروت اللغز الأنثوي.

ردت عشتار، ومدت يدها لتلامس أصابعه المتصلبة، وما إن مسّتها حتى استحالت أظافره الحادة وأنامله المجففة إلى غصون زيتونٍ طريةٍ تورق بالأخضر اليانع:

يدركن تماماً أنك مذعورٌ من اكتمالهن. البنت يا إبليس، حين تتجاوز عتبة العشرين، لا تبدأ بالشيخوخة ولا تدخل خريف العمر كما يتوهم أرباب الفلسفة الذكورية؛ بل إنها تتكثف وتتجلى. تصبح هي ذاتها الأسطورة الحية، المكتملة الدائرة، العصية على محاولات غوايتك الرخيصة. فالغواية لا تثمر إلا في التجاويف الناقصة والمساحات الفارغة، ونحن بالحب قد صرنا المطلق الذي يحتوي النور والظلمة في آنٍ معاً.

عند هذه الإشارة الميتا-سريالية، انفرط عقد الجدار الإسمنتي للمقهى المطل على ضجيج المدينة، وتمددت الجغرافيا لتغدو صحراءً كونيةً من اللازورد الأزرق، تطفو على كثبانها زوارق سومرية مصنوعة من الذهب الخالص ومحملة بجرار النور العتيق. انفتحت رقعة الفراغ بين فنجان الشاي ومجرى النهر الغائر؛ فاستحال البلاط الرمادي بحراً من الياقوت تسبح في أعماقه أسرابٌ من أسماكٍ ذهبيةٍ تحمل وجوهاً بشرية، تهمس بخشوعٍ بأسماء ملوكٍ ضاعت صولجاناتهم في أعاصير الغبار.

أسند إبليس لحيته الرمادية إلى قبضتي عكازه، وعيناه تنيران بلهبٍ هادئ كأنه وميض شفقٍ قطبيّ يعانق صقيع الشتاء، ثم أطلق زفيراً طويلاً تحول في الفضاء إلى ساعةٍ رمليةٍ عملاقة يسيل منها تبرٌ أصفر:

الزمن يا عشتار ليس سوى مسطرةٍ خشبيةٍ صنعها النجار الكونيّ ليحسب بها مسافة انحداري. أرى هؤلاء الفانين يذبلون كأوراق الحلفاء، فكيف تتنفسين ملء رئتيك في نهرٍ يبتلع الجميع؟ أليس خلودكِ هذا ضرباً من التمرد المجاني على العدم؟

حركت عشتار ملعقتها الفضية في الفنجان بحركةٍ حلزونية، فاستدار السائل ليصبح مجرةً تتشكل في جوفها كواكب وتفنى أخرى في مشهدٍ أزليّ باهر، ثم قالت بصوتٍ كخرير الماء في الجذور:

أنت تقف كصيادٍ يتربص بالجثث على الضفاف، ولذلك لا تفهم من النهر إلا الموت والانجراف. أما أنا، فالنهر عينه! الخلود ليس جرياناً لا ينتهي على خطٍّ مستقيم، بل هو القدرة المذهلة على الانبعاث من قلب الهشيم. الزمن مجرد فكرةٍ ميتة حين تتأمله، لكنه نبضٌ حيٌّ حين تسكنه. البنات لا يحاربن الأيام بالساعات الرملية؛ بل يبتلعن الزمن في أرحامهن ليلدن اللحظة بعد اللحظة. كل خطٍّ حول عيني هو مدار نجم، وكل خصلة شيبٍ هي أثر شهابٍ عانق الأرض؛ هذا ليس هَرَماً، بل اكتمال البهاء وتراكم النور.

أطرق إبليس رأسه، ولاحت في قسماته حيرة المغلوب:

لكن الأنوثة التي تمجدينها لم تمنع معاول الغزاة من هدم أسوار أوروك، ولا دماء الملوك من أن تسيل في التراب! ما هذا السر العجيب الذي تحمله بنت العشرين لترغم الجحيم على التراجع؟

ابتسمت عشتار، فانبثقت من أرديتها فراشاتٌ قزحية استقرت بوداعةٍ على كتفي إبليس ومعطفه، مجردةً إياه من قسوته الزائفة:

سرك أنك بارعٌ في إشعال المأساة، وسرنا أننا نتفنن في ترميم ما تهدمه. أنت تملك صرخة الانفجار الأول، ونحن نملك حكمة البقاء. قوة الأنثى في ليونتها الكونية؛ في قدرتها على احتواء النقيضين:

المهد واللحد، الحليب والدم، الطهر والخطيئة. البنات يدركن أن الخلود الحقيقي لا يعني التصلب في شكلٍ واحد، بل القدرة على أن تموت المرأة في اليوم مائة مرة لتستيقظ في الفجر أكثر إشراقاً وأشد فتنة.

سكت إبليس، ولأول مرة في تاريخ التمرد السماوي، ارتعشت يداه وسكنت رغبته في الاحتجاج. تحول الدخان الخارج من جوفه إلى سربٍ من الحمام الأبيض الذي حلق في فضاء المقهى المفتوح على الأزل. وضعت عشتار كفها فوق كفه الصوانية، فذاب صقيع الأحقاد، وهمست في أذنه:

أنت تمردت لتكون كلياً ووحيداً، فأصبحت سجين عزلتك؛ لكنك حين أحببت بنتاً بلغت العشرين، صرت شريكاً في سر الوجود، وأدركت أن الحب هو الحيز السريالي الوحيد الذي يتصالح فيه النور مع الظلام دونما حاجةٍ إلى حلبة صراع أو وثيقة غفران.

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٢٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

رائحةُ المطر على الإسفلت القديم
سرد

رائحةُ المطر على الإسفلت القديم

قبل أن تسقط القطرة الأولى من المطر بلحظات، يسبقها ذلك العطر الغريب. رائحة الأرض حين تتذكَّر أنَّها كانت يومًا حبيبة. رائحة الأرض حين تستقبل قطرات المطر يسميها العلماء البيتريكور، وأسمِّيها أنا ذاكرة المكان. لا أعرفُ لماذا تفعل بي رائحة المطر على الإسفلت ما لا تفعله الكتب والصور، تأخذني إلى حيٍّ…

· 1 د
الحَكَّة
سرد

الحَكَّة*

الحَكَّة عدنان عادل (مقطع من الرواية) رمى يومين متتاليين، في آن واحد، في كيس الزبالة، وقرر أن يكيف غرائزه للعيش بالخمسة الباقية، بعد أن تردَّدَ طويلاً في حسم تسمية اليوم الذي فيه: "اليوم، السبت، أم الأحد ؟! لا، اليوم هو السبت، لا، لا، اليوم هو الأحد، لا السبت، لا الأحد، سبت، أحد، سبت، أحد..."،…

· 9 د
برزخ رمادي
سرد

برزخ رمادي

برزخ رمادي في صباح أحد الأيام العصيبة من زمن الحرب المتقدة على حدود البلاد، تسلّمت كتاباً يحمل قرار نقلي إلى إحدى الوحدات العسكرية في الصفوف الأمامية لجبهات القتال. شعرت بحيرة عارمة أمام التفكير بكيفية الوصول إلى تلك البقعة النائية التي تقع في أعماق الصحراء الشاسعة تحت وطأة ظلام الليل الدامس. كان…

· 5 د