كان الشتاء ثقيلًا في تلك الليلة، والوقت تأخر قليلا في الكرادة، وهذا قد يكون وراء امتعاض (عبد الله) من فكرة أن يوصل طلبية طعام، في هذ الجو البارد، إلى مكان بعيد بعض الشيء عن المطعم الذي يعمل معه كعامل توصيل
- أم علي.. ببغداد الجديدة.. تطلب أن يصلها الطلب سريعا، وتقول أن عليك أن تطرق الباب
- وهل هذا العنوان يمكن أن يقال عنه في بغداد الجديدة.. إنه قرب العبيدي
- كلها بغداد الجديدة.. وأنت تعرف أن هذا في نطاق عملنا.. لم أرسلك إلى خارج بغداد
- معك أنه ضمن نطاق عملنا، بل على الأصح حافات عملنا.. ولكن ليس في هذا الوقت من الليل
- هل توصل الطلب أم لا؟
فترة عمله الطويلة مع صاحب المطعم، جعلته يستنتج أن النقاش وصل إلى النقطة التي يجب عليه أن يتراجع فيها خطوة إلى الوراء.. ويقوم بتوصيل الطلب حتى لوكان إلى زقاق لا يرد اسمه بالخرائط.. فليكن، هي ليلة أخرى ككل الليالي التي تعود فيها أن يجوب شوارع بغداد على دراجته النارية، ما بين طلب وآخر، يحمل وجبات لا يعرف عنها شيئًا، لأناس لا يربطه بهم أكثر من الأسماء المدونة في الطلب، يحفظ العناوين، يعرف مطبات الشوارع، والدروب السالكة، والمناطق التي تحوي ذلك النوع المحبب من الزبائن الذي يكرم عامل التوصيل بمنحة صغيرة، وتلك التي لا يأمل منها بذلك.
الوقت يقارب منتصف الليل، رغم القفازات، كان البرد يعضّ أطرافه.. ولكن مع هذا كان عليه أن يصل بالطلب إلى تلك الـ"أم علي".
لم يكن (عبد الله) يفكر كثيرًا في الزبائن.. فبالنسبة له، التوصيل مجرد مهمة تنتهي حين يسلّم الكيس ويُغلق الباب.. لكنه لأسباب كثيرة، ولسنوات بعدها.. لم ينسَ تلك الليلة.
وصل الزقاق، أطفأ الدراجة.. وطرق الباب، طرق بلطف، ثم بقوةٍ أكبر.. ولكن بلا جواب
أتصل برقم الزبون، أنتظر قليلا قبل أن يجيبه صوت أجش يزدرد الكلمات ببطء.
- نعم
- حضرتك أم علي.. لديك طلب من مطعم (الحاج أحمد)
بعد فترة صمت قصيرة:
- لحظة.. سأوافيك حالا
الشارع صامت، والنوافذ بلا أضواء.. البيت قديم، حديقته مهملة، وبابه حديدي أزرق باهت، بانت عليه بوضوح إنبعاجات وبعض الصدأ في أطرافه كعلامة على مرور أصابع الزمن عليه.
سمع صوتًا هشًا يقترب من الداخل، بخطوات بطيئة.
فتح الباب ببطء، لتطل منه امرأة مسنّة، بملامح سمراء طيبة، ترتدي عباءة داكنة وتضع نظارة سميكة تغطي عينيها شبه المطفأتين.
- تأخرت علي قليلا يا ولدي، حتى خشيت أنك لن تأتي
ناولها الكيس، فمدّت يدها ترتجف لتعدّ النقود، لكن أصابعها كانت أبطأ من اللازم.
قال بلطف:
- لا داعي للاستعجال، خالتي..
وبتعاطف خفي مع تلك المرأة، أو لسبب آخر لا يعلمه، أضاف
- وأعتذر أن كان الأكل قد برد قليلًا بسبب تأخري..
ردّت بابتسامة:
- لا يا ولدي، أن مجيئك في هذا الليل يعد فضلا منك، هل اسمك علي
- لا يا خالة.. أنا (عبد الله)
- عاشت الأسامي يا ولدي..
أردفت
- حتى لو كان الأكل باردًا، فأن الدفء في صوتك كافٍ.
هز رأسه، ولم يفهم تمامًا ما عنته، لكنه عاد إلى دراجته، وفي صدره شيء يشبه الحيرة.
***
في اليوم التالي، جاء الطلب ذاته، من العنوان ذاته.
- هنيئًا لك يا (عبد الله) أصبحت من المشاهير ولك العديد من المعجبين
- ماذا تعني؟
- مطلوب بالاسم لإيصال هذه الطلبية، هل تعرف ماذا يعني هذا، ستكون بانتظارك نفحة جيدة
لم يكن إغراء أن يحصل على دخل أضافي هو ما جعله يقبل الطلب بدون تردد، بل هو شيء ما جعله يقوم بذلك في تلك الليلة، والتي تليها، والتي بعدها
في كل مرة، كانت تفتح له الباب بنفس الابتسامة، وتسأله إن كان قد أكل، وتقول له وهي تعطيه النقود:
- الله يحفظك لوالديك.. صوتك يحيي البيت.
في إحدى الليالي، لم يتمالك نفسه..
سألها وهو يناولها الكيس:
- يا خالة، آسف جدًا اذا كان سؤالي في غير محله.. ولكني ألاحظ أنك تطلبين من الطعام أكثر مما يحتاجه شخص واحد، وبلا إرادة مني، لاحظت أن علبا منه موضوعة على حالها في سلة القمامة، هل هناك خطب ما في الطعام الذي أجلبه لك؟
رفعت وجهها، وبدت كأنها تستجمع كلماتها من زمن بعيد:
- لا.. أبدًا.. ولكن لا يشترط أن كل ما نطلبه يجب أن نأكله، ثم أني أسكن وحدي، ولا استطيع أن أستهلك كل هذه الأطعمة.
سأل، بصوت خافت:
- إذن.. لماذا تطلبين؟
ضحكت ضحكة قصيرة، ثم قالت:
- حتى أسمع صوتك وأنت تقول: دليفري!
أضافت بصوت أكتسب جديته بسرعة بعد أن جلست على عتبة الباب
- منذ أن مات علي، ما طرق بابي أحد… إلا صوتك
لم يفهم ما تعنيه تماما، ولكن نبرة الصدق في صوته جعلت لا يقوى الا أن يطرق برأسه، استرسلت:
- أنك لا تعلم يا ولدي، أني حسبتك ابني علي وقد عاد عندما سمعت صوتك أول مرة، صوتك يشبهه جدا.. وبعدها مع كل طرقة منك أحس البيت يرتجف و كأن الزمان قد عاد بي إلى الوراء
نوعا ما.. كان يتوقع إجابة غريبة، ولكن ليس إلى هذا الحد.. حاول إخفاء دهشته من خلال الجلوس على عتبة البيت، قربها، بتردد شاب لا يريد أن يحرج من تكبره بخمسين سنة.
بعد لحظات من الصمت.. سألها:
- أين أهلك، خالتي؟ أولادك، أقاربك؟
هزّت رأسها ببطء:
- عدا المرحوم، ولدان.. واحد بأستراليا، والثاني بألمانيا.. هاجرا وتزوّجا هناك في بلد الغربة.. ولدي بنت كذلك.. ولكنها رحلت إلى السماء
أشاح بعينيه ليخفي تأثره عنها، بينما استرسلت:
- لا ألومهم.. الغربة صعبة، لكن الوطن صار أصعب. كل شيء تغيّر، كيف تريد منهما أن يعودا؟
سألها بحذر:
- لكن ألا يتّصلان؟ يسألان عنك وعن أحوالك
ضحكت، ولكن مع بعض الشجن:
- نعم.. يتصلان.. ولكن مرة كل أسبوعين. ومرات أبعد قليلًا (ضاحكة) حتى أني أنسى صوتيهما في بعض الأحيان.
ثم أضافت بعد تنهيدة طويلة:
- لكن لا يدور في خلدك أني أنتظر منهما ِشيئًا ما.. لا.. أبدًا، أني أنتظر فقط أن يطرق أحدهما الباب علي يوما، أريد صوت الأقدام التي تتقافز الأرض، صوت الممشى، صوت أحدهم يفتح علي الباب ويقول ها قد عدت يا أماه.
رفع عينيه إليها بتعاطف من القلب.. وقال:
- لو كنت أعرف كل هذا، لكنت جئت بلا طلب
ابتسمت كأنها سمعت جملة تنتظرها منذ سنين:
- لقد جئت، وهذا يكفي
أضافت
- هل تعلم ما الذي يكسر رغبة الحياة لدى الإنسان، ليس الفقر، ولا الوحدة.. إنه الصمت.. الصمت يا ولدي، الذي يتحول مع الوقت إلى جدار يكتم الأنفاس ويسلب الروح
تأمل عينيها، كانتا مثل نهرين غائمين، لا يزالان يحملان صورًا قديمةً لأناس لم يعودوا موجودين.
قال بخفوت:
- إن سمحت لي.. يمكنني أن أمر عليك بدون طلب، لشرب الشاي مثلًا
ردّت بسرعة، بأسارير منفرجة:
- لدينا الكثير من الشاي، والسكر.. فقط أفتقد الصوت.. ذاك هو الذي كان عصيّا على المجيء
في تلك الليلة، لم يعد عبد الله إلى بيته بسرعة.. جلس على طرف دراجته طويلًا، يفكر بشيء أكبر من العمل، وأكبر من الطعام.. عرف أنه لم يعد مجرد "دليفري"، بل إنسان.. اكتشف للتو معنى جديدًا للعيش.
في الليلة التالية، لم يأتِ الطلب.. عرف (عبد الله) أن هذا قد يكون اختبارًا للجدية.. أو دعوة لم يكن في حاجة لها، وكمن يتلذذ بعادة جديدة لا يريد الفكاك منها، أخذ كيس خبز دافيء من المنزل وتعمد أن يجلب معه قنينة شاي حرارية قديمة، وتوجه إلى الحيّ نفسه.
لم يطرق الباب مباشرة، وقف قليلًا يتأمل العتبة، كأنها أصبحت مكانًا مألوفًا له أكثر من مقهى الحي.. ثم طرق الباب، ثلاث نقرات خفيفة.
فتح الباب، وبدون أي سؤال، ظهرت أم علي.
قالت مبتسمة:
- لم أطلب شيئًا اليوم.. ولكني عرفت أنك ستقرع الباب
رد مبتسمًا:
- هذا شاي وخبز من صنع الوالدة، إن لم يزعجك هذا
أخذته إلى الداخل لأول مرة.
البيت صغير، ومرتب على نحو لافت.
في الزاوية راديو قديم، وفي وسط الطاولة صورة لفتاة شابة ترتدي ثوب تخرّج، وأخرى لرجل ببدلة عسكرية.
قالت وهي تضع الشاي:
- هذه ابنتي، كانت تعمل بمكتبة الجامعة. انفجرت السيارة أمامها عندما كانت تهم بعبور الشارع بعد الدوام، لم يسمحوا لي بنظرة أخيرة على جثمانها الممزق.. بكيت كثيرا وقتها.. صرخت.. لكنهم أخذوها سريعا
تشير للصورة الأخرى وهي تمسح دمعتها بكمها:
- وهذا أبو الأولاد، الله يرحمه.. مات وهو يضحك.. وهو يطلق النكات، كانت هذه هوايته الأثيرة.. كنت أعلم أنه يخفي خلفها كل الآلام التي قاساها وحيدا.. هناك.. في ساحات الحرب البعيدة.. ولكن كنت أجاريه بالأمر.. واضحك على نكاته، (تضحك) حتى السمجة منها
شربا الشاي بصمت.
قال لها:
- ألا تفكرين بالسفر والعيش مع أحد أبنائك؟
أجابت بثقة امرأة لم تعد مهتمة بالأحلام:
- لا أحب أن أكون ضيفة عند أولادي. أنا هنا بيت وكيان، ولست حقيبة سفر.
ثم أضافت، وكأنها تختصر شيئًا أطول:
- قد أكون امرأة وحيدة، ولكني كنت سيدة المنزل طوال حياتي، أنا لا أفتقد الا لصوت البيت، (بابتسامة رضا) وأنت يا ولدي عبد الله أعدت لي صوته
***
منذ ذلك اليوم، صار يمرّ عليها كل ثلاثة أيام.
مرة يجلب معه صمونًا ساخنًا، ومرة قرصا من المعجنات.. ومرات كثيرة، نفسه فقط..
وكانت في كل مرة، تروي له شيئًا جديدًا:
عن الحوش الذي كان يعجّ بالزوار في رمضان.
عن الفطور الذي يُعدّ على نار الحطب.
عن بنتها التي كانت تحب القصص البوليسية، وتقلّد المحقق كونان.
وكيف كان زوجها يحب صوت فيروز، ويغسل السيارة على أغنياتها.
وأن ابنها الأكبر كان يحب أن يملأ دفاتره بالألوان
كان (عبد الله) يستمع بصبر وشغف.
وفي كل مرة، يشعر أن شيئًا ما داخله يتبدل
وربما، دون أن يشعر، صار يشتاق لحكاياتها كما تشتاق هي لصوته.
وكأنه صار حفيدًا جديدًا، أو ابنًا تأخر حضوره كثيرًا.
***
ثم، كما يحصل في القصص، جاء اليوم الذي لم تفتح به الباب.
انتظر.. وبقي الباب صامتًا
عاد في الليلة الثانية… الثالثة.. مرّت أيام، أسبوع، ولم يُفتح الباب.
حضر مبكرًا إلى المنزل، دار حوله.. عاود طرق الباب.. اتصل بالهاتف.. لا جواب
سأل جارة عجوزًا تسقي نباتاتها قرب السياج:
- خالتي… أم علي؟
نظرت إليه وقالت بهدوء:
- مسكينة.. اضطروا لاستدعاء الإسعاف، لم يكن معها أحد، عانت كثيرًا من ارتفاع الضغط.. لم يأخذوا معها الا نظارتها وصورة ابنتها التي كانت تحتضنها.. لا اعلم أين أخذوها، فهم كانوا على عجلة، ولم يخبروا أحدًا..
سكت، وأحس بثقل كبير يجثم على صدره.
قالت العجوز:
- كانت وحيدة تمامًا، ولكنها أخذت في الآونة الأخيرة تتكلم عن شاب يمر عليها كل بضعة أيام ليشرب عندها الشاي، حسبنّاه ابنها، لكنها قالت: لا، هذا صوت الباب الذي لم يخذلني.. أظنها كانت تهذي من المرض، لا تنسَ أنها أكبر مني بكثير.. وإن كانت لم تتعب في حياتها مثلي
عاد عبد الله إلى دراجته، جلس عليها دون أن يشغّلها.
في حقيبته، كان هناك خبز، وسكر، وكيس صغير من "الشامية" كانت تحبها.
لم يكن يعرف إن كانت ستعود للبيت، أم أن البيت قرر أخيرًا أن يسكت تمامًا.
أحس بشعور غريب لم يألفه من قبل، كان أقرب إلى الانسحاق تحت وطأة اليتم والعجز.. افتقد صوتها وأثقل عليه صمت الجدران.. وحشة كبيرة غلفت روحه، وضجيج الفراغ الذي تركته أم علي يدوي في رأسه..
احتضن حقيبته، وقرر أن يبحث عنها في مشاويره الكثيرة التي يجوب فيها شوارع بغداد
إن لم يهتدِ لمكانها، فسيعود كل أسبوع.. سيعود ليطرق الباب.. حتى لو لم يكن هناك من يجيب.
سيظل يطرق، ويطرق.. وينتظر على عتبة الدار..
حتى يفتح الباب يومًا، ويشرق صوتها من الداخل:
- أهلا بك يا ولدي، كيف هي شوارع الكرادة اليوم؟








التعليقات