انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

شتاء أغسطس

ولاء الصواف
ولاء الصواف

قاص وأديب عراقي

2 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
شتاء أغسطس
مشاركة:

كان جسدي بارداً، ولم أصرخ.. انتظرت لبرهة، أخذت نفساً عميقاً برائحة التفاح، رأيت الحزن بعين الجَدّة.. تلمّست حبلي السُّرّي، كان مربوطاً بيني وبين مسمار في الجدار.. نشروا عليه الأغاني.. تركوها حتى تجفّ موسيقاها.. وينمو زغب الطير فيها..

ما زلت معلّقاً من أطرافي بيد الجَدّة.. بينما تسيل من فمي أحاديث أبي مَعْشَر الفلكي عن الطوالع ومنازل الأقمار لحظة الولادة.. أصابع ناعمة امتدّت وداعبت شفتيّ الورديتين، قبل أن تطيح بهما لفافات السجائر، كانت تجلس على مقربة مني.. امرأة .. كحل عينها آية، وشفتاها آيتان.. قيل إن اسمها.. اسمها.. آسف، نسيت.. وأخرى على يمين أمي، عرفت فيما بعد أنها ولاّدة بنت المستكفي، نعم، تذكّرت اسمها: رابعة.. أثارتني تلك التي تحمل قماطي، كانت تلوّح به لي بطريقة مخيفة، تلفّه تارة وتعقده أخرى.. فتاة تكبرني بأعوام، مسّدت رأسي وقالت: لا تغادر دهشة الطفل.. جدتي لأبي تحمل صرّة من خيش بلون التراب.. تمتمتْ بكلمات مبعثرة، لم أفهم منها غير.. (ومن شرّ حاسدٍ إذا حسدْ).. ما إن فتحت عقدتها حتى فاضت بئر يوسف.. قالت امرأة تخفي نصف وجهها بعباءة سوداء محمرّة: اغسلوا وجه الصبي بماء التأويل..

من صرّة الخيش خرجتْ فأس إبراهيم وحطب المحرقة، أصوات ديكة القرى المعذّبة.. رقصة التتار على أجساد المدن القتيلة، بقايا من عصف مأكول، كبش الذبيح،  قربة ماء مملوءة بعطش قديم، سهام نابتة في صدر غيمة، الخيل والليل والرواة والرماة، وقميص بطعم الفتنة ..

معلّقاً من أطرافي، جسدي بارد ولم أصرخ.. جميع سبّابات أهل الأرض تشير إليّ.. تنتظر بكائي كي تبتسم الجَدّة..

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠١:٣٢ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

يدٌ أخرى للكتابة
سرد

يدٌ أخرى للكتابة

يكتب كما لو أنّ اللغة خُلقت لتكون طيناً بين يديه، يشكّلها كما يشاء، ويعيد إليها روحها كلما خذلت الآخرين. لم يكن كاتباً عادياً، بل كان يسكن الكلمات كما يسكن بيتاً قديماً يعرف زواياه المعتمة، ويعرف أين يضع المصابيح حين يشتدّ الليل. يقول دائماً: "الكتابة ليست وصفاً للحياة، الكتابة محاولة لتأجيل…

· 6 د
حين ينجلي الضباب
سرد

حين ينجلي الضباب

حين ينجلي الضباب سبقت الشائعات قدوم تلك العائلة الدخيلة إلى القرية الوديعة، الغافية على ضفة الهدوء والسلام، حيث تناقلت ألسن الناس بمرارة أخبار سمعتها المشينة. لكنّ تلك الحكايات كلَّها ذرتها الرياح أمام الابتسامة المشرقة على وجه الفتاة التي تسكن مع والديها في ذلك البيت الكبير. وفي أعماقه، انبرى…

· 7 د
حَضْرَةِ البَهَاءِ المَذْبُوحِ مَعَ سَدَنَةِ الرَّجِيعِ
سرد

حَضْرَةِ البَهَاءِ المَذْبُوحِ مَعَ سَدَنَةِ الرَّجِيعِ

غالب المسعودي فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي اسْتَوَى فِيهَا العَمَاءُ الأَوَّلُ عَلَى عَرْشِ الهَبَاءِ، لَمْ يَنْبَجِسِ التَّارِيخُ عَنْ صَوْتِ رَعْدٍ أَوْ وَحْيٍ مُقَدَّسٍ، بَلْ عَنْ زَفْرَةٍ هَيُولِيَّةٍ خَاثِرَةٍ رَفَسَتْ فِي مَشِيمَةِ الوُجُودِ الأَزَلِيِّ؛ كَانَ الهَوَاءُ كُلُّهُ عِبَارَةً عَنْ…

· 7 د