كان جسدي بارداً، ولم أصرخ.. انتظرت لبرهة، أخذت نفساً عميقاً برائحة التفاح، رأيت الحزن بعين الجَدّة.. تلمّست حبلي السُّرّي، كان مربوطاً بيني وبين مسمار في الجدار.. نشروا عليه الأغاني.. تركوها حتى تجفّ موسيقاها.. وينمو زغب الطير فيها..
ما زلت معلّقاً من أطرافي بيد الجَدّة.. بينما تسيل من فمي أحاديث أبي مَعْشَر الفلكي عن الطوالع ومنازل الأقمار لحظة الولادة.. أصابع ناعمة امتدّت وداعبت شفتيّ الورديتين، قبل أن تطيح بهما لفافات السجائر، كانت تجلس على مقربة مني.. امرأة .. كحل عينها آية، وشفتاها آيتان.. قيل إن اسمها.. اسمها.. آسف، نسيت.. وأخرى على يمين أمي، عرفت فيما بعد أنها ولاّدة بنت المستكفي، نعم، تذكّرت اسمها: رابعة.. أثارتني تلك التي تحمل قماطي، كانت تلوّح به لي بطريقة مخيفة، تلفّه تارة وتعقده أخرى.. فتاة تكبرني بأعوام، مسّدت رأسي وقالت: لا تغادر دهشة الطفل.. جدتي لأبي تحمل صرّة من خيش بلون التراب.. تمتمتْ بكلمات مبعثرة، لم أفهم منها غير.. (ومن شرّ حاسدٍ إذا حسدْ).. ما إن فتحت عقدتها حتى فاضت بئر يوسف.. قالت امرأة تخفي نصف وجهها بعباءة سوداء محمرّة: اغسلوا وجه الصبي بماء التأويل..
من صرّة الخيش خرجتْ فأس إبراهيم وحطب المحرقة، أصوات ديكة القرى المعذّبة.. رقصة التتار على أجساد المدن القتيلة، بقايا من عصف مأكول، كبش الذبيح، قربة ماء مملوءة بعطش قديم، سهام نابتة في صدر غيمة، الخيل والليل والرواة والرماة، وقميص بطعم الفتنة ..
معلّقاً من أطرافي، جسدي بارد ولم أصرخ.. جميع سبّابات أهل الأرض تشير إليّ.. تنتظر بكائي كي تبتسم الجَدّة..







التعليقات