جفل قليلا عندما كانت الإبرة الدقيقة تخترق جلده، رفع عينيه المنهكتين إلى الممرضة الشابة معاتبًا، والتي أجابته بابتسامة:
- الحمد لله على السلامة
دقائق قليلة احتاجها لكي يستوعب الهدوء الضبابي للفضاء الذي وجد نفسه فيه هائمًا وهو مُلقى على سريرٍ أبيض، ومُحاصرٌ بين أربعة جدرانٍ وسقف أعلى من المعتاد.
حاول أن يقول شيئًا، ولكن بعض الثمالة من صداع خفيف أحجمته عن ذلك، بدأت وخزات جسده وآلام ساقه تسرد له قصة ذلك الحادث اللاذع، رويدًا رويدًا بدأ يستعيد صورة راكب الدراجة وهو يحاول رفعه عن الأرض، ولكن كل ما تلا ذلك ما زال غائمًا قليلًا في رأسه
- كيف وصلت إلى هنا.
- أوصلك الشباب إلى هنا، وكنت ذاهلًا قليلًا ومصابًا بالصدمة.
أخبره الطنين الخافت في أذنيه وبعض الخدوش بأنه لم يكن واعيًا تمامًا في )ما يدور من حوله وقتها.
- وأين الجميع؟؟
وهي تلملم أدوات عملها:
- الجميع ذهبوا مع الشرطة بعد أن اقتادوا صاحب الدراجة الذي تسبب بالحادث معهم.. ولم يبق سوى....
أشارت الممرضة بطرف عينها إلى الجانب الآخر من الغرفة، أدار رأسه بتثاقل ووهن.. يا رباه.. أخذ يحدق في عينيها بدهشة كأنه آفاق من حلم، حاول أن يعدل من وضعه قليلًا.. وبلا إرادة أخذ يجاهد لترتيب شعره ونفض التراب الذي كان يعفر وجهه وملابسه.. حاول التحدث لكنه تلعثم وتزاحم الكلام في فمه كمن حبس لسانه.
- كيف حالُك الآن؟
سألت نور، بصوت كأنّه ريحٌ لطيفةٌ تُهدّىء من روعه.. وتعلن عن دخول الضوء إلى عالمٍ مُظلم. كانت جميلةً كالقمر في ليلةٍ صافية، عيونها بنيةٌ كأنهما مُحيطٌ من الجمال يُغرق الروح في سحرِهِ.
- أنا بخير، أشكركِ على اهتمامِكِ
قال ياسر، محاولا إخفاء ارتباكه وراء ابتسامةٍ باهتة.
- لا تقلق، سأكون بجانبكِ طوال الوقت
قالت نور، كأنها تُبشّرُهُ بأنَّ الظلام سيُزول قريبًا
جلسَت نور بجانب ياسر، تُحاول تخفيف ألمه بأحاديثٍ لطيفةٍ كأنها تُغني له أغنيةً من ألحان الفرح والأمل.
أراد أن يصارحها بأنه...؟ وأنه...؟ وكان على استعداد بأن...؟. لكنه ظل ساكناً برهة مذهولًا..
- أشكركِ جدًا على كل شيء.
قال ياسر لنور، معبرًا عن امتنانٍ لا ينتهي.
-لا تقلق، ستُشفى قريبًا.
قالت نور، كأنها تُؤكد له أن العالم ما زال جميلًا وأنَّ الأمل ما زال يُمكن أن يُزهر في قلبه.
- يمكنك أن تذهب الآن لتستريح.. لا توجد كسور أو أي شيء ممكن أن يثير قلقك.. فقط عليك الالتزام بالعلاج.
- شكرا سيدتي، سأحرص على تذكيره بالعلاج يوميا.
- صاحب الدراجة موقوف الآن في مركز الشرطة، يمكنك أن تقاضيه.
- لا داعي.. سأعمل على إخراجه في أقرب وقت.. بل قد يكون علي أن أشكره.
- ماذا ؟؟
- لا عليك سيدتي.
في تلك اللحظة أحس بيد تقبض على ذراعه برفق لتساعده على النهوض، شعور غريب غمره عندما لمست أمانيه كتفه لتواسيه، بتلك الابتسامة الحانية والنظرات المؤملة، أسلم لها قياده، وما تبقى له من سنين، ومشى معها وهما يُشكلان لوحةً جميلةً من الأمل والجمال تُنير العالم بجمالها وسحرها.. وتبشر بأيام مشمسة كثيرة في الأفق.







التعليقات