انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الحمار الذي هو

زياد كامل السامرائي
زياد كامل السامرائي

شاعر وأديب عراقي

4 دقائق للقراءة
14 مشاهدة1 تعليق
الحمار الذي هو
مشاركة:

لم أُبذلْ جهداً كبيراً وأنا أعتلي إحدى تلال مدينتي التي أَلِفْتُها منذ صباي، ولم أتكاسل، رغم عطشي وجوعي المتكرر الذي اعتَدتُ عليه حين فقدتُ حمارَتي البيضاء بفعل قصف مدفعي، نُسِفَتْ معها أحلامي في ولادة جحش صغير كأمه، أبيضَ، ذو عينين كبيرتين لامعتين، يساعدنا في حمل أثقال الحياة المضنية. لقد فقدتُ شهيّة الأكل والشراب، فتحول نصفُي حماراً ونصفُي الآخر أَلَماً.

مرّت بي عشبة ربيعية مزهرة طرية وأنا أجمع خطاي نحو قمة التلة. توقفتُ، أحنيتُ رأسي إليها بخشوع، ثم شممتُها بعمق لاسترداد رائحتها العبقة؛ فقد كدتُ أنسى عبيرها، فمنذ أعوام مضت لم أَرَها ولم تطأ حوافري أُشنةَ التلال. رفعْتُ رأسي ونظرتُ إلى الفراغ كأنما أريد بذلك أن أجد سبباً لهذا الغياب، وعندما عجزتُ، عاودتُ استرداد أنفي الأسود الواسع إليها لأشمّ من جديد؛ رائحة تلك العشبة وهي تدخل خياشيمي الرطبة يداعبها بلطف من خلال شعيرات أنفي الأسود الواسع، المتناثرة السابحة في فضاء وجهي العبوس.

لم أتذوقها، إنما تركتُها لاعتقادي بأنها ستجلب في نفسي المَسرة والغبطة كلما رأيتُ تلال قريتي تتّشح ببساطٍ أخضر فسيح. فالشعير الذي يُكرمني سيدي به كان كافياً بأن يجعل قلبي قوياً وعضلات فخذيَّ قادرةً على حمل ما شاء من أحمال وموازين.

ماذا لو لم أكن حماراً؟

بل ماذا لو لم يكن هناك سلالة من حمير أصلاً؟

هل ستشعر بالعجز والخذلان قريتي المنكوبة دوني؟

ومن سيتحمل، بدلاً عني، كل تلك المصاعب البغيضة التي لا تُطاق، ثم الشتائم المرّة التي لطالما أرهقني سماعها، فجعلتْ مني مثار شفقة وعطف، وربما اشمئزاز وتهكم؟ ماذا ستفعل بقية الحيوانات لو خَلَتِ الطبيعة من حمار صبور مثلي؟

وكيف ستكون حياتهم عندما يغيب اسمي من سفينة نوحهم؟

أخذتْني لذعة حادة من تلك الأسئلة والأفكار، كأنها ذلك السوط الذي كان يحز جانبيَّ أو بين رقبتي كلما ضربني سيدي به مرة بعد أخرى، ليترك أثراً فيما بعد على مسامات جلدي وحواسي التي يظن وليّي أنها ميتة. يجلدني به كلما توقفتُ لسبب ما ليحيّدني عن مواصلة السير باتجاه لا أفقه منه شيئاً سوى تلك الحبات من الشعير التي تنتظرني في سطل الحظيرة الرث لنهار شاق وعنيد.

وبينما كنتُ مسترسلاً بأفكاري وخلجاتي، راودتني رغبة في النهيق لينفض كل خاطرة مسيئة لصبري وطول بالي، أو هي كردة فعل أتخطى بها صعوبات حياتي التي نجمت عن طبيعة تآلفي مع محيطي الذي ما زال ينظر إليَّ على أني غبي وتافه. حتى الدجاجات القريبة من الحظيرة التي أعيش فيها، كانت تعتقد بأنني صندوق رمادي أجوف، تقف على ظهري مطمئنة؛ بل إحداهن أرادت في إحدى ظهيرات نيسان أن تبيض في أذني، لولا جاري الحصان الأشهب الذي أفزعها بصَهِيله فجعلها تغيّر رأيها في اللحظات الأخيرة، فطارت متوارية بين زوايا وأكداس الخشب في بيتي المزعوم.

وصلتُ أخيراً إلى قمة التلة، فشعرتُ بأن الشمس أصبحتْ أكثر قرباً مني، بينما قريتي (خميسة) الآن تتراءى أمام ناظريَّ وهي تتلاشى شيئاً فشيئاً لما تعرضتْ له من مصائب ونكبات، ابتداءً بفقدي (أم نافع) زوجتي البيضاء الرحيمة، التي لم تفارق مخيلتي، وهي لسنوات عدة بقيت مخلصة لي، تقاسمتْ معي حياة الحظيرة بكل حب ومودة، بما يحمل المكان من ألفة ورومانسية، من حميمية تبعث على طمأنينة مطلقة لا مثيل لها! كانت تحكّ لي ظهري بأسنانها كلما احتجت لمباهج الزهو بفحولتي من مغازلة وإطراء، أو تغمض عينيها الواسعتين لتعلن من خلال تلك الإيماءة الرقيقة بأنها راضية عني ما دمت حيّاً يرزق وإلى جانبها.

الحياة دونها الآن ظلمة واجترار.. ودفعاً لتلك الحياة الصلفة التي كان وليُّنا يقدمها لنا بمرارة وقسوة، أتذكر — ونحن نتمَرّغ في أوقات فراغنا في التراب شوطاً بعد آخر لننفض بعض الحشرات العالقة على ظهورنا جراء ما نحمل، أو حين ننبطح على أرض ولا ندري ما عليها، فيما الحصان الأشهب جاري وصديقي يفعل ما نفعل دون هوادة حتى يصبح المكان إثر ذلك سحابة كثيفة من غيوم ترابية — كيف كان ينهرنا، بل يضربنا بعصاه أنا وزوجتي على ظهورنا ليجبرنا على أن نكفّ عن هذا العبث وأن ندع هذه العادة السيئة. ننهض إثر ذلك الضرب ونبتعد، لكنه ما كان ليجرؤ أن يقترب من صديقي الحصان الأشهب!

كان تصرفه الأخير هذا هو ما آلمنا — أنا ورفيقتي — إذ جرح بفعلته كل بوصة في عروقنا. ننهض بعد أن نرفس الغبار بقوائمنا مرة ومرتين، فيما صاحبنا لثم وجهه بغطاء الا عينيه بقيت مراقبتين بتلذذ نكوصَنا. كنت أجهل معنى تصرفاته الباردة اللئيمة تلك، وهو يخفي ملامحه عنا كلما انتشينا بتمريغ أجسادنا العارية وهي تحتك بسجادة التراب..

لكنني حمار، والتمرد يجلب لي الضياع والتسكع بكل الأحوال!

كنت قادراً على ركله بحوافر رجليَّ الخلفية التي لا تصد، لكنني آثرتُ أن أصبر عليه هو الآخر كونه ولي أمري ومن يطعمني ويحمي سلالتي.

وما لا يعرفه عني حتى اللحظة هو أن صبري له حدود، وربما سيأتي اليوم الذي أنفذ فيه خطتي.. موت زوجتي المبكر في القصف جعلني أؤجل مصيري مع هذا الآدمي الشرير.

— لا تخف أيها الحمار.. قلتُ مع نفسي:

ما زلت في مأمن الجوع والعطش رغم ما تعانيه من هموم وآلام.

وتذكرتُ حكمة أبي الذي فقدتُه هو أيضاً بجلطة دماغية، قال مرة:

إذا ما خانك صبرك يا بني، فتيقن أنك سوف تطير كنورس الى الأبد

تلك الحكمة التي لم أستطع فهمها، وما هو وجه الشبه بين حمار ونورس... قلت : ربما  لأنني لم أبلغ زمنها بعد.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دليفري
سرد

دليفري

كان الشتاء ثقيلًا في تلك الليلة، والوقت تأخر قليلا في الكرادة، وهذا قد يكون وراء امتعاض (عبد الله) من فكرة أن يوصل طلبية طعام، في هذ الجو البارد، إلى مكان بعيد بعض الشيء عن المطعم الذي يعمل معه كعامل توصيل - أم علي.. ببغداد الجديدة.. تطلب أن يصلها الطلب سريعا، وتقول أن عليك أن تطرق الباب - وهل هذا…

· 9 د
إسفلت بارد
سرد

إسفلت بارد

لم يحفل، ولم يحاول حتى، إخفاء ترنح مشيته على طول إسفلت الشارع البارد الذي أدمن -حد الضجر- وقع أقدامه خلال رحلاته اليومية عديمة الجدوى.. كل همه الآن كان التفكير في أن الحظ سيحالفه هذه المرة.. وأنه سوف يراها مرة أخرى، كانت في عينيه نظرة جادة قوية سكبت فيه الجرأة، كأنه عاش كل دقيقة من عمره، بكل كيانه…

· 3 د
بقايا عطر
سرد

بقايا عطر

الذكريات لا تأتي دفعةً واحدة، إنها تتسلّل كما يتسرّب العطر من قارورةٍ قديمة، مكسورة الحواف، محتفظةٍ برائحتها رغم انكسارها. يجلس قرب النافذة التي تطل على شارعٍ لم يعد يعرفه، كأن المدينة استبدلت روحها، أو كأنه هو الذي تبدّل حتى لم يعد يرى الأشياء كما كانت. أمسك بيده المرتجفة قطعة قماشٍ صغيرة، منديلٌ…

· 6 د