لم يكن السي عبد الهادي من أولئك الذين يرفعون أصواتهم في المقاهي، أو يقاطعون الآخرين لإثبات وجهة نظر، بل كان يجلس كل صباح قرب النافذة المطلة على الشارع، يحرك ملعقته في كأس القهوة، ويبتسم للمارة ابتسامة لا يعرف أحد إن كانت تعبيرا عن الرضا أم عادة قديمة التصقت بوجهه.
منذ أحالته الإدارة على التقاعد، قبل عامين، اكتشف أن الفراغ ليس دائما نعمة، وأن الساعات التي تتحرر من العمل قد تتحول إلى غرف واسعة لا يسكنها أحد. كان قد قضى عمره بين الملفات و الطوابع و الأختام، وظن أن التقاعد سيمنحه فرصة لاستعادة ما ضاع منه، لكنه وجد نفسه غريبا داخل بيته، حاضرا بجسده، غائبا عن أحاديث أهله.
كان ابنه يعود مساء،يضع هاتفه فوق المائدة، ويتناول العشاء و عيناه معلقتان بالشاشة. وحين يحاول أبوه أن يروي حادثة من أيام الوظيفة، يقاطعه قائلا:
ـ أبي، أرجوك، اختصر حديثك، فلدي اجتماع غدا.
فيبتسم السي عبد الهادي و يبتلع بقية الحكاية.
أما ابنته المتزوجة، فكانت تتصل به كل أحد، تسأله عن صحته،ثم تنهي المكالمة على عجل:
ـ حفظك الله لنا يا أبي، لدي أعمال كثيرة ينبغي أن أنجزها.
فيجيبها: "وفقك الله يا ابنتي"، ويظل ممسكا بالهاتف بضع ثوان بعد انقطاع الخط، كأنه ينتظر أن يعود صوتها ليمنحه فرصة أخرى للكلام.
لم يكن يريد مالا ولا هدايا، بل كان يتمنى أن يسأله أحدهم عن حاله، ثم ينتظر الجواب حقا؛ أن يجد أذنا تصغي إليه دون أن تقاطعه بنصيحة جاهزة، أو تقارن وجعه بأوجاع الآخرين.
وذات صباح، جلس إلى جواره مصطفى، جارهم المعروف بكثرة الكلام، وراح يشكو من أبنائه وزوجته وأصدقائه،ثم قال وهو يضرب كفه بكفه:
ـ المشكلة في هذا الزمان أن الناس لم تعد تصغي بعضها إلى بعض؛ فكل واحد يتحدث عن نفسه،ولا يكاد يهتم بما يشعر به الآخرون!
هز السي عبد الهادي رأسه موافقا،و كاد يضحك. كان الرجل يشرح مأساة العالم، لكنه لم يسأله مرة واحدة عن أحواله. وما إن رن هاتفه حتى نهض معتذرا:
ـ اعذرني، لدي موعد مهم.
ومضى، تاركا فنجان قهوته نصف ممتلئ، وحكمته معلقة في الهواء.
في المساء،شعر السي عبد الهادي بدوار مفاجئ،ثم سقط الكأس من يده.هرعت زوجته وابنه إليه، و نقلاه إلى المستعجلات.و بعد الفحوصات،سأله الطبيب إن كان يعاني من القلق أو الضغوط.
أراد أن يخبره أن بعض التعب لا يظهر في التحاليل، وأن الإنسان قد يختنق وسط أهله دون أن ينتبه أحد، لكنه اكتفى بقوله:
ـ إنه مجرد إرهاق بسيط يا دكتور،لا داعي للقلق.
بعد عودته إلى البيت، جلس ابنه قربه، ووضع هاتفه جانبا،ثم قال بصوت خافت:
ـ سامحني يا أبي، ربما قصرت في حقك.
انتظر الأب طويلا هذه العبارة، لكنه حين سمعها لم يجد ما يقوله سوى:
ـ لا عليك يا بني،أسأل الله أن يرضى عنك.
رن الهاتف بعد دقائق،فاعتذر الابن وغادر الغرفة.ابتسم الأب ابتسامته المعتادة،و أدرك أن بعض الأبواب لا تغلق دفعة واحدة، بل تضيق شيئا فشيئا حتى يعتاد المرء المرور منها منحني الرأس.
بعد أيام، تعرف في الحديقة القريبة من البيت إلى العربي، رجل مسن فقد زوجته ويعيش وحيدا.تبادلا السلام في البداية، ثم نشأت بينهما أحاديث صغيرة،سرعان ما قادتهما إلى حكايات العمر والوحدة وخيبات الأبناء.
قال العربي ذات صباح:
ـ الغريب يا أخي أن الإنسان قد يكون بين الناس،ومع ذلك يشعر بالوحدة. فالوحدة الحقيقية أن يكون لديك كلام كثير، ولا تعرف لمن تقوله.
نظر إليه السي عبد الهادي وقال:
ـ كأنك تتحدث عني.
ومنذ ذلك اليوم،صار يجد في صديقه أذنا لا تستعجل نهاية الحكاية،و صمتا لا يشبه الإهمال، بل يمنح الكلام فرصة لينضج ويخرج من القلب دون خوف.
وفي مساء هادئ، وجد زوجته جالسة قرب النافذة، شاردة أمام كأس شاي بارد. سألها عن حالها،فأجابت كعادتها:
ـ لا شيء، أشعر ببعض التعب فحسب.
كان يستطيع أن يترك الأمر عند هذا الحد، لكنه مد يده ووضعها فوق يدها.
ـ إن أردت الحديث، فأنا هنا لأستمع إليك.
أطرقت رأسها،ثم بدأت تتحدث عن خوفها من المرض،وعن السنوات التي مضت، وعن البيت الذي صار خاليا بعدما كبر الأبناء و غادروا. ظل يصغي إليها دون مقاطعة، حتى انتهت.
قالت بخجل:
ـ لا أدري لماذا أخبرتك بكل هذا.
ابتسم و أجاب:
ـ ربما لأنك وجدت أخيرا من يصغي إليك.
في تلك الليلة، لم تتغير أحوال الأسرة، ولم يصبح الأبناء أكثر فراغا،لكن نافذة صغيرة انفتحت في جدار الصمت.
ومنذ ذلك الحين،فهم السي عبد الهادي أن بعض الصمت راحة،و بعضه استغاثة لا يسمعها أحد،وأن أقسى ما يصيب الإنسان ليس أن يعجز عن الكلام، بل أن يتعب من الكلام حتى لا يعود ينتظر جوابا.
وفي صباح اليوم التالي، جلس إلى جوار العربي في الحديقة. لم يتحدثا كثيرا؛اكتفى صديقه بأن قرب مقعده من مقعده.وكان ذلك، في تلك اللحظة، جوابا كافيا.







التعليقات