انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

شمخت في سهل حوران

عساف سلامة السلمان
عساف سلامة السلمان

قاص وكاتب سوري

4 دقائق للقراءة
37 مشاهدة2 تعليق
شمخت في سهل حوران
مشاركة:

يُحكى أن شمخت، عاهرة المعبد الشهيرة، قررت ذات يوم أن تتجاوز حدود بلاد الرافدين، وأن تقوم برحلة استطلاعية إلى سهل حوران، بعد أن وصلتها أنباء عن ظهور بطل أسطوري جديد، طويل القامة، منير الوجه، مفتول العضلات، شديد البأس، أمين على العهد، يصول ويجول بين الغزلان في البراري، ولا يعترف بسلطة أحد.

كان أنكيدو، كما وصفته التقارير السرية، عارياً إلا من هيبته، لا يخشى وحشاً ولا سلطاناً، ولا ينحني إلا إذا أراد أن يلتقط شيئاً من الأرض. وكانت الغزلان تحيط به كما يحيط المتملقون بالحاكم المنتصر.

وصلت شمخت متسللة عبر الحدود، تحمل حقيبة صغيرة، وبعض مستحضرات الإغراء، وتفويضاً غير معلن من المعبد الأعلى، يقضي بترويض كل بطل يشكل خطراً على استقرار المنطقة.

رأته مستلقياً على صفاة اللجاة، قرب مسرح بصرى، فأدركت أن المهمة لن تكون سهلة، لكنه كان، من وجهة نظرها، مشروعاً سياسياً واعداً.

اقتربت منه وقالت بصوت ناعم:

"مرحباً بك يا أنكيدو، يا من لم تلد السماء مثلك! لقد سمعنا عن بطولاتك، وعن رفضك الخضوع، وعن حب الغزلان لك. جئت لأعرض عليك شراكة استراتيجية، أساسها المحبة والتفاهم والمصالح المشتركة".

فتح أنكيدو عينيه، ونظر إليها متسائلاً:

"ومن أنتِ؟"

"أنا شمخت، ممثلة المعبد لشؤون التقارب الحضاري، ولدي خبرة طويلة في تحويل المتمردين إلى مواطنين صالحين".

ضحك أنكيدو وقال:

"لا أحتاج إلى معبد، ولا إلى وصاية، ولا إلى من يعلمني كيف أعيش".

ابتسمت شمخت، وقالت:

"لا أحد يريد وصايتك يا عزيزي. نحن نحترم سيادتك، ونؤمن بحقك في تقرير مصيرك، لكن العالم تغير، وهناك نظام إقليمي جديد، ومن الأفضل أن تكون جزءاً منه بدلاً من أن تبقى خارج الإجماع الدولي".

ثم بدأت مفاوضات التقارب، واستمرت ستة أيام وسبع ليالٍ. وفي صباح اليوم الثامن اكتشفت الغزلان أن أنكيدو لم يعد الرجل الذي عرفته. صار يفضل الأطعمة المطبوخة، ويهتم بالمظاهر، ويتحدث عن الأمن والاستقرار، ويطالب بإقامة علاقات طبيعية مع المعبد.

لم تعد الغزلان تقترب منه. أما هو فقد صار ينظر إليها بريبة، ويتهمها بأنها لا تفهم متطلبات المرحلة.

قالت له شمخت:

"لقد أصبحت رجلاً عصرياً يا أنكيدو. لم تعد بحاجة إلى البرية. سأصحبك إلى المدينة، وهناك ستتعرف على أصحاب القرار".

وفي أوروك، كان جلجامش ينتظره. ملك الملوك، الذي سمع عن البطل الجديد، وقرر اختباره في مباراة مكاسرة أمام الجمهور.

تصارع الاثنان، فلم يستطع أحدهما أن يهزم الآخر. وحين أدركا أن القوة وحدها لا تكفي، اتفقا على تأسيس شراكة تاريخية، وأعلنا أمام الكاميرات أن ما جرى ليس صراعاً على السلطة، بل اختبار للصداقة وتبادل للخبرات.

صفقت شمخت بحرارة، ورفعت يديها إلى السماء، بينما كان المذيع الرسمي يعلن:

"لقد انتصر الاستقرار على الفوضى، وانتقلت المنطقة إلى مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي".

أما الغزلان التي بقيت في البرية، فقد أصدرت بياناً شديد اللهجة، أعلنت فيه رفضها القاطع لما وصفته بتدجين أنكيدو، وطالبت بإعادته إلى طبيعته الأولى، لكن أحداً لم يلتفت إليها. فقد أصبحت قضيتها خارج جدول أعمال القمة.

ذهبت شمخت إلى المعبد لتقديم تقريرها النهائي. استقبلها كبير الكهنة، وقلّدها وسام التضحية من أجل الاستقرار، وطلب منها أن تحكي بالتفصيل كيف استطاعت تحويل ذلك الوحش البري إلى شريك موثوق.

قالت له:

"لم تكن المهمة صعبة كما تصورتم. كل ما احتجت إليه هو أن أقنعه بأن العالم لا يحتمل الأبطال المستقلين، وأن الحرية التي لا تحظى بموافقة المعبد ضرب من الفوضى".

سألها كبير الكهنة:

"وماذا بعد أنكيدو؟"

أجابت وهي ترتب ثيابها:

"سمعت أن هناك بطلاً آخر ظهر في الجنوب، يرفض الوصاية، ولا يعترف بالحدود الجديدة، ويظن أن الأرض ملك لأهلها".

ابتسم كبير الكهنة، وناولها خريطة جديدة، وقال:

"هذه المرة نريد منك عملاً أكثر دقة. لا نريد أن نروّض الرجل وحده، بل نريد أن نروّض الذاكرة أيضاً، حتى ينسى الناس أنه كان حراً ذات يوم".

أخذت شمخت الخريطة، ووضعتها في حقيبتها، ثم سألت:

"وهل هناك ميزانية للمهمة؟"

قال:

"بالطبع. إنها مهمة مقدسة، والميزانية مفتوحة".

خرجت شمخت من المعبد، وفي طريقها إلى الحدود كانت تتمتم:

"ما أكثر الأبطال في هذه البلاد، وما أقل الغزلان التي ما زالت تعرف طريق البرية!"

أما أنكيدو، فقد أصبح مستشاراً لشؤون الأمن والاستقرار، وصار يكتب مقالات عن مخاطر الحياة البرية، وضرورة مكافحة الغزلان غير المرخصة.

وكان كلما سمع أحدهم يذكر أيامه القديمة، يجيبه بغضب:

"تلك مرحلة انتهت. لقد كنت يومها ضحية نقص الوعي السياسي، أما الآن فقد فهمت معنى الواقعية".

وهكذا انتهت أسطورة أنكيدو، لا على يد وحش من وحوش الغابة، ولا في معركة مع ملك جبار، بل على يد شمخت، التي لم تكن تحتاج إلى سيف أو رمح أو جيش.

كانت تعرف أن بعض الأبطال لا يُهزمون في المعارك، وإنما حين يقتنعون بأن تدجينهم هو عين الحرية.

وفي المعبد، كان الكهنة يرددون كل صباح:

"المجد ،لشمخت، لمن يروّض الأبطال، والعار لمن يترك الغزلان حرة!”

مشاركة:

آخر تحديث: ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:٤٧ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

خمبابا الجديد
ثقافة عربية

خمبابا الجديد

يُحكى أن إنليل، إله الآلهة، عيّن خمبابا حارساً على غابة الأرز في بلاد الشام، وأوصاه بحمايتها. لكن خمبابا ما إن تسلّم مفاتيح الغابة حتى استبدل الحراسة بالنهب، واقتلع أشجار الأرز، واحتكر ثمارها، وأشبع حاشيته، فيما أخذ أهل الغابة يتضورون جوعاً. ومع مرور الزمن، صار الناس يتحسرون على حبة أرز، بعدما…

· 1 د
قصيدة
ثقافة عربية

قصيدة

أنا ذنب الحياة الكبير دمعي يسيل على ضفاف الروح وجسدي مبخرة يفوح منها عطر الغائبين أصابعي أعواد قشّ أحرقتها بعد أن قصمت ظهر الأمل أحاديث الموت الطائشة تخنق صمتي في عيوني صحراء تمتد حتى آخر العالم كلما أمسكت الوقت في كفيّ تساقط حبات رمل جافة وبرفقة كل الضحايا أعبر جسر الحزن الطويل حاملة على صدري…

· 1 د
نصوص قصيرة
ثقافة عربية

نصوص قصيرة

1- ما لم نقله لم تكن المشكلة أننا لم نملك الكلام، بل أننا امتلكناه في الوقت الخطأ. كان الاعتذار جاهزا، لكن الكبرياء وقف عند الباب، وكان الحب واضحا، لكن الخوف أطفأ مصابيحه، وكان العتاب ينتظر لحظة صفاء لم تأت. مرت الأيام، وتراكم الصمت بيننا حتى صار جدارا لا نعرف من أين نبدأ هدمه. وحين غادرت، اكتشفت…

· 2 د