انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المصعد الذي هبط إلى الجحيم* للكاتب السويدي بير لاكركفيست

ترجمة: علي سالم

علي سالم
علي سالم

مترجم وأديب عراقي

11 دقائق للقراءة
14 مشاهدة
المصعد الذي هبط إلى الجحيم للكاتب السويدي بير لاكركفيست
مشاركة:

فتحَ يونسون، مدير الحسابات، باب مصعد الفندق الأنيق، ودلَف إلى الداخل هو وتلك المخلوقة الرقيقة الفائحة برائحة العطر ومساحيق التجميل التي كان يعشقها. جلسا متلاصقين على المقعد الوثير، وبدأ المصعد بالنزول. رفعت الآنسة الصغيرة فمها نصف المفتوح المبلل بالنبيذ، وبادلته القبل. لقد تناولا العشاء في الشرفة، تحت النجوم، والآن كانا في طريقهما إلى خارج الفندق لقضاء وقت ممتع.

همست له قائلة: "كم استمتعنا بالوقت هناك في الشرفة، يا حبيبي. يا لها من شاعرية بالغة أن أجلس معك هناك. هل تحبني حقًا؟"

أجابها مدير الحسابات بقبلة طالت أكثر من الأولى، وواصل المصعد الهبوط.

قال لها: "كم كان جميلًا مجيئك، يا صغيرتي. ولو كنتِ قد تخلفتِ عن المجيء، لكنتُ الآن في حيرة من أمري."

" نعم، لكن ثق بأنَّني لم أعد أطيقه أبدًا. ففي اللحظة التي شرعت فيها أُعِدُّ نفسي للخروج، سألني إلى أين كنتُ ذاهبة، فقلتُ بأني أمتلك الحق في الذهاب حيثما شئت، فأنا، على أية حال، لستُ سجينة. ثم جلس وراح يحدق بي طوال الوقت وأنا أستبدل ثيابي. ثم ارتديت فستاني البني الفاتح هذا. هل تعتقد أن هذا اللون يناسبني؟ ما الذي يناسبني حقًا، برأيك؟ ربما كان الوردي، على الأقل؟"

" كل الألوان تليق بك، يا حبيبتي"، قال مدير الحسابات، "لكني لم أشاهدك بكل هذا البهاء من قبل."

وفتحت معطف فرائها الوثير، ورفَّ على وجهها طيف ابتسامة رائعة، وأطبقت على فمه بقبلة طويلة، واستمر المصعد في الهبوط.

" ثم عندما انتهيتُ من تبرجي وهممتُ بالخروج، مدَّ يدهُ وأمسكَ بي، ضاغطًا على معصمي بقوة، لا زلتُ أشعر بآثارها الأليمة إلى الآن، دون أن يفه بكلمة واحدة. إن وحشيته تفوق التصور والخيال! وداعًا إذن، قلت له، لكنه لم يكن قادرًا على فهم أي شيء، ولا كلمة حتى. ليس ثمة رادع لوحشيته، ولم يعد بوسعي أن أتحمله."

" يا لفتاتي الصغيرة المسكينة، كم أشعر بالأسى لأجلك!"، قال المحاسب يونسون.

" قد يحسبني البعض خالية الوفاض من العناء، ولا أحتاج لشيء غير ذلك النكد أتسلى به. إنه متجهم مثل قبر، ولا تستطيع مياه الابتسامة أن تشق لها طريقًا في أرض روحه الوعرة؛ لا يستطيع أن يتعامل مع أي شيء ببساطة وعفوية، كما لو أن الأمر كله بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت."

" مسكينةٌ، يا صغيرتي، ما أشدَّ عنائك!"

" آهٍ، ثم آهٍ، لقد عانيتُ الكثير. عناء لا يُحتمل! عناء منقطع النظير."

" حبيبتي!" قال يونسون وأحاطها بذراعيه، واستمر المصعد في النزول.

" تخيَّل،" قالت، عندما منحها العناق أخيرًا فرصةً للكلام،: "تخيَّل روعة جلوسي بصحبتك هناك في الشرفة وسط النجوم وهدهدة الأحلام؛ لن أنسى هذا المشهد ما حييت، ولن يكون هذا الأمر ممكنًا مع شخص آخر مثل آرفيد، لأن ذلك المشهد الساحر لن يفلح في كسر جمود روحه. لا فسحة للشعر في قلبه، لأنَّه غير قادر على فهمه."

" حبيبتي، إنه شيء لا يُطاق."

" نعم، لا يُطاق، أليس كذلك؟" واصلت الحديث ومنحته يدها مبتسمةً. "لماذا نضيع الوقت بالجلوس والتفكير بهذا الأمر؟ دعنا نخرج الآن ونستمتع بوقتنا! تحبني حقًا، أليس كذلك؟"

المصعد الذي هبط إلى الجحيم*

للكاتب السويدي بير لاكركفيست

همهم الرجل بنعم، واحتضنها ثانية بقوة حتى طارت أنفاسها لهفةً، واستمر المصعد في الهبوط. عانقها، وشرعت يداه تمسدان لحمها الأبيض، فتضرَّج خداها بحمرة الخجل النضرة.

" هل سنمارس الحب الليلة... كما لم نمارسه من قبل؟" همس في أذنها.

ضمتهُ إلى صدرها، وتركت جسدها يلتصق به بقوة، وأغلقت عينيها، وهبط المصعد وهبط وهبط دون توقف. وأخيرًا هبَّ يونسون واقفًا على قدميه، وقد تضرج خداه بالحمرة.

" لكن ما مشكلة هذا المصعد؟ صاح قائلًا. "لماذا لا يتوقف؟ لقد جلسنا وتحدثنا طويلًا، أليس كذلك؟"

" نعم، صحيح، لقد فعلنا ذلك بالتأكيد، الوقت يمر بسرعة."

" صحيح، لكن بحق السماء، ألم نجلس بما فيه الكفاية وأكثر؟ ما المقصود بهذا؟ ماذا حدث؟"

وحدَّق عبر مشبك باب المصعد، ولم يكن ثمة غير طبقة كثيفة من الظلام الدامس هناك.

واستمر المصعد بالهبوط دون توقف نحو الأعماق السحيقة المظلمة بإيقاع رتيب وسريع.

" ماذا يحدث بحق السماء، ما معنى هذا؟ يبدو كما لو أننا نهبط في جوف هوة بلا قرار، وكأننا نمارس الهبوط منذ الأزل."

حاولا النظر إلى قعر الهاوية. كان الظلام دامسًا وكثيفًا، ولم يكن بوسعهما فعل أي شيء غير الهبوط المتواصل داخل فم الهاوية المظلمة التي فغرت فاهها تحت أقدامهما.

"يبدو أن هذا المصعد ذاهب بنا إلى الجحيم." صاح يونسون.

" أواه، يا حبيبي،" صاحت الفتاة شاكيةً باكية، وتشبَّثت بذراعه.

"أنا خائفة جدًا. اسحب عتلة المكبح إلى الأسفل."

وفعل يونسون كل ما بوسعه لإيقاف المصعد، لكن كل جهوده باءت بالفشل، واستمر المصعد يهبط إلى قعر الهاوية بعناد ورتابة، وكأنَّه مقيمٌ على هذه الحال منذ الأزل، ولسوف يستمر هكذا ما شاء له ذلك إلى الأبد.

"ياله من أمرٍ رهيب جدًا،" صاحت الفتاة. "ماذا سنفعل؟ ماذا سيحل بنا؟"

" نعم، ماذا بوسع المرء أن يفعل في حالة كهذه، بحق الشيطان؟ إنه الجنون بعينه."

تحطَّمت معنويات الآنسة الصغيرة، وأجهشت بالبكاء.

" كلا، كلا، يا عزيزتي، ليس على هذا النحو. يجب أن نفكر تفكيرًا عقلانيًا. ليس بإمكاننا فعل أي شيء، لذلك اجلسي. نعم، هكذا، دعينا نجلس جنبًا إلى جنب ونهدئ من روعنا قليلًا، لنرى جلية الأمر، إذ لا بد لهذا المصعد اللعين أن يتوقف في النهاية."

جلسا في مكانيهما على المقعد الموجود داخل المصعد، وأخذا ينتظران ماذا سيحدث.

" تخيَّل،" قالت الفتاة. "لا أصدق أن أمرًا كهذا ممكن الحدوث. لقد كنا في طريقنا إلى الخارج للاستمتاع بهذه الأمسية معًا."

" نعم، اللعنة على هذه المصادفة السخيفة." قال يونسون.

" هل تحبني حقًا؟"

" حبيبتي، صغيرتي." قال يونسون وضمَّها إلى صدره، واستمر المصعد في الهبوط، ثم توقف أخيرًا على نحو مفاجئ، وغمرهما ضوء ساطع يبهر العيون.

لقد وجدا نفسيهما في الجحيم. وفتح الشيطان مشبك باب المصعد بأدبٍ جم.

" طاب مساؤكما." قال الشيطان وهو ينحني لهما انحناءة كبيرة. كان أنيقًا، ببدلة توكسيدو تتدلى فوق الفقرة العليا من ظهره المغطى بالشعر، كما تتدلى قطعة قماش من مسمار كبير صدئ.

خرج يونسون وخليلته من المصعد وهما يشعران بالدوار.

" أين نحن بحق الآلهة؟!" صرخ الاثنان مذعورين أمام هذا التجلي المرعب.

وشرع الشيطان يشرح لهما طبيعة الموقف بشيء من الحرج:"لكن الأمر ليس بهذا السوء الذي يبدو عليه."

وبعد هنيهة أردف على عجل:

" أرجو أن يستمتع السيد والسيدة بليلة ممتعة حقًا. يبدو لي أنكما هنا لقضاء ليلة واحدة فقط، أليس كذلك؟"

" نعم، نعم!" صاح يونسون بصبر نافد. "ليلة واحدة فقط. لا نفكر بالبقاء هنا، كلا، لن يحدث ذلك أبدًا!"

المصعد الذي هبط إلى الجحيم*

للكاتب السويدي بير لاكركفيست

تشبَّثت الآنسة الصغيرة المذعورة بذراع السيد يونسون بيد مرتعشة وهي تتابع حركة النور الحاد الذي كان ينوس بين الخضرة والصفرة الكابية، بحيث لم يكن بمقدورها أو بمقدور عشيقها رؤية أي شيء في هذا المكان الفائح بأبخرة حرارية خانقة، لكن عندما شرعا يستوعبان تدريجيًا تفاصيل المشهد الغائمة، اكتشفا أنهما كانا يقفان في ساحة ينتصب في أحد أركانها المعتمة منزلًا ذي مداخل متوهجة ونوافذ محجوبة بالستائر، ومع ذلك لمحا سعير النار المشتعلة في داخله والتي كانت تومض عبر شقوقه وفتحاته.

" هل يحب السيد والسيدة بعضهما بعضًا؟" تساءل الشيطان.

" نعم، نحب بعضنا بعضًا بلا حدود." أجابت السيدة الشابة، وطافت بعينيها الجميلتين نظرة حالمة.

" إذن تفضلا من هنا." قال الشيطان، ملتمسًا منهما أن يتبعاه بكياسة ولطف شديدين.

انزلقت أقدامهما بضع خطوات إلى الأمام، ودلفا إلى داخل زقاق جانبي معتم متفرع من الساحة الرئيسية، وفي نهاية ذلك الزقاق وجدا نفسيهما أمام مدخل قذر ينيره مصباح عتيق ومتصدع.

" تفضلا، هذا هو المكان." قال الشيطان وهو يفتح الباب لهما، قبل أن ينسحب عائدًا إلى الوراء بهدوء. وما إن تحركا بضع خطوات إلى الداخل، حتى وجدا في استقبالهما عفريتة.

كانت هذه العفريتة وقحة ومتملقة وذات أثداء كبيرة متهدلة، وعلى جانبي لحيتها المحيطة بفمها كان ثمة آثار لمسحوق كعك بنفسجي، وعندما شرعت ترحب بهما انبعثت من جوف فمها المفتوح ابتسامة تشبه الفحيح، كما ينبعث هواءً محبوسًا في بالون، ولمعت في عينيها الشبيهتين ببزر الفلفل نظرة متساهلة من التواطؤ الجنسي.

لامست هذه الشيطانة بيدها خصلات شعرها المزينة ذوائبها بشرائط صغيرة من الساتان الأزرق والتي كانت تثبتها بإحكام حول قرنيها النابتين في جبهتها وقالت مرحبة:" أوه، إنهما السيد يونسون والسيدة الصغيرة. حسنًا، إذن سيكون محلكما في الغرفة رقم 8" ثم سلمتهما مفتاحًا كبيرًا. وصعدا السلم المعتم المبقع بالدهون.

كانت درجات السلم عريضة جدًا بحيث يمكنك الانزلاق عليها، وبعد أن ارتقيا سلمين، عثر يونسون على الغرفة رقم 8، ودلف الاثنان إلى الداخل.

كانت الغرفة متوسطة الحجم وعتيقة، وفي منتصفها طاولة مغطاة بقماشة مهلهلة، وسرير عليه ملاءات ناعمة منصوب لصق الجدار. شعر يونسون وخليلته بأن المكان كان مريحًا فخلعا ثيابهما، وشرعا يتبادلان قبلات طويلة.

انسل بهدوء من باب آخر إلى داخل الغرفة رجل يرتدي بذلة نادل، وقميصًا أنيقًا ناصعًا، عَكَسَ على نحو شبحي ضوء الغرفة شبه المعتم، وراح يتحرك تحركًا ميكانيكيًا هنا وهناك، وكأنه غائب عن الوعي، دون أن تصدر خطواته أي صدى على أرضية الغرفة، ووسط ملامحه القاسية، ووجهه المغطى بشحوب قبري، شرعت عيناه الجاحظتان تحدقان بجمود في الفراغ المنفتح أمامهما، في حين كان ثمة ثقب رصاصة أحمر يشخب في صدغه.

رتب هذا الرجل محتويات الغرفة، ومسح مرآة الزينة المنتصبة فوق خزانة الثياب، ووضع إناء التبول وسلة النفايات في مكانيهما المعتادين. لكن السيد يونسون وخليلته لم يعيراه كبير اهتمام، وعندما همَّ بالخروج خاطبه يونسون قائلًا:

" نحتاج إلى شيء من النبيذ هنا، وليكن نصف زجاجة من الماديرا!"

انحنى الرجل وغادر الغرفة. نزع يونسون أزرار كُمَّيْ قميصه، وشعرت الآنسة بشيء من التردد في الانخراط في المشروع الغرامي الذي كان يجري التحضير له الآن.

" لقد جاء النادل ثانية." قالت الفتاة.

فأجابها السيد يونسون قائلًا:"يا للقرف، لا ينبغي للمرء أن يشعر بالحرج في مكان كهذا. اخلعي ثيابك فقط، يا صغيرتي."

شرعت الفتاة تخلع ثيابها، وسحبت بغنج لباسها الداخلي إلى الأسفل، وجلست في حجره. كان المشهد مفعمًا بالجمال.

"تخيَّل،" همست الفتاة في أذنه، "تخيَّل روعة هذه اللحظات التي تجمعنا معًا، أنت وأنا، في هذا المكان، لوحدنا، في هذا المكان الغريب المفعم بالرومانسية. إنه مكان مليء بشاعرية لا تُنسى أبدًا."

" يا فاتنتي الصغيرة!" قال الرجل، وجذبها إليه ليغيبا في قبلة طويلة.

دخل النادل إلى الغرفة مرة أخرى، ووضع الكؤوس بصمت وبنفس الحركات الميكانيكية على الطاولة، ثم شرع يصب النبيذ في الكؤوس. غمر نور المصباح المنصوب على الطاولة وجهه. لم يكن ثمة شيء مميَّز في وجهه، إلا أنه كان شاحبًا شحوب الموتى، وبدا الثقب الأحمر الموجود على صدغه أكثر وضوحًا. وعندما نظرت الفتاة إليه مليًا، قفزت من مكانها مذعورة وصاحت:

" يا إلهي! إنه آرفيد. هل أنتَ آرفيد حقًا؟ هل أنتَ آرفيد حقًا؟ يا رب السماوات، إنه ميت! لقد أطلق النار على نفسه!"

لم يؤثر هذا الصراخ في النادل الذي ظل واقفًا في مكانه بلا حراك، محدقًا في الفراغ، ولم يكن يبدو على وجهه أي تعبير عن الألم؛ كان الوجه مغطى بمسحة عميقة من التجهم والجمود فقط.

" لكن يا عزيزي آرفيد، ماذا فعلتَ بنفسك؟ كيف تجاسرتَ على ارتكاب هذه الفعلة الشنيعة! واهٍ عليك، يا عزيزي. لو كنتُ أشكُّ في أنك كنتَ ستفعل بنفسك هكذا، لما كنتُ خرجت، لكنك لم تكن تكلمني أبدًا. لم تقل لي إنك تحبني، حتى ولو لمرة واحدة! كيف كان يمكن لي أن أعرف ذلك وأنت صامت دومًا ولا تفه بشيء؟ أوه، يا إلهي."

ثم شرعت ترتعد من رأسها حتى أخمص قدميها، ونظر الرجل إليها كما لو أنه كان ينظر إلى امرأة غريبة لم يشاهدها من قبل في حياته. كانت نظراته الجليدية الغائمة قادرة على اختراق كل شيء، ثم طفى على وجهه المصبوغ بشحوب أصفر قلقٌ مفاجئ، لكن الدم لم ينزَّ من الثقب الموجود في الصدغ؛ لقد كان مجرد ثقب!

" هذا رهيب، رهيب!" صرخت الفتاة. "لا أريد البقاء هنا! يجب أن نغادر فورًا. لا أستطيع تحمل المزيد!"

والتقطت فستانها ومعطف فرائها وقبعتها، وهرعت على عجل إلى خارج الغرفة، يتبعها يونسون. هبطا السلم، ثم جلست، وتلوَّث ذيل ردائها ببقع الزيت ورماد السجائر. وفي أسفل السلم وجدا نفس الشيطانة العجوز تقف هناك، وحالما رأتهما، انفرجت لحيتها الكثة عن ابتسامة حانية متفهمة، وحيَّتهما بحركة من قرنيها.

وبعد أن هبطا إلى الشارع، شعرا بشيء من الهدوء. وارتدت الفتاة ثيابها، وعالجت وجهها بشيء من البودرة. أحاط يونسون خصرها بذراعه، وجفف دموعها الموشكة على السقوط بالقبل، وقد كان بارعًا جدًا في ذلك.

تحركا باتجاه الساحة. كان الشيطان الأكبر يتجول هناك، وقادتهما خطاهما إليه مرة أخرى.

" هل انتهيتما بهذه السرعة؟ قال زعيم الشياطين. "، على كل حال، آمل أن يكون السيد والسيدة قد استمتعا بوقت طيب."

" لا، بل رهيبٌ ومقرف." قالت الفتاة.

" كلا، لا تقولي ذلك. لا يمكن أن يكون الوضع هكذا. لا بد أن تكون السيدة قد شاهدت مثل هذا الأمر من قبل في العالم العلوي. إنه مختلف بعض الشيء. لكن هنا في الجحيم لا يمكن للمرء أن يتذمر من أي شيء. نحن نقدم كل ما لدينا لكي لا يلاحظ المرء أن ثمة شيء ليس على ما يرام، ولكي يعتقد بأن الوجود في هذا المكان في غاية البهجة."

" نعم،" قال السيد يونسون. "يبدو أن المكان أفضل مما كان يتصوره المرء. إنه أكثر إنسانية مما كنت أتخيل، على الأقل، أليس كذلك؟"

" نعم، نعم،" قال الشيطان. "لقد تم تجديد المكان، وأعيد تصميمه بالكامل، طبعًا."

" بالتأكيد، يجب أن يتماشى بالطبع مع آخر صرعة."

" نعم، لأن المرء لا يجد في هذه الأيام غير الأرواح المعذبة."

" أشكر الرب على ذلك." قالت الفتاة.

وقادهما الشيطان بلطف إلى المصعد وقال:" أتمنى لكما أمسية سعيدة." وقبّل الأرض بين يديهما.

"أهلًا وسهلًا بكما في المرة القادمة."

ثم أغلق باب المصعد عليهما، وشرع المصعد بالصعود.

" حمدًا لله على نهاية هذه التجربة." قال كلاهما، وعانق أحدهما الآخر وهما جالسين على أريكة المصعد.

" لولا وجودك معي، لما تمكنت من تجاوز هذه المحنة." همست له.

سحبها إليه، وأطبق على شفتيها بقبلة طويلة.

" كيف، بربك،" قالت وهي تسترد أنفاسها التي ذابت في حرارة العناق. " كيف سمح لنفسه بارتكاب فعلته الشنيعة تلك! لكن هذا هو ديدنه على الدوام. لقد كان رأسه دومًا مأوى للأفكار الغريبة والشاذة. لم يكن يأخذ الحياة ببساطة وعفوية أبدًا، ويحمل الأمور فوق ما تحتمل، وكأن كل شيء كان بالنسبة له مسألة حياة أو موت."

" إنها مهزلة." قال يونسون.

" كان بوسعه أن يخبرني، ولو كان قد فعل، لما كنتُ غادرت المنزل، ولما حدث ما حدث، ولكُنا خرجنا معًا في مساء آخر."

" صحيح ما تقولين،" قال يونسون. "كان بإمكاننا الخروج في مساء آخر."

" لكن يا حبيبي، لماذا نجلس هنا ونواصل التفكير في هذا الأمر؟" همست إليه وطوقت عنقه بذراعيها. "لقد انتهى الأمر الآن."

"نعم، يا صغيرتي، لقد انتهى الأمر."

شَبَكَ ذراعيه حول خصرها، وتابع المصعد رحلته نحو الأعلى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • * عن السويدية وروجعت الترجمة على نص الترجمة الانجليزية

  • * من مجموعة (حكايات شريرة)

مشاركة:

آخر تحديث: ١٣ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٥٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

رِحْلَةُ الأَنَا*

للشاعرة الكندية شَاه جِهَان أَشْرَفي
ترجمة

رِحْلَةُ الأَنَا* للشاعرة الكندية شَاه جِهَان أَشْرَفي

عَرْضٌ مُنْدَفِعٌ نَحْوَ الجَحِيم. مَشْهَدٌ فَاخِرٌ، اسْتِعْرَاضٌ طَائِشٌ. فُنْدُقٌ فَاخِرٌ، بِتَمَايُلِ خَمْسِ نُجُومٍ. كَفَنٌ مَنْسُوجٌ بِاليَدِ، مَعْرُوضٌ بِفَخْرٍ. الأَنَا المُنْتَفِخَةُ يَصْعُبُ إِخْفَاؤُهَا. مُجَمَّعٌ تِجَارِيٌّ، فَاتُورَةٌ مُهْدَرَةٌ. العَالَمُ يَجُوعُ، خُذْ حَبَّةَ هُدُوءٍ.…

· 1 د
اِمرأةٌ

للشاعرة الايرانية سميه بحر كاظمى
ترجمة

اِمرأةٌ للشاعرة الايرانية سميه بحر كاظمى

اِمرأةٌ أيُّ شيءٍ تزيّنُ في ملامحها؟! أَتُجمّلُ طرفَ العينِ ذاك الفاصلَ بين الرؤيةِ والغياب؟! أَتُراها تزيّنُ شفاهها أم وجنتها المسوّدةَ بأثرِ واحدةٍ من أهولِ مخاوفها؟! الجمالُ هو أمُّ النساء! هو أمُّ الأزهارِ والسنابلِ والثُّمّارِ البريّةِ التي تتكلّمُ اللهجةَ الجيلكيّة! وما أجملَها امرأةً تحدّقُ…

· 1 د
قاعِ الجُبِّ

للشاعرة الايرانية شهين نزاد
ترجمة

قاعِ الجُبِّ للشاعرة الايرانية شهين نزاد

كُنتُ قمِيصكَ فَنَزَعتَنِي خَلَعتَ حُبِّي كَما تُخلَعُ الثِّياب ​أَمامَ المِرآة. لَم أَعرِف وَجهِي أَخرَجتَ مِنِّي امرَأَةً أُخرَى لا تُشبِهُنِي. ​بَعدَكَ... أُحارِبُ حُزنَكَ بِبَسالَة وَفِي قَلبِ هَذِه المَرأَة الشَّاعرة جُندِي لا يَعرِف التَّراجع ​كُنتُ سَمَكة طلِيقَة فِي دُمُوعِي حِينَ…

· 1 د