طالما تساءلتُ عما تبيعه حقاً حين تبيع روحك. لا أعني العواقب المحتملة لتلك الصفقة بعد خصم الأرباح (كإلغاء مقعدك في الجنة، أو أهوال الجحيم، أو ما هو أكثر حضوراً في واقعنا اليومي، ثقباً أسود يتوسط كيانك، مسلوباً القدرة على استمداد البهجة من أي شيء)، بل أعني سرّ تلك القيمة العميقة لما نسميه الروح.
حتى مع كل هذه الآثار الجسيمة لفقدانها، تؤكد الحكايات قاطبة أننا نتحدث عن شيء لا تنتهي قيمته أبداً،شيء كُتب له أن يعمر أطول بكثير من سائر كياننا، بما في ذلك "ذاتنا" نفسها. وهو في ظني، حصيلة لكل تلك الأشياء التي ينبغي أن تغمرك طمأنينة وأنت تستعيدها بعد مماتك، مع وعيك التام بأنك لم تعد هنا لتلتفت إلى الوراء.
من هنا، يحسن بك أن تتدرب منذ هذه اللحظة، وبقدر الإمكان، على هذا التجرد،فالمكافأة ينبغي أن تكون آخر ما يطوف ببالك.
وحين أغلق عينَيّ متخيلاً روحي، تفاجئني يدي اليمنى بحركة تلقائية، كأنها للتو التقطت حشرة طائرة من الهواء. بيد أنها ليست ذبابة ولا بعوضة حبيسة في الجوار، بل هي أرحب من ذلك بكثير،هي الكل وهي العدم. إنها الجانب الداخلي الخالص للأشياء والأحداث جمعاء، الوجه الذي تمسنا من خلاله .
وهأنذا، انظر، قد التئمتُ في هيئة قبضة. قُل مرحباً لهذه القبضة،
وإن وُجدت لحظة نُحاسب فيها على طريقة حياتنا ، وتلك في تقديري لحظة متجددة مع كل طرفة عين ، فإن المعيار يكمن في مدى وكيفية إفساحنا المجال للحياة لتسري بحرية خلال الأيام التي مُنحت لنا. وكلما قلّت عرقلتنا لمسارها بعناد رؤوسنا، ازداد طيف الروح نقاءً وعافية. إنه باب يُشرَع ويُغلق باستمرار في اتجاهين متعاكسين: فكيفما نختبر الحياة، فبذات الطريقة تُورث وتُمرر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب ومترجم هولندي وُلِد في أمستردام عام 1949، ويُعد من أبرز كتاب المقال والرواية في الأدب المعاصر، ومن أشهر إصداراته مجموعتا المقالات الفلسفية (جيتار الهواء)و (الإفراط)ورواية (أيام الرحيل).
إذا بِعتَ روحك للكاتب الهولندي رول بينتس فان دن بيرخ*

آخر تحديث: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٦ م






التعليقات