انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

فاضل العزاوي.. شاعر المغامرة

محمد علي محيي الدين
محمد علي محيي الدين

كاتب وباحث عراقي

5 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
فاضل العزاوي.. شاعر المغامرة
مشاركة:

فاضل العزاوي، الشاعر والكاتب والروائي والمترجم العراقي، من مواليد سنة 1940، وأحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بتجربة جماعة كركوك التي تركت أثراً واضحاً في مسار الأدب العراقي الحديث. كان من أكثر أبناء جيله نشاطاً وحضوراً، ولم يحصر نفسه في جنس أدبي واحد، بل تنقل بين الشعر والرواية والنثر والترجمة والصحافة، وكأنه كان يرى الأدب فضاءً مفتوحاً لا تعترف حدوده بالتقسيمات الجامدة.

نشأ العزاوي في البيئة الثقافية لكركوك، المدينة التي كانت في ستينيات القرن العشرين مختبراً حقيقياً لتجارب أدبية وفنية مختلفة، حيث اجتمعت فيها أسماء شابة تبحث عن لغة جديدة وتتحرر من القوالب السائدة. ومن بين تلك الأسماء برز فاضل العزاوي إلى جانب جليل القيسي، وسركون بولص، وجان دمو، ومؤيد الراوي، وصلاح فائق، وغيرهم ممن ارتبطوا بما عرف لاحقاً بـ«جماعة كركوك». ولم تكن الجماعة مؤسسة لها نظام أو هيكل تنظيمي، وإنما كانت رابطة روحية وثقافية نشأت من الصداقة والمدينة والرغبة المشتركة في تجديد الأدب العراقي والانفتاح على التجارب العالمية.

وتكشف مسيرة العزاوي المبكرة عن شغف استثنائي بالكتابة؛ فقد بدأ النشر في سن مبكرة جداً، وصدر له في كركوك سنة 1956 ديوان شعري بعنوان «أساطير خالدة»، وهو عمل مبكر يدل على أن علاقته بالشعر لم تكن عابرة، وإنما بدأت منذ سنوات الشباب الأولى. ثم اتسعت تجربته واتخذت مسارات أكثر جرأة، فظهرت روايته «مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة» سنة 1969، تلتها رواية «القلعة الخامسة» سنة 1972، ليؤكد بذلك أنه لا يريد أن يبقى أسير القصيدة، بل كان يبحث عن إمكانات أخرى للسرد والتخييل.

درس العزاوي في كلية التربية بجامعة بغداد، وتخرج فيها سنة 1966 متخصصاً في اللغة الإنكليزية، وهو تخصص أسهم على الأرجح في توسيع علاقته بالأدب العالمي، ولا سيما أن جيله كان شديد الاهتمام بالترجمة والآداب الأجنبية، وكان يرى في الانفتاح على الثقافات الأخرى وسيلة لتطوير الأدب العراقي والخروج به من دائرة التقليد. ولم يكن غريباً، بعد ذلك، أن يجمع بين الكتابة والترجمة، وأن تظل صلته بالأدب العالمي حاضرة في مشروعه الثقافي.

وإلى جانب الأدب، مارس العزاوي الصحافة، وعمل في عدد من المؤسسات الصحفية، وكان سكرتيراً للتحرير في مجلة «ألف باء» البغدادية، وهي واحدة من الصحف والمجلات التي كان لها حضور في الحياة الثقافية العراقية. كما كان من مؤسسي اتحاد الأدباء والكتاب في العراق سنة 1969، وهو ما يعكس حضوره المبكر في الوسط الأدبي العراقي، ليس بوصفه كاتباً فحسب، وإنما بوصفه أحد المشاركين في بناء الحياة الثقافية وتنظيمها.

وقد وثق الأستاذ حميد المطبعي جانباً من سيرته في «موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين»، الجزء الثاني، الصادرة في بغداد سنة 1996، مشيراً إلى دراسته وعمله الصحفي وإسهاماته الأدبية. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها تأتي في سياق توثيقي لأعلام الثقافة العراقية في القرن العشرين، وتضع تجربة العزاوي ضمن جيل كان له دور بارز في إعادة تشكيل المشهد الأدبي.

وفي شعره، كما في رواياته، كان العزاوي ميالاً إلى المغامرة والبحث عن أشكال جديدة للتعبير. ومن أعماله الشعرية «الأسفار» الصادر سنة 1976 و«الشجرة الشرقية» الصادر في العام نفسه، وهما عنوانان يكشفان، حتى من خلال دلالتهما الرمزية، عن شاعر مشغول بالرحلة والتحول والجذور والبحث عن معنى آخر للعالم. فالأسفار ليست انتقالاً في المكان وحده، والشجرة ليست مجرد صورة للطبيعة، وإنما يمكن أن تتحولا إلى رمزين للإنسان الذي يبحث عن هويته بين الجذور والمنفى، وبين المكان الأول والعالم الواسع.

وكانت تجربة العزاوي جزءاً من التحول الذي شهدته الكتابة العراقية في تلك المرحلة، حين لم يعد الشاعر يكتفي بالقصيدة التقليدية، بل بدأ ينفتح على السرد والأسطورة والرمز والتجريب، مستفيداً من التحولات التي كانت تعيشها الآداب العالمية. ومن هنا جاءت أعماله حاملة نزعة واضحة إلى تجاوز المألوف، وهي نزعة يمكن فهمها أيضاً في ضوء المناخ الذي نشأت فيه جماعة كركوك، حيث كان التمرد على القوالب الجاهزة أحد أبرز سمات ذلك الجيل.

ومثل كثير من أبناء تلك الجماعة، حمل فاضل العزاوي تجربته إلى خارج العراق. فقد هاجر إلى ألمانيا وأقام فيها، وظل على صلة بالصحافة والمجلات العربية، مواصلاً الكتابة من فضاء جغرافي مختلف. ولم يكن الانتقال إلى المنفى مجرد تغير في مكان الإقامة، بل أصبح جزءاً من تجربة جيل كامل من المثقفين العراقيين الذين وجدوا أنفسهم أمام أسئلة جديدة تتصل بالوطن والهوية والذاكرة واللغة. وفي حالة العزاوي، ظل الأدب وسيلته الأساسية لمواصلة الحوار مع العراق ومع العالم في آن واحد.

وقد أشار الدكتور إبراهيم خليل العلاف إلى فاضل العزاوي ضمن سياق حديثه عن تجربة جماعة كركوك في مقاله «رحيل الشاعر الأستاذ مؤيد الراوي 1939–2015» المنشور في «الحوار المتمدن» في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2015، مستنداً إلى ما أورده حميد المطبعي وإلى ما عرف عن أبناء تلك الجماعة من نشاط وتجديد. وتبقى قيمة فاضل العزاوي في أنه لم يكن مجرد شاعر من جيل كركوك، بل كان واحداً من الذين حاولوا تحويل التجديد إلى مشروع أدبي متكامل، يلتقي فيه الشعر بالرواية والترجمة والصحافة، وتتجاور فيه الذاكرة العراقية مع أسئلة العالم.

وهكذا يظل فاضل العزاوي واحداً من الأسماء التي يصعب اختزال تجربتها في كتاب أو جنس أدبي واحد؛ فقد كان شاعراً وروائياً ومترجماً وصحفياً، ومثقفاً حمل معه روح كركوك إلى بغداد ثم إلى أوروبا، وظل وفياً لفكرة الأدب بوصفه مغامرة مستمرة في اللغة والخيال والمعنى. وربما كان هذا هو سر حضوره بين أبناء جيله: أنه لم يبحث عن طريق آمن في الكتابة، بل اختار دائماً الطريق الذي يقوده إلى منطقة جديدة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

عادل دنو.. راهب القصة القصيرة

قراءة في مجموعته القصصية (صفحات مطاردة) *
قراءات

عادل دنو.. راهب القصة القصيرة قراءة في مجموعته القصصية (صفحات مطاردة) *

الراهب كمفهوم وبحسب ويكيبيديا: (الراهب: جمع رهبان... من اعتزل الناس للتعبد، وراهب مشتق من الرهبة أو الجزع)، ولعمري أن هذا التوصيف يطابق تماماً ما يتسم به القاص عادل دّنو حياتياً وابداعياً...، فهو تنسم وتشرب بالرهبنة بكل ارهاصاتها وتجلياتها في قابل حياته ولسنوات معدودة تشبع فيها من هذه المفردة روحاً…

· 10 د
بغداد في سيرة الشاعر صلاح بوسريف:

من عتمة المغترب القاسي إلى ولادة الوعي والانتصار
قراءات

بغداد في سيرة الشاعر صلاح بوسريف: من عتمة المغترب القاسي إلى ولادة الوعي والانتصار

صدرت منذ فترة قصيرة سيرة الشاعر المغربي المتميز صلاح بوسريف في كتاب بعنوان (بيتُ الكينونة: سرد ـ سير ـ ذاتي) بجزأين عن دار فضاءات الأردنية، وهي سيرة كبيرة بمحتواها وبشخوصها ومواضيعها المتنوعة التي تدور في فلك شاب في مقتبل العمر يبحث لنفسه عن مكان في هذا العالم ومعنى لوجوده. وإذ أعلم إن العديد من…

· 9 د
الشاعرة العبرية من أصل عراقي نوعا شكرجي... المسافة والحب والكتابة في زمن رقمي
قراءات

الشاعرة العبرية من أصل عراقي نوعا شكرجي... المسافة والحب والكتابة في زمن رقمي

ولدت نوعا شكرجي في القدس عام 1989، وهي شاعرة ومحررة وباحثة في الأدب والثقافة الرقمية. تنحدر عائلتها من يهود بغداد، وهي من نسل الحاخام والعالم البغدادي عبد الله سوميخ. درست الأدب العبري، ثم الاتصال والصحافة في الجامعة العبرية، وأكملت الدكتوراه ببحث تناول تحولات الأدب في عصر وسائل الإعلام. صدر…

· 5 د