( 1 )
أصبح في حُكم الاعتياد ضمن تداولاتنا الأدبية أن تكون مراجعة أو استعادة الأعمال الأدبية للمبدعين المعاصرين بعد رحيلهم الأبدي أكثر من أن تكون وهم أحياء . ومثل هذا الاعتياد له أسبابه السياسية والاجتماعية والنفسية والتي يطول شرحها وتوضيحها في هكذا وقفة . ومايشفع لهذا الاعتياد مصداقيته حينما يكون في عداد الرثاء الابداعي كما هي العادة في المراثي التي تُكتب بعد رحيل المبدع أو الشخصية اللامعة في مجالات أخرى . وهنا أيضا ً لايصح التعميم والإطلاق ، إذ أن َّ الكثير من الدراسات والنقود تُكتب بعد غياب أو رحيل المبدعين تقديرا ً وتقييما ً لتجاربهم الابداعية .
إن َّ استذكار كتاب ( رياح حجرية ) للشاعر الكبير " محمد علي شمس الدين " الذي رحل َ عن عالمنا قبل فترة ، لا يخلو من ( حُكم الاعتياد) الذي أشرت ُ إليه في الإستهلال ولا أُبعدُه ُ عن حالة الرثاء الابداعي ، مع التأكيد على أهمية الكتاب ضمن تجربة الشاعر في الكتابة الموازية للنص الشعري .
( 2 )
كتاب ( رياح حجرية ) لا يحمل توصيفاً أو تجنيسا ً ابداعيا ً خاصا ً به ، إلا أن َّ الإهداء يكشف عن طبيعته الموصوفة بالمزاج : إلى " ميم " أقدّم هذا المزاج . وبهذا التوصيف أراد الشاعر أن يبتعد محترزا ً عن المنهجية النقدية وأن يكتفي بحسّه ِ المزاجي الذوقي والتذوقي ، وإن َّ كلمة الناشر هي الأخرى تؤكد هذا الاحتراز : محمد علي شمس الدين في كتابه ( رياح حجرية ) لا يتقدّم ناقدا ً مدرسياً لأنه لايريد ذلك . فهو ينتمي هنا إلى " المزاج " أكثر من انتمائه إلى " المنهج " . لكنّه يتقدم شاعرا ً مؤكّد َ الحضور في حركة الشعر العربي الحديث . ويقدّم نصاً عارياً حراً وحقيقياً .. كوردة تخلق حديثاً .. فيهبك إحساساً بالنضرة والخصب ، ويولّد في حواسّك ما يشبه الحماس الديني .. " صرخة تواصل مع الله من خلال الحواس " .. هكذا يقدّم شمس الدين شعراءه في هذا الكتاب ، ويتقدّم معهم .

( 3 )
أصدرَ الشاعر كتابه هذا بعد أن أصدرَ أربع مجاميع شعرية : قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا 1975 ، غيم لأحلام الملك المخلوع 1977 ، أناديك ياملكي وحبيبي 1979 ، الشوكة البنفسجية 1981 . وهكذا يجيء الكتاب بعد أن ترسّخت تجربته الشعرية في مشهد الشعر العربي الحديث واستطالت مجساته الحسيّة في ملامسة جذور الشعرية فنيّا ً وجمالياً ( تستيقظ في نفسي ، في هذه الأيام ، رغبات شديدة نحو التعامل الحسّي المباشر مع أشياء هذا العالم وعناصره وأشخاصه ، ويبدو لي وكأنني أُعيد اكتشاف الحواس أو أستعيدها . أستعيدها من الأماكن والأزمنة والمعاني التي غربت فيها ، أو انطفأت أو طُمرت تحتها . وأعيد اكتشافها واكتشاف الأشياء أيضاً من حولي ) .
( 4 )
ضم َّ الكتاب : مقالات استعادية / تذوقية ، بيان في القصيدة المطلقة ، تنويعات على جنون قيس ، استعادة الحواس ، فصل من النسيان ، أحلام " علي بن محمد " الحجرية ، جاذبية اللغة ، كيمياء الصورة في طريقها إلى الرمز ، البحث عن الجوهري ، رياح الأسئلة ، أوقات الفعل الشعري ، الشاعر الكائن الملعون الكائن المقدَّس ، حرية النص ، استعادة الدم الأندلسي ، ناظم حكمت خطر الوعي السياسي الساطع ، الخروج من الكابوس المكيَّف ، اعادة بدء الكتابة ،هندسة الحالات البشرية .
( 5 )
مقالات الكتاب بلغتها الرشيقة وصياغاتها الشعرية استعادت شعراء عرب وغير عرب من خلال شطرات شعرية من كل الأشكال الشعرية ، وبما ينسجم مع حسيّة الشاعر وتذوقة ، مقالات لا تخلو- إلى حد ٍ ما - من الرصد النقدي السريع ، والتنظيرالفني المزاجي الخاص الذي لا يعتمد أيَّ مصدرأو مرجع . مقالات معظمها خاطف ، موجز، مُكثّف ، ايحائي الدلالة ، والبعض منها يعتمد الاستطراد غير الممل . من هنا يكون احتراز الشاعر بوصف كتابه بالمزاج يمتلك يقينيّته ُ التوضيحيّة .
( 6 )
من إشارات الشاعر التي تستهوي الانصات ، ما جاءت به مقالتاه عن أوقات الفعل الشعري ، وبيان القصيدة المطلقة . ففي المقالة الأولى يحدد بأن َّ للفعل الشعري ثلاثة أوقات : الوقت الأول ، هو وقت التكوين ، وهوالذي يجعل الشعر ابن عصره ، وربيب الواقع ، ونبتة البذرة الاجتماعية . ويتأثر بمجمل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والسيكولوجية التي تشكّل الشرط الحياتي للشاعر . والوقت الثاني ، هو وقت التذكّر ، ويكون الشاعر فيه ابن تراثه . فتراث الشاعر هو ذاكرته ، وبمقدار ما يكون الشاعر متجذرا ً في تراثه ، يكون أفقه الخلفي الكاشف متّسعا ً ومؤصّلاً . أما الوقت الثالث ، فهو وقت الحلم ، وهو الذي يدفع الشعر إلى الآتي . يدفع به إلى المغامرة . فالشعراكتشاف وسبق ، وأسئلة واقتراح أسئلة .
وفي بيان القصيدة المطلقة ، يحدد الشاعر بأنَّ القصيدة المطلقة تجربة شعرية تأخذ شكلها تلقائياً ، والشكل هنا محصلة تاريخية / اجتماعية / فنية . كما أن َّ لحظة الكتابة ليست لحظة زمنية ، بل لحظة نفسية ، ولحظة اختيار التجربة لشكلها تمنح الشاعر كافة الاحتمالات الممكنة . وإن َّ التجربة هي الحرية بالذات ، وشرطها الأساس أنها بلا شروط مسبقة ، وهي التي تعصمه من مأزق الاستلحاق بسلفية قديمة أو جديدة .. ومن مأزق التناقض . وإن َّ افتراض انفصال الشكل عن المضمون وأسبقية تطوّر المضمون على الشكل كما يقول بعض المنظّرين تسقط تلقائياً لتترك مجالاً للتجربة الشعرية الكليّة المتكاملة والمطلقة .
إن َّ إشارات الشاعر هذه ، رغم أهميتها ، إلا أنها واردة في الكثير من التنظيرات والبيانات الشعرية . وما تأكيده عليها إلا دليل تفاعل مع التحولات الشعرية العربية والعالمية .
إن َّ كتاب الشاعر / محمد علي شمس الدين / حتى وإن حمل عنوان ( رياح حجرية ) ..، لكنها رياح تفتح الشبابيك لأكثر من نسيم طري ، فما أجمل َ المزاج ! ...







التعليقات