انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي

د.مراد ترغيني
د.مراد ترغيني

ناقد وأديب جزائري

13 دقائق للقراءة
17 مشاهدة
رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي
مشاركة:

تُمثّل رواية التكوين والبلوغ (Bildungsroman) أحد أرفع الأشكال الروائية التي انشغلت برصد التحولات النفسية والمعرفية للإنسان؛ إذ تُعنى بتتبع مسار الشخصية المحورية من طور العفوية الساذجة والامتثال الفطري، مروراً بسلسلة من الصدمات والامتحانات الوجودية، وصولاً إلى بناء الوعي بالذات والعالم. في رواية "باب الدروازة" للكاتب والناقد العراقي علي لفته سعيد، يتخذ هذا المسار التكويني طابعاً إشكالياً مركباً؛ فالنص لا يرصد مجرد نمو بيولوجي معزول لفتى مراهق، بل يُقدّم تشريحاً دقيقاً لـ "صدمة التحديث" التي تعصف بفتى قروي يتيم يُدعى (خلّاوي)، يُنتزع فجأة من سكون الهامش الريفي في أقصى الجنوب العراقي (سوق الشيوخ) ليُقذف في خضم الحراك المديني الصاخب لبغداد أواخر السبعينيات.

تنتظم هذه الدراسة عبر منهج السرديات التكوينية والمعرفية؛ بوصفه المنهج القادر على مقاربة آليات تشكّل الوعي الفردي وانعكاسه على بنية الخطاب السردي والمنظومات الإدراكية للشخصيات. وتتوسل القراءة بـ مقاربة رواية التكوين وصدمة البلوغ كمسلك إجرائي يتتبع محطات "التربية المعرفية، والجمالية، واللغوية، والعاطفية" للبطل، مستندةً إلى المنظور النظري لرواية التنشئة كما صاغ أصولها الفلسفية "ميخائيل باختين" (Mikhail Bakhtin) في تصوره لتحول الشخصية المتزامنة مع تحولات عالمها، و"فرانكو موريتي" (Franco Moretti) في تحليله لجدلية الشباب والحداثة في الرواية الأوروبية، بالتضافر مع طروحات "جورج لوكاش" حول اغتراب البطل الإشكالي؛ لإضاءة المسار الدرامي الذي قاد "خلّاوي" من عتبة الدهشة والوجل إلى فضاء التدوين والمسؤولية الإنسانية.

1. عتبة العبور الجغرافي: صدمة التحديث وارتباك البراءة الريفية

تبدأ رحلة التكوين في الرواية بفعل "العبور الجغرافي" الصادم؛ حيث ينتقل الفتى القروي، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، من هدوء بساتين سوق الشيوخ ومياه الفرات الساكنة إلى كراج النهضة في العاصمة بغداد خلال ظهيرة قائظة من شهر تموز عام 1978. لا يحضر هذا الانتقال في النص كرحلة سياحية، بل كزلزال حسي يُربك المنظومة الإدراكية للفتى، ويضعه وجهاً لوجه أمام اتساع المدينة وضجيجها واكتظاظها بالغرباء.

يصف النص لحظة اصطدام الفتى بالمدينة وعتبات ارتباكه الأولى: "كان ذلك في صيف عام 1978، حين وطأت قدماه أرض العاصمة بغداد.. كان وقتها فرحاً، سعيداً، عامراً بالبهجة، كأنه تخلّص من التصاق تجمعات الحزن في قلبه وعلى جسده.. كانت الساعة حين وصل تجاوزت الحادية عشرة قبل الظهر من صباحات تموز، يتذكّر العرق الذي كان يتصبّب من صدغيه وأسفل شعره عند رقبته وتحت نحره وإبطيه.. يرى حركة مزدحمة دائمة، كأن الأرض تجمعت في كراج النهضة.. في البدء ارتجف للحظة، وربما ضاقت الصور في عينيه وداهمته ارتعاشات من فهاوة الغربة التي شعر بها مباشرة واستغاث بالمعلومات التي شرحها له أخوه سليم.. لكن العناوين تاهت منه وهو يرى كل هذه الغرابة عن بغداد.. لم يكن حينها قد أكمل عامه السادس عشر" (ص 19-20).

رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد 
مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي

يكشف التحليل السردي لهذا الاستهلال عن ملامح "البراءة الأولى" التي تصطدم بالتعقيد الحضري؛ فالجسد الذي يتصبب عرقاً، والارتجاف، وتلاشي العناوين المحفوظة، كلها أدلة حسية على ما يسميه باختين بـ "أزمة البدايات" في رواية التكوين. إن الفتى يحمل في ذاكرته تصوراً مثالياً خرافياً عن بغداد بوصفها امرأة تمشط شعرها على ضفاف دجلة، غير أن الواقع العياني يستقبله بزحام خانق وعربات متدافعة تفوق قدرته على الاستيعاب، مما يُحدث شرخاً مبكراً بين المتخيل الفردي والواقع المادي للمدينة.

وتصل هذه الصدمة البصرية ذروتها في مواجهة وسائل الحداثة الميكانيكية التي تكاد تفتك بجسده الغض: "يتذكّر هذه اللحظة التي كادت تدهسه فيها سيارة مسرعة أثناء عبوره شارع النواب إلى الفرع المجاور لفرن الصمون، كان قد فتح فمه وهو يرى سيارة ذات طابقين حمراء اللون.. كاد الأمر يتحول إلى مأساة لولا براعة سائق سيارة الأجرة الذي ترجل من السيارة عصبياً بطريقة جنونية، وكأنه يريد نهش خلّاوي الذي لم يحرّك ساكناً وظلّ واقفاً متجمّداً.. كان مندهشاً بهذه السيارة الكبيرة كأنها تريد التحليق في السماء.. كان في لحظتها يفكر كيف تم صناعة هذه السيارة الكبيرة، وأي عقل فكّر بها وبطولها وارتفاعها.. ضحك أخوه سليم الذي كان منهمكاً في التحضير لأطروحة الدكتوراه" (ص 22).

تُمثّل "السيارة الحمراء ذات الطابقين" (أمانة العاصمة) في هذا المشهد علامة أيقونية على الفجوة التقنية والحضارية الهائلة بين الريف والمركز؛ فالفتى يتجمد في مكانه كأنما شُلّت حواسه أمام كائن أسطوري طائر، متسائلاً بذهول عن العقل البشري الذي استطاع ابتداع هذا الحجم. إن تحول الدهشة إلى خطر دهس فعلي يُجسد سيميائياً المخاطر الوجودية التي تتربص بالقروي العابر نحو التمدن؛ فالمدينة لا تتسامح مع الغفلة، والبقاء فيها يتطلب شحذ الحواس وتطوير آليات دفاعية جديدة، وهو ما يدفع البطل إلى مغادرة طور السكون والانخراط الإجباري في مدارات التعلم السريع.

2. التكوين اللغوي والاجتماعي: صراع اللهجات وسؤال الاعتراف الرمزي

لا يكتمل نضج البطل في رواية التكوين دون اختبار "المؤسسة اللغوية" للمجتمع الجديد؛ فاللغة هي أداة الاندماج الاجتماعي والاعتراف الطبقي. في فضاء الكاظمية، وتحديداً في "الخان" ومحل بيع الثلج بـ "باب القبلة"، يكتشف خلّاوي أن لسانه الجنوبي ليس مجرد وسيلة تواصل، بل هو "وسم طبقي" يثير السخرية والتندر من قِبل البغداديين وسكان المركز.

يرصد النص هذا التمايز اللغوي بوصفه عائقاً يومياً يواجه محاولات الفتى للاندماج: "تعلم خلّاوي الكثير في الكاظمية، حتى دخل في تفاصيل اللغة المحكية في باب الدروازة، ولهجات أهل بغداد المتعدّدة، التي تقدّم قاموساً فيلولوجياً مناطقياً فيه من (الرهاوة) في اللفظ أكثر من الشدّ الجنوبي للكلمة.. كان زوج خالته يسمع ولا يرد وهو يدرك أن زوج خالته كثير التندّر بلهجته ومخارج الكلمات.. حتى أنه قال لأخيه أن لا فرق سوى بهذه الحركات.. البغداديون يقولون (أكِل) ونحن نقول (إكِل)، هم يقولون (لعد) ونحن نقول (چا) وأهل الغربية يقولون (عجل يابه) ولا يمكن أن تكون محل ضغينة أو استهزاء. قال له أخوه: اسمع ولا ترد حتى يتعوّد لسانك. لكن خلّاوي أدرك أن هذا يعني الفوارق الاجتماعية والثقافية التي يعتقد البعض بإمكانية استغلالها لصالحه" (ص 14، 27).

يُفكك هذا المقطع حساسية الفتى النامية تجاه التراتبيات الاجتماعية الكامنة خلف الاستعمال اللغوي؛ فـ "الشد الجنوبي" في اللفظ يُحيل في المتخيل الجمعي للمدينة إلى الهجرة، والفقر، والأصول الفلاحية، بينما تُشير "الرهاوة البغدادية" إلى التحضر والرسوخ المديني. إن نصيحة الشقيق الأكبر (سليم) بـ "الصمت حتى يتعود اللسان" تُمثّل دعوة إلى الترويض والامتثال القسري لثقافة المركز، غير أن خلّاوي يُبدي وعياً نقدياً مبكراً حين يرفض اعتبار هذا التباين عيباً ذاتياً، مدركاً أن اللهجة تُوظّف كأداة للهيمنة وإشعار القادمين من الجنوب بالدونية.

ويتصاعد هذا الصراع اللغوي والاجتماعي حين يحاول زوج الخال (العم سعيد) فرضه على سلوك الفتى داخل فضاء العمل: "وكان زوج خالته يطلب منه دوماً وبعصبية وبطريقة الصراخ إذا ما قال لزبون (خادم بعيوني) رافضاً جملة خادم أصلاً، ويطالبه بمسحها من قاموس لهجته وكلماته، فالجميع هنا يحقّ لهم الحياة والمساواة ولا خادم بين أحد وأحد.. كان كلامه يعجبه لكن الطريقة التي يتحدّث بها تزعجه.. كان يوصيه بما يشبه المحاضرة أن يتعلّم قول (لعد) وينسى كلمة (جا)، وأن يضع حرف الدال في أول كل كلمة (ذاروح.. داغنّي.. دأصلّي).. كتم في حينها ضحكة وهو يردّد الكلمات مع نفسه لو خرجت من بين أسنانه لشهد عملية طرده من المحل كل أهل باب القبلة" (ص 27-28).

رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد 
مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي

يكشف هذا الحوار عن تصادم رؤيتين في تشكيل وعي الفتى: رؤية العم سعيد التي تحمل نزعة طبقية متمردة تنبذ ثقافة الاستكانة والخضوع المتوارثة في الريف ("خادم بعيوني")، ورغبة خلّاوي في الحفاظ على أصالته الفطرية مع مجاراة لغة المدينة لتفادي الإقصاء. إن التدريب اليومي على نطق الأفعال بالصيغة البغدادية (إضافة حرف الدال) يتحول إلى تمرين لساني يُرافق نضج الشخصية؛ حيث يتعلم الفتى أن امتلاك لغة الآخر هو الخطوة الأولى لفك ارتهانه له، وأن الكلمات أسلحة تُستخدم للدفاع عن الكرامة والموقع الاجتماعي.

3. التربية الجمالية والرمزية: سحر الفن والموسيقى في تشكيل الوعي

يمثل الفن في رواية التكوين وسيطاً تحررياً ينتشل البطل من رتابة الواقع المادي وقيود العمل المضني؛ فخلّاوي لا يقضي أيامه بين قوالب الثلج وأوساخ الأسواق فحسب، بل يجد في ركن الخان فضاءً تنويرياً مفتوحاً يقوده إليه جاره الشاب (حسن)، طالب أكاديمية الفنون الجميلة، الذي يفتح أمامه مغاليق الإدراك الجمالي.

تتجسد لحظة الاتصال الأولى بعالم التشكيل والرؤية الفلسفية في غرفة حسن داخل الخان: "وفي غرفة حسن وحسين تفتحت قريحته لمعرفة أهمية الفن في الحياة. ومرّة شاهد لوحة امرأة ساكنة، أخبره حسن إن هذه المرأة اسمها الموناليزا، والذي رسمها وعشقها اسمه دافنشي.. وحين سأله هل يمكن أن يتخرّج من هذا المكان الضنك؟ ضحك حسن كما ضحك حسين الذي كان جالساً في قعر الغرفة وقال له: على الإنسان التكيّف مع حاله وقدره، وهذا هو الواقع الذي سننطلق منه جميعاً.. ليس علينا الاستسلام والرضوخ للأبد، وليس علينا الضجر واليأس لأننا نعيش تحت مأوى قد لا يكون هو الطموح. ولهذا علينا ألا ننزعج منه فهو الجذر والمعنى" (ص 11، 38).

تُمثّل لوحة "الموناليزا" في هذا السياق صدمة بصرية وجمالية تنقل الفتى من مجال المشاهدات العينية المألوفة إلى مجال التجريد الفني؛ فالمرأة المرسومة لا تشبه نساء الريف ولا نساء الخان الغارقات في البؤس، بل تنضح بغموض فلسفي يحث على التساؤل. كما أن حوار حسن حول "الانطلاق من واقع الخان الضنك دون الرضوخ له" يزرع في وعي خلّاوي بذور المقاومة الإيجابية؛ فالفقر ليس قدراً نهائياً، بل هو منطلق لتحقيق الطموح الإنساني عبر امتلاك أدوات المعرفة والجمال.

وتتكامل هذه التربية التشكيلية مع التهذيب السمعي والوجداني عبر اكتشاف عالم الموسيقى والشعر: "رغم أن أخاه يسمع أم كلثوم وعبد الحليم، وقال له الفنان حسن إن الموسيقى تمنح الروح طاقة إيجابية وتعشق السلام.. وقال له أخوه إن الأغاني تشذّب الخوف وتجعل الإنسان واثق الخطوة، لذا وحتى يساهم في إزالة الخوف راح يسمع الأغاني، يضع الراديو تحت أذنه ويقلّل من منسوب الصوت إلى أقل ما يمكن، ويذوب في اللحن والموسيقى.. فالنساء تبكي قبل الرجال ليس لأنهن عاطفيات، بل لأن الجميع عطشان للحب.. كان حسن بالنسبة له مرآة الأفكار والتطلعات" (ص 31، 39).

يُظهر هذا التدفق السردي كيف يستعيض الفتى عن صرخات الشارع وضجيج الخوف بـ "العزلة الموسيقية"؛ فوضع المذياع تحت الأذن وخفض الصوت خوفاً من يقظة الجدة يعكس رغبة المراهق في بناء فضاء حميمي خاص به، يتذوق فيه عواطف الحب المفقودة في محيطه القاسي. إن الموسيقى هنا ليست ترفيهاً عابراً، بل هي "أداة لتشذيب الخوف" وترويض التشنجات العصبية التي تثيرها نبوءات الحرب وفوضى الواقع؛ حيث تمنحه أغاني عبد الحليم وقصائد نزار قباني قاموساً عاطفياً جديداً يُهيئه لخوض امتحانه البشري الأكبر المتمثل في علاقته بالمرأة.

4. التربية العاطفية وصدمة الجسد: تجربة (فتحية) والتحول نحو النضج الأخلاقي

تُمثّل العلاقة بين (خلّاوي) والفتاة القروية (فتحية) النواة الدرامية الأكثر توهجاً في مسار نضجه العاطفي والإنساني؛ فالعلاقة تتجاوز حدود الانجذاب الغريزي العابر لتغدو مرآة يكتشف عبرها الفتى بؤس الواقع الاجتماعي، وقسوة المنظومة البطرياركية التي تسحق المرأة وتجعل من جسدها ساحة لتصفية حسابات الشرف والعار.

تتفتح مشاعر المراهق في اللقاءات السرية الأولى عند حافة حوض الماء وبساتين الأعظمية: "ظلت تبتسم له بطريقة مازحة.. كانت تلمح له وتتردد وهي تفرك كفيها.. همست في أذنه قبل أن تنزل من طابوقات حوض الماء التي تحوّلت إلى نافورة من الأضوية.. غداً ستنتظره في باب الدروازة عند محل بائع الأحذية في الواحدة ظهراً، لديها كلام كثير له تريد أن تشتكيه.. لم يكن يدري ما الذي حصل له في المتنزه، يخيّل له أن الأغصان تحوّلت إلى كلاب والمحرقة تطارده.. تاركاً فتحية وحدها في المتنزه وهو يركض بسرعة جنونية.. لم يسمع إلا صوت فتحية ذاتها وهي تنادي: ارجع، لا شيء يستحق الهرب، ولا شيء يستحق الموت من أجله.. لا عليك فأنا لا أحبك وأنت لا تحبني، نحن لم يبحث عنا الحب وإن تسوّلناه، فقط لنكن أصدقاء يعين أحدنا الآخر" (ص 40، 120).

يكشف هذا المشهد عن التردد النفسي والاضطراب الذي يعيشه الفتى في مستهل تجربته العاطفية؛ فالرغبة في الاقتراب من جسد الفتاة تصطدم برواسب الخوف والتابوهات التي زرعتها نصائح الجدة المشددة ("النساء طامة ومقبرة"). إن هروبه المذعور في المتنزه يُجسد الصراع بين نداء البلوغ الغريزي ومشاعر الذنب التي تُحول فضاء الطبيعة في خياله إلى وحوش وكلاب كاسرة. غير أن نداء فتحية الحكيم: "فقط لنكن أصدقاء يعين أحدنا الآخر" يُمثّل لحظة تحول كبرى تنتقل بوعي الفتى من الشبق الحسي المراهق إلى أفق "التضامن الإنساني النبيل" بين روحين معذبتين ومستلبين في قاع المدينة.

ويكتمل هذا النضج الأخلاقي حين يتكشف لخلّاوي سر فتحية المفجع وماضيها الأليم في الديوانية: "راحت فتحية تبكي وهي تتذكّر مأساتها.. ابن العم غدر بها، أخذها مع صديق بحجة الحب والزواج.. وتناوبا على اغتصابها.. وتركوها تنزف دماً قرب مبزل للماء، وهددوها بأن تسكت.. مرت ثلاث سنوات على الحادثة وسنتان من الهروب مع أبيها الذي صار يصرخ بإخوته معترضاً على طلب قتلها غسلاً للعار.. كان خلّاوي يستمع لها، يرى دموعها تسقط كالجمر.. شعر لأول مرة برجفة غريبة في داخله، رجفة ليست خوفاً من الفضيحة، بل شفقة غامرة واحتراماً لهذا الكائن الضعيف الذي يحمل كل هذا الظلم" (ص 98-99).

تُمثّل هذه المكاشفة التراجيدية الاختبار الأخلاقي الحاسم لرجولة خلّاوي ونضجه الداخلي؛ فالفتى لا يتعامل مع الفتاة بمنطق الإدانة العشائرية المتوارثة التي تختزل الشرف في الغشاء البيولوجي، بل يتجاوز ذلك نحو "التعاطف الوجودي المطلق". إن رؤيته لدموعها الساقطة كالجمر تُحرره من أنانيته وتُسقط الحواجز الوهمية بينهما؛ حيث يتحول من مراهق يبحث عن لذة مسروقة إلى حامٍ وملاذ يتقاسم معها آلام الغربة وسر المأساة، مبرهناً على أن التكوين الحقيقي للإنسان يكتمل بالقدرة على منح الرحمة والعدالة للضحايا في مجتمع يبرر سحقهم.

5. ولادة الكاتب وإجهاض الحلم: من الدفتر الصغير إلى اصطدام التكوين بالواقع

تصل رواية التكوين إلى محطتها الأخيرة حين يتحول البطل من موقع "المتلقي السلبي" لتجارب الآخرين إلى موقع "الفاعل المدون" الذي يسعى إلى السيطرة على مصيره عبر الكلمة؛ فالوعي المتراكم من شقيقه الأكاديمي، وصديقه الفنان، ومآسي الخان، يدفعه إلى اقتناء دفتريته الخاصة ليؤسس مشروعه المعرفي المستقل.

يرصد النص ولادة فعل الكتابة والتأمل النقدي لدى خلّاوي: "خرج إلى المحل الواقع بين شارعي باب القبلة وشارع الشريف الرضي واشترى دفتراً من فئة 30 ورقة ودسّ الورقة الصغيرة بين طياته، ووضعه تحت فراش الأريكة التي تخبئ تحتها الصندوق الخشبي، وقال مع نفسه ربما يكون هذا الدفتر هو ذاكرتي في المستقبل، فما يحتاجه ليس إلى كتابة المذكّرات، بل إلى كتابة ما يفهمه من الدروس.. وكتب في دفتره لاحقاً: كن كما تريد ولا تجعل عقلك يتجه نحو غاية واحدة.. كل شيء تغيّر في المكان ولذا تغيّر أيضاً خلّاوي.. صار أكثر صمتاً وأكثر فهماً لما يجري" (ص 10، 116، 142).

تُمثّل حيازة هذا "الدفتر الصغير" إعلاناً رمزياً عن ولادة الأنا الكاتبة والمفكرة؛ فالفتى لم يعد يكتفي بالإنصات لمحاضرات الآخرين، بل يشرع في تدوين خلاصاته الذاتية وتشفير العالم وفق معاييره الخاصة. إن عبارته التأسيسية: "كن كما تريد ولا تجعل عقلك يتجه نحو غاية واحدة" تُمثّل ميثاقاً فكرياً تحررياً يرفض الاستلاب والتعصب؛ حيث يدرك الفتى أن النضج الحقيقي يكمن في الحفاظ على مرونة التفكير واستقلالية الإرادة في مواجهة محاولات التدجين المجتمعي.

غير أن هذا المسار التكويني الواعد يصطدم بجدار المأساة التاريخية العامة التي تُجهض المشاريع الفردية وتصادر الأحلام في مهدها: "لم تكن دموع الفرح في قاعة الكلية يوم نال سليم الدكتوراه كافية لتأمين المستقبل.. فجأة أعلن المذياع في نشرة الأخبار عن استدعاء المواليد للخدمة العسكرية، وعلى الجميع التوجه إلى معسكرات التدريب.. وكان خلّاوي قد شارف على إكمال عامه الثامن عشر.. شعر بسقوط كل ما بناه، فالأيام القادمة لن تكون لإكمال الدراسة الإعدادية كما خطط، بل لحمل البندقية.. نظر إلى الخان وإلى باب الدروازة، وأدرك أن الأبواب التي كانت مفتوحة أمامه أوشكت أن تُغلق إلى الأبد" (ص 8، 84، 154).

يُجسد هذا الختام المفارقة التراجيدية التي تسم رواية التكوين في البيئات المأزومة؛ فبينما تقود رواية التنشئة الكلاسيكية في الغرب البطل إلى الاندماج الناجح والمثمر في مؤسسات المجتمع، تنتهي مسيرة خلّاوي بـ "إجهاض التكوين القسري". إن وصول الفتى إلى سن الرشد (الثامنة عشرة) لا يفتح أمامه أبواب الجامعة والحياة المدنية، بل يسوقه قسراً نحو معسكرات التجنيد الإلزامي وأتون الحرب المشتعلة، لتتحول "باب الدروازة" من بوابة للأمل والانطلاق المعرفي إلى عتبة تفضي إلى مصير مجهول يبتلع أحلام جيل كامل في مقتبل شبابه.

خاتمة

تكشف القراءة التكوينية لرواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد عن نص ينتمي بامتياز إلى أرقى نماذج رواية البلوغ والتنشئة الإنسانية؛ حيث نجح المؤلف في بناء معمار سردي متماسك يتتبع بدقة متناهية مسار النمو النفسي، واللغوي، والمعرفي للفتى القروي (خلّاوي) وسط بيئة بغدادية بالغة التعقيد والاضطراب.

تتجلى القيمة الفنية للعمل في تجنبه للسرد الخطي الساذج، واعتماده على تقنيات التشبيك المعرفي؛ حيث تضافرت مؤثرات متعددة في صياغة وعي البطل: العقلانية الأكاديمية (سليم)، والتهذيب الجمالي والفلسفي (حسن)، والخبرة الحياتية المتمردة (سعيد)، والتطهر العاطفي القائم على التضامن الإنساني النبيل (فتحية). وقد أتاح هذا التعدد للبطل أن يتحول من كائن قروي مذعور تلاحقه كوابيس الحداثة إلى ذات واعية تمتلك أدوات التفكير الحر، وتتوج ذلك بممارسة التدوين والكتابة كفعل مقاومة وملاذ أخير ضد التلاشي.

يُسجل للرواية قدرتها الفائقة على تصوير "الاصطدام التراجيدي بين الطموح الفردي والمصير الجمعي"؛ فالنص يبرهن ببراعة على أن التكوين الذاتي في المجتمعات النامية لا ينفصل عن الزلازل التاريخية المحيطة به، مبيناً كيف تستطيع قوى التعطيل العامة أن تجهض مشاريع الشباب الأكثر نقاءً وبراءة. ورغم قتامة النهاية المتمثلة في اقتياد البطل نحو التجنيد والحرب، فإن ما أنجزه خلّاوي في باطنه-من تحصيل لغوي، وتهذيب فني، ونضج أخلاقي مساند للمستضعفين-يظل شاهداً على انتصار الجوهر الإنساني على ركام الواقع، ومؤكداً أن رواية "باب الدروازة" تُمثّل إضافة نوعية لمدونة الرواية التكوينية العربية بما تحمله من عمق سيكولوجي ورهافة حسية وبناء فني متين.

مشاركة:

آخر تحديث: ٩ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:٥٤ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار 

قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين
قراءات

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار  قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين

رواية (عالم زي... زو) للاديب مهدي علي أزبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية ، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإسان ، بمعى آخر هو عالم قتل الروح الاإسانية ، وتحول دماغ الاإسان الى مجرد آلة بدون إحساس وشعور ... حيث يحضر الروبوت أكس كشخصية محورية في العالم الرقمي لحل…

· 4 د