الوجد الذي ينتاب قصائد د. ليلى الصيني يعبر عن مشهدية اللوعة والوجع والحب للأوطان وهي تخوض غمار التحديات الوجودية، فهي الأوطان التي أعبتها الحروب والويلات ولم ينجُ منها أحد.
في هذه القصيدة وسواها نلمس توأمة الحزن الداخلي للشاعرة مع الوجع الجمعي، فتشكل مدونة شعرية إنسانية وطنية يفوح منها أنين الحرقة والكبرياء في الوقت ذاته حين تتباكى على الأطلال وهي تصف مأساة وطنها سوريا والعراق وباقي البلدان التي لا تبتعد مآسيها وجروح وطنها الأم؛ فهي صرخة مدوية ومقاومة روحية تنبض بها القصيدة بوعي لأنها تؤمن بأن الحب والأمل والصبر هي آليات الضد وشراسة التشبث بتلابيب الوطن رغم خناجر الظلم والغدر مهما طال الزمن.
هذه الترانيم الحزينة العاشقة المكلومة النابعة من عمق الألم تستطيع أن تصنع لنفسها سواتر تصدّ بصبر وثبات. فكلما استمر الوجع وهطلت الويلات كلما علا صوت الحلم لنيل الغبطة والفرح بوطن معافى بالحب وبلسمة جراحه واخضرار بساتينه وشدو عصافيره.
لقد اتخذت الشاعرة من التجليات الصوفية ملاذاً للصدّ في وجه عواصف الواقع المؤلم الذي يعيشه وطنها، وتبتعد عن الإنشاء الوصفي في نصها لتحيل شغفها إلى طقوس تعبدية في حضرة الوله للحبيب متولي القلب والروح الذي أدمى سريرتها؛ فهي تنادي وتصرخ لتدوي ذبذبات نداءاتها في أصقاع المنافي لحظة لقاء، فترتجاه بحزن الشام ودموع دجلة ومأتم الفرات بنداء مشحون بالعاطفة والشجن (يا وجع الروح وبلسم الأيام)، فهو الرفيق والوطن وشقيق روحها وحزن قلبها، وهي ثنائية عشق تخطها بين ذات الشاعرة وحبيبها وطنها ورفيق دربها.
القصيدة مليئة بالرموز التي تتماشى مع معاني النص، فطائر اليمام رمز السلام والحب تجده حاضراً في هديله وغنائه وتحديه للعواصف والنكبات (طير يعاند العواصف)، وهي أبجدية شعرية روحية تعطي للنفس اطمئنانها وسكينتها وثقتها لتقصيها عن مديات القيود والانكسار لتطلق حريتها وعزيمتها للثأر للنفس والوطن والناس، وهي تصر على بقاء اليمام في كنف أوكارها دون هجرها، وهي لغة تحدٍّ وتشبث بالأرض والرحم وأسوار الوطن.
القصيدة رغم لغتها التي يكتنفها الرثاء للوطن تبقى نصاً مشرقاً بقدسية الحب، ومن الصبر خبزاً والبقاء صلاةً موتورةً.
ليلى الصيني في ندائها (يا سيدي) تعبر من خلاله عن طقس عشقي وجودي روحي هو عبادة وجدانية، فتهجد اليمام هو بمثابة صلاة سلام ودعاء بين المحبوب ومعشوقه، وهو تسبيح وتوحد يأبى الانكسار والخضوع، هي صلاة عارف لا توجد في قواميسه لغة يأس وإحباط؛ فثنائية الكفن والنور التي جاءت في النص هي رمزية الفناء والبقاء، وتتخذ من الموت بعثاً جديداً (النور في كفن أحلامنا)، وهو تعبير عن الانبعاث من تحت الرماد.
يا سيدي
يا وجع الروح وبلسم الأيام
يا نبضاً ما زال يرتل في محراب الهوى
تستيقظ روحي على صدى أنينك
وتغفو على أمل يضيء عتمة ليالينا
رغم نزيف الأوطان الذي لا يندمل.
أيا رفيقي المكبل بقيود الأسى
أراك تئن من ثقل الجراح
وتحمل في عينيك حزن الشام
ودموع دجلة وبغداد
وأنا هنا أنسج من صبري درعاً يحميك.
لا تقل إن الفجر قد مات
أو أن اليقين قد غادرنا
فما زال في القلب طيرٌ يعاند العواصف
يرفض أن يغادر عشه
وينتظر معك شروق شمسٍ لا تغيب.
أنا أنثاك التي ما عرفت اليأس يوماً
سأكون النور في كفن أحلامنا
وسألملم شتاتك من دروب المنافي
لنعيد ترتيب حروف البهجة
فالحب فينا أقوى من سكاكين الظلم
وصوتنا سيظل يصدح
لأن تهجد اليمام لا يعرف الانكسار.







التعليقات