في رواية (أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي) يذهب خوان خوسيه مياس إلى واحدة من أكثر المناطق التباساً في النفس البشرية، تلك المنطقة التي لا يعود فيها الإنسان متأكداً من صورته، ولا من موقعه الحقيقي بين الآخرين، ولا حتى من حقيقة ما يراه ويعيشه.
مياس ليس معنياً بأن يحكي لنا حكاية مستقيمة يمكن الإمساك بخيوطها بسهولة، بقدر ما يحاول أن يضع القارئ داخل وعي شخصياته، حيث تختلط الذاكرة بالخيال، والحقيقة بالوهم، وما حدث فعلاً بما كان يمكن أن يحدث. ومنذ العنوان نفسه نشعر أننا أمام عالم لا يطمئن إلى التعريفات الجاهزة، (أحمق)، (ميت)، (ابن حرام) ، (غير مرئي) ليست مجرد صفات عابرة، وإنما تبدو كأنها وجوه متعددة للإنسان عندما يفقد علاقته الطبيعية بالعالم من حوله. ولعل كلمة (غير مرئي) هي الأكثر إثارة في هذا العنوان، لأنها لا تعني بالضرورة أن الشخصية اختفت جسدياً، وإنما أن وجودها أصبح غير محسوس بالنسبة إلى الآخرين، وهذا ربما يكون أشد قسوة من الاختفاء نفسه، أن تكون حاضراً ولا يراك أحد، أن تتحدث ولا تجد من يصغي، وأن تمضي في حياتك كما لو أنك ظل لشخص كان موجوداً ذات يوم.
هذه الفكرة تمنح الرواية بعداً إنسانياً عميقاً، لأن مياس يضع يده على شعور نعرفه جميعاً بدرجات مختلفة، ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان غريباً حتى في أكثر الأماكن التي يفترض أن تكون مألوفة له. وكعادته، لا يحتاج مياس إلى أحداث ضخمة كي يصنع غرابته، فالأشياء اليومية البسيطة في عالمه تحمل دائماً احتمالاً آخر، ويمكن لتفصيل صغير أن يفتح باباً على الذاكرة أو الخوف أو الهواجس، حتى يصبح الواقع نفسه شيئاً قابلاً للشك، نحن لا نقرأ الرواية بحثاً عن إجابة نهائية بقدر ما نقرأها ونحن نحاول أن نعرف أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الوهم، وهل ما تقوله الشخصيات هو الحقيقة أم مجرد الطريقة التي تحتاجها لكي تستطيع الاستمرار في الحياة.

وهذا الالتباس ليس عيباً في الرواية، بل هو جوهرها، فمياس يعرف أن الإنسان نفسه كائن ملتبس، وأن ذاكرتنا ليست أرشيفاً محايداً، وأن الصورة التي نحملها عن أنفسنا تتغير كلما تغيرت نظرة الآخرين إلينا. لذلك تبدو شخصياته وكأنها تعيش بين صورتين: صورة تريد أن تكون عليها، وصورة يفرضها العالم عليها. ومن هنا يمكن فهم الموت في الرواية بمعناه الأوسع، فليس الموت دائماً نهاية الجسد، فقد تموت علاقة، أو ذكرى، أو رغبة، أو نسخة قديمة من الإنسان، وقد يعيش المرء سنوات كاملة وهو يشعر بأن شيئاً أساسياً فيه قد مات من دون أن يعرف متى حدث ذلك.
أما (اللا مرئية) فهي ربما المرحلة الأكثر اكتمالاً لهذا الموت الرمزي، حين يصبح الإنسان حاضراً في المكان وغائباً عن معناه. الجميل في كتابة مياس أنه لا يشرح هذه الأفكار بطريقة مباشرة، وإنما يجعلنا نعيشها مع الشخصيات، ويترك لنا مهمة اكتشاف ما وراء التفاصيل الصغيرة. لغته تبدو في كثير من الأحيان بسيطة وهادئة، لكنها تخفي تحت هذه البساطة طبقات من القلق والسخرية والأسئلة الوجودية، وكأن الكاتب يقول لنا إن أكثر الأشياء غرابة قد تكون كامنة في حياتنا اليومية نفسها، وإن ما نسميه واقعاً ليس دائماً أكثر ثباتاً من الخيال.
لذلك فإن قراءة (أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي) ليست مجرد متابعة لأحداث رواية، بل هي دخول إلى ذهن مرتبك يحاول أن يعيد ترتيب العالم من حوله، وربما يعيد اختراع نفسه أيضاً. إنها رواية عن الهوية حين تصبح هشة، وعن الإنسان حين لا يعود يعرف إن كان يعيش حياته فعلاً أم يعيش النسخة التي صنعها الآخرون عنه، وعن ذلك الاحتياج القديم لأن يرانا أحد كما نحن، لا كما يريد أن يرانا. وربما لهذا تظل الرواية بعد انتهائها معلقة في الذهن، لأنها لا تمنحنا راحة الإجابة، بل تتركنا أمام سؤال أكثر إزعاجاً: ماذا لو كان الاختفاء الحقيقي ليس أن يختفي الإنسان من العالم، وإنما أن يبقى فيه طويلاً من دون أن يشعر أحد بوجوده؟







التعليقات