انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين تصبح الهزيمة شكلا من أشكال الوجود قراءة في "دفتر الهزيمة اليومية" للشاعر المغربي هشام قتدة

عدنان مشهي
عدنان مشهي

ناقد وأديب مغربي

7 دقائق للقراءة
29 مشاهدة
حين تصبح الهزيمة شكلا من أشكال الوجود قراءة في "دفتر الهزيمة اليومية" للشاعر المغربي هشام قتدة
مشاركة:

ليس من السهل أن ندخل إلى "دفتر الهزيمة اليومية" من عتبة عنوانه فقط، لأن الهزيمة هنا ليست حدثا عابرا ينتهي بانتهاء سببه، وإنما هي حالة من حالات الوجود،  وسؤال يتردد في أعماق الذات كلما حاولت أن تعثر على موضع قدم لها في عالم مضطرب.

من هذه الزاوية، يبدو العمل الشعري للشاعر المغربي هشام قتدة أكثر اتساعا من كونه مجموعة قصائد تحمل عناوين؛ فهو تجربة تبحث في الإنسان وهو يتأرجح بين ما يرغب فيه وما يستطيع الوصول إليه، بين صورة الذات التي تحلم بأن تكون، وصورتها عندما تصطدم بما يبدد أحلامها.

ولعل ما يمنح التجربة ثراءها أنها لا تنطلق من شكل شعري واحد. فالشاعر يكتب القصيدة العمودية، مستفيدا من طاقتها الإيقاعية وبلاغتها المتجذرة في الذاكرة العربية، ويكتب التفعيلة بما تتيحه من حرية في بناء الجملة الشعرية وتوزيع الدلالة والإيقاع. وبين الشكلين تتحرك تجربة واحدة، وإن اختلفت أدواتها: تجربة الإنسان الباحث عن الحب، والمصطدم بالحزن، والمتأمل في ذاته والعالم.

تكشف عناوين مثل "نبي الهوى"، و"طلب الرضى"، و"سل مهجتي"، و'في سبيل هواك"، و"مليك الفؤاد"، و"لعبة النساء" عن شاعر مشدود إلى منطقة الحب والوجد، حيث تتحول العاطفة إلى لغة وإلى سؤال عن الآخر.

لكن هذه الرغبة في الحب لا تستمر في فضاء رومانسي صاف؛ إذ سرعان ما تنفتح التجربة على عناوين مثل "لا تكن شاة"، و"عام الحزن"، و'الصب الأسير"، و"العالم المدنس"، و"دفتر الهزيمة اليومية" ( العنوان الرئيسي )، و"اعترافات قديس".

وهنا تبدأ التجربة في الكشف عن وجهها الآخر.

إننا أمام ذات لا تكتفي بأن تحب، وإنما تتألم بسبب ما تحبه، ولا تكتفي بأن تنظر إلى العالم، وإنما تدخل في صدام معه. ولذلك تبدو القصيدة عند هشام قتدة محاولة مستمرة للانتقال من سؤال العاطفة إلى سؤال الوجود.

يقول الشاعر: في نصه الشعري " دفتر الهزيمة اليومية "

"أنهض صباحا

كما ينهض آلاف المعذبين في الأرض

زاحفا على بطني كثعبان...

لم أمتط صهوة جوادي الأبيض...

أعلن عن انهزامي غيابيا." ص 54

تكمن قوة هذا المقطع في أنه لا يقدم الهزيمة باعتبارها حادثة، وإنما يجعلها جزءا من طقس يومي.

فالفعل "أنهض" يحمل في ظاهره معنى البداية، لكنه سرعان ما ينقلب إلى نقيضه. فالذات التي تنهض لا تنهض منتصبة، وإنما تزحف. وكأن الصباح، بدل أن يكون ولادة جديدة، يصبح استئنافا للمعاناة.

ثم يوسع الشاعر دائرة تجربته حين يقول:

"كما ينهض آلاف المعذبين في الأرض".

هنا تنتقل القصيدة من "أنا" الفردية إلى "نحن" الإنسانية. لم تعد الهزيمة شأنا شخصيا فحسب، بل تصبح صورة لجماعة واسعة من المعذبين الذين يحملون يومهم كما يحملون أثقالهم.

وهذه النقلة مهمة؛ لأنها تنقذ التجربة من الانغلاق في البوح الشخصي. فالشاعر لا يقول: أنا وحدي مهزوم، بل يجعل من تجربته مرآة يمكن للآخر أن يرى فيها شيئا من وجعه.

ثم تأتي صورة "صهوة جوادي الأبيض" لتستدعي صورة الفارس، ذلك الكائن الذي يخرج إلى العالم ممتطيا جواده، واثقا من سبيله، حاملا وعد الانتصار.

لكن الشاعر يقول:

"لم أمتط صهوة جوادي الأبيض..."

إنها لحظة سقوط للصورة البطولية أمام واقع أكثر قسوة. الفارس لم يعد فارسا، والجواد لم يعد حاضرا، والحلم نفسه يبدو مؤجلا أو مستحيلا.

غير أن العبارة الأكثر إثارة هي:

"أعلن عن انهزامي غيابيا".

الهزيمة هنا لا تحتاج إلى معركة. إنها تحدث في الداخل قبل أن تحدث في الخارج. والإنسان قد يخسر أحيانا ليس لأنه خاض المعركة، بل لأنه فقد القدرة على تخيل الانتصار.

وهنا تحديدا تتحول "الهزيمة اليومية" إلى مفهوم وجودي: إنها ذلك الشعور الخفي بأن الإنسان يكرر يومه، بينما تتراجع أحلامه خطوة بعد أخرى.

وإذا كان نص "دفتر الهزيمة اليومية" يرسم صورة السقوط، فإن نص "وداعا" يقترح إمكان الخروج منه:

يقول الشاعر في نصه الشعري " وداعا"

"سأقول وداعا دائما

لمن ألقى لب بابتسامة

كوردة حمراء

لمن مد يده لي

ليخرجني

من جب يوسف.." ص42

إنها حركة معاكسة تماما.

هناك كان الشاعر يزحف، وهنا تمتد إليه يد.

هناك كان يعلن هزيمته غيابيا، وهنا يستعيد الآخر دوره بوصفه إمكانية للخلاص.

والاستدعاء الرمزي لقصة يوسف عليه السلام يفتح النص على ذاكرة أعمق من الحدث الشعري المباشر. فـ"الجب" يصبح رمزا لكل عزلة، ولكل سقوط داخلي، ولكل لحظة يجد فيها الإنسان نفسه بعيدا عن الضوء.

أما اليد التي تمتد إليه، فهي ليست مجرد يد؛ إنها صورة الآخر حين يتحول من حضور عابر إلى فعل إنقاذ.

ولذلك فإن الحب في هذه التجربة ليس مجرد موضوع غزلي، بل يمكن أن يُقرأ باعتباره إمكانا للخلاص.

حتى "الابتسامة" لا تأتي عابرة، بل تتخذ شكل "وردة حمراء". والوردة، بما تحمله من اللون والحياة والرائحة، تقف في الطرف الآخر من قاموس الجب والهزيمة. إنها صورة صغيرة للحياة وهي تتسلل إلى نص مثقل بالعتمة.

ثمة مفارقة لافتة في بعض عناوين العمل: "العالم المدنس" في مقابل "اعترافات قديس".

هذه المفارقة تكشف عن ذات شعرية ممزقة بين عالم لا ينسجم مع حساسيتها الداخلية، وذات تحاول أن تحافظ على شيء من نقائها وسط هذا العالم.

ومن هنا يمكن فهم بعض مفردات التجربة باعتبارها صراعا بين الطهارة والتدنس، الحلم والواقع، القداسة والسقوط، الحب والهزيمة.

والشاعر لا يقدم نفسه بوصفه خارج هذه التناقضات؛ بل هو جزء منها. إنه يكتب من داخل الجرح، لا من خارجه. ولذلك تأتي "الاعترافات" أكثر قربا من البوح منها إلى الخطابة، ويصبح الشعر مساحة لمواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين.

ويبدو جليا أنه من العناصر المهمة في تجربة هشام قتدة أن التراث الشعري والديني لا يظهر على أساس زخرف لغوي.

"جب يوسف" و"صهوة الجواد"، وفضاء الغزل والمديح والحكمة، كلها إحالات تستدعي ذاكرة ثقافية كاملة، تُعاد صياغتها داخل حساسية معاصرة.

فالتراث حين يدخل القصيدة لا يبقى كما هو؛ إنه يتغير بتغير السياق.

صورة الجواد، مثلا، تنتقل من رمز للفروسية والانتصار إلى رمز لما لم يعد الشاعر قادرا على امتطائه. والجب ينتقل من حدث قصصي ، إلى استعارة للاغتراب الداخلي.

وهنا تكمن إحدى نقط قوة التجربة: أن الماضي لا يستعاد كماضي، وإنما يُستدعى ليقول شيئا عن الحاضر.

و على المستوى الفني، فإن الجمع بين العمودي والتفعيلة يمنح العمل توترا جماليا خاصا.

حيث أن القصيدة العمودية تمنح الشاعر فضاء موسيقيا أكثر انتظاما، وهو ما ينسجم مع الغزل والمديح والحكمة، بينما تسمح التفعيلة بانكسار السطر وتفاوت الجمل وتغيير سرعة القراءة.

وهذا الانكسار الشكلي يمكن أن يُقرأ، في بعض المقاطع، بوصفه متوازيا مع الانكسار النفسي.

فالبيت العمودي يستند إلى اكتمال إيقاعي، بينما قد تأتي قصيدة التفعيلة محملة بالتوقفات والفراغات والأسطر القصيرة، وكأن الشكل نفسه يحاول أن يحاكي اضطراب الذات.

ومن هنا لا يعود الانتقال بين الشكلين مجرد اختيار تقني، بل يصبح جزءا من تعدد الأصوات الداخلية في التجربة.

ربما يمكن اختزال المسار الداخلي للعمل في حركة ثلاثية:

العاشق → الإنسان المنكسر → الباحث عن الخلاص.

في البداية يحضر الحب كرغبة في الاقتراب والامتلاك والوجد.

ثم يظهر العالم بما يحمله من خيبات وقساوة ، فتتحول الذات إلى كائن يزحف بدل أن يمتطي جواده.

ثم يأتي الآخر، أو الذاكرة، أو الشعر نفسه، بوصفه إمكانية للخروج من الجب.

وبذلك لا تكون الهزيمة آخر ما يقوله الشاعر.

فالقصيدة التي تعترف بالهزيمة قد تكون، في العمق، قصيدة ترفض أن تترك الهزيمة بلا معنى.

نخلص أن "دفتر الهزيمة اليومية" عمل شعري يمكن قراءته باعتباره  كتابة في المسافة الفاصلة بين الحلم والواقع.

إنه دفتر للذين يستيقظون كل صباح ويحاولون، رغم ما انكسر فيهم، أن يبدأوا من جديد.

والهزيمة فيه ليست انتصارا مضادا، ولا بطولة مقلوبة، وإنما تجربة إنسانية تكشف هشاشة الذات حين تصطدم بالعالم. غير أن الشعر يمنح هذه الهشاشة شكلا، والشكل يمنح الألم ذاكرة، والذاكرة تمنح الهزيمة معنى.

وهنا تكمن المفارقة الأجمل في العمل:

الشاعر الذي يقول 'أعلن عن انهزامي غيابيا" هو نفسه الشاعر الذي يحضر بقوة في القصيدة.

فما دام قادرا على تسمية هزيمته، وتصويرها، واستدعاء رموزها، وتحويلها إلى موسيقى، فهو لم يختف تماما.

بل خرج من الهزيمة إلى اللغة

ولهذا السبب تحديدا لا ينبغي أن نقرأ "دفتر الهزيمة اليومية" على أساس أنه دفترا للهزائم فقط، بل كونه دفترا للبحث عن الذات كلما فقدت طريقها، ودفترا يحاول فيه الشعر أن ينقذ الإنسان من اعتياد انكساره.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٥ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قراءة  مختزلة

 في كتاب  ( ليلة تسليم جلجامش لليهود) للباحث د . حسين سرمك حسن
قراءات

قراءة  مختزلة في كتاب  ( ليلة تسليم جلجامش لليهود) للباحث د . حسين سرمك حسن

إن أبرز ما يكشفه هذا الكتاب هو حجم الزيف عند السردية اليهودية ومحاولات سلب الإرث العربي والإسلامي وهي ليست بالجديدة بل إنها بدأت عند تزييف الحقائق الحضارية التي مضى عليها آلاف السنين. في التوراة مثلاً، وكما نشرت مجلة ( لوك ) في سنة 1952 مقالها الذي يحمل عنوان ( الحقيقة عن الكتاب المقدس ) ، حيث ذكرت…

· 3 د
البحث عن الذات والحب والهوية

في رواية (أسلاك شائكة) للأديبة (سعدية خليفة)
قراءات

البحث عن الذات والحب والهوية في رواية (أسلاك شائكة) للأديبة (سعدية خليفة)

البحث عن الذات والحب والهوية في رواية (أسلاك شائكة) للأديبة (سعدية خليفة) د. طارق إبراهيم الشناوي فكرة الرواية والبناء الدرامي والشخصيات: · حسين ، الراوي الأوحد، صحفي حوادث من مواليد أوائل الثمانينيات، يسكن في منطقة شارع 45 بالإسكندرية. يعيش حسين وحيدا، لا يكاد يتذكر والده الذي غرق وهو عائد من عمله…

· 8 د
العين الشاخصة في عتمة الفناء:

أنطولوجيا الحضور النذري في كنز( تل أسمر)
قراءات

العين الشاخصة في عتمة الفناء: أنطولوجيا الحضور النذري في كنز( تل أسمر)

غالب المسعودي تعود المنحوتات الحجرية في مَدار هذا التحليل إلى الكشف الأثري البارز المعروف باسم "كنز تل أسمر"، الذي استخرجته بعثة التنقيب التابعة للمعهد الشرقي بجامعة شيكاغو برئاسة عالم الآثار هنري فرانكفورت خلال موسم 1933-1934 في موقع "إشنونا" القديم (تل أسمار حاليًا) الواقع في حوض نهر ديالى شرقي…

· 9 د