انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حسن ناظم؛ النص الذي لا صخب فيه

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

23 دقائق للقراءة
42 مشاهدة
حسن ناظم؛ النص الذي لا صخب فيه
مشاركة:

بسعادة وحبور، متأبطا ديوان المتنبي بتحقيق البرقوقي، الذي تقاسم ثمن شرائه مع زميل الدراسة، خرج الفتى حسن ناظم إلى أطراف بساتين الكوفة. كان يحمل الكتاب بعناية من يحمل نصيبه الأول من العالم، ويضمه إلى جانبه خشية أن تسقط منه ورقة فتضيع معها قصيدة، أو أن تفلت من بين صفحاته كلمة ظلت تنتظر قارئها منذ ألف عام. لم يكن في جيبه غير دراهم قليلة، ولا في رأسه مشروع واضح للمستقبل، لكنه كان يشعر بأن الديوان الذي يحمله أثمن من خزائن الملوك، وأن اقتسام ثمنه مع رفيق الدراسة لم يجعله نصف كتاب، بل جعله كتابين كاملين، لأن الكتب التي تدخل في الشركة بين قلبين تتضاعف ولا تنقسم. راح يسير الهوينا على الطريق الترابي الممتد بين البساتين، متفرسا في "إعجاز أحمد"، متمحصا في الفريد والعجيب من الشعر، متقصيا الدرر، متعمقا في البحور والأوزان، مبحرا في رحلة من السرور والطرب، مسترسلا في الفرح والغبطة، مختبرا الروعة والرونق. وكان كلما فتح صفحة انفرجت أمامه سعفات النخيل، واتسع الطريق بمقدار بيت من الشعر، وتباطأت شمس الظهيرة احتراما لذلك الفتى الذي يقرأ وهو يمشي، كأن القراءة صلاة لا يجوز قطعها، ولو استدعى الأمر أن تتوقف الجهات الأربع عن الدوران. وحين بلغ بيتا في الفخر، ارتفعت الأشجار واستقامت جذوعها، وإذا مر ببيت في الرثاء انحنت قليلا وتساقط من بينها تمر لم يكتمل نضجه، كأن النخيل نفسه لم يستطع احتمال الحزن حتى منتهاه. أما الساقية فكانت تغير إيقاع جريانها كلما تغير البحر الشعري، فتبطئ عند الطويل، وتتسارع عند الرجز، وتتسع موجاتها عند الكامل، حتى بدا الطريق كله قصيدة كبرى، وكان الفتى يمشي فوق تفعيلاتها، لا فوق ترابها.

لم يكن حسن يقرأ الديوان من خارجه، بل كان يدخل في كل بيت، ويتمشى بين ألفاظه، ويمس جدرانه، ويختبر مقدار الضوء الذي تسمح به نوافذه. بعض الأبيات بدا له قصورا شاهقة ذات أبواب من نحاس، وبعضها خياما منصوبة في صحراء لا تنتهي، وبعضها آبارا عميقة إذا ألقى فيها سؤالا عاد إليه صداه بعد أعوام. وبينما كان مستغرقا في القراءة، توقفت الريح، وسكنت الساقية، وتجمدت سعفات النخيل في الهواء. انفتحت صفحات الديوان من تلقاء نفسها، وأخذت الحروف تغادر مواضعها. خرجت الباء من بيت، وتبعتها التاء، ثم ارتفعت الحروف كلها فوق الورق ودارت حول رأسه في دوائر واسعة. لم تكن مبعثرة، بل كانت تنتظم في تشكيلات دقيقة، فتؤلف كلمة ثم تهدمها، وتقيم جملة ثم تعيدها إلى عناصرها الأولى، كأن اللغة نزعت ثوبها المألوف أمام قارئها وأرته العظام الدقيقة التي تحمل جسدها. حاول لمس حرف العين، فاستقر فوق إصبعه، واتسع داخله حتى رأى عين الماء وعين الإنسان وعين الجيش وعين الميزان وعين القصيدة التي ترى ما لا تراه الأبصار. وما إن أعاده إلى الصفحة حتى ظهرت عند قدميه نقطة سوداء أخذت تتسع حتى صارت فوهة في الأرض. زلت قدمه، فانفتح التراب تحته كما تنفتح صفحة هائلة، وغار بجسده في عمق لا قرار له. ظل يهبط بين طبقات من الأصوات والنقوش واللهجات، والديوان ملتصق بصدره، حتى انتهى إلى قاعة عظيمة محفورة في صخر أسود. نهض فلم يجد في جسده أذى، كأن الأرض لم ترد به سوءا، بل كانت تستدعيه إلى موعد تأخر طويلا. تغير غلاف الديوان، وصار مكتوبا عليه: "كتاب القارئ الذي سيعود من الأعماق".

حسن ناظم؛ النص الذي لا صخب فيه

مجمع اللسان في الطبقة السابعة من الأرض

لم تكن القاعة التي وقف فيها حسن مغارة للكنوز ولا مدفنا للمخطوطات، بل كانت المملكة السرية التي تلجأ إليها العربية كلما أثقل أهل الأرض جسدها بالابتذال، أو جروا كلماتها إلى غير معانيها، أو جعلوها مطية للصخب والادعاء. كانت على الجدران أوان زجاجية، في كل إناء صوت من أصواتها: همزة تنقدح من أقصى الحلق، وعين تنبع من بئر خفية، وحاء تمر مثل نسمة فوق صخر رطب، وضاد تتمدد على حافة اللسان، وقاف ترتطم بسقف الفم ثم تهبط في مهابة. وفي الفضاء كانت الحروف تطير أسرابا، تتقارب فتولد كلمة، وتتباعد فتموت دلالة، بينما مشت على الأرض كلمات يتيمة تبحث عن جمل تتبناها. امتدت الرفوف في الجهات كلها، تحمل ألواحا ورقوقا وكتبا لم تجمعها مكتبة في زمن واحد، وبينها درج لولبي يصعد إلى عصور لم تأت، وآخر يهبط إلى زمن كانت فيه الأصوات بلا علامات. وفي مركز القاعة ارتفعت شجرة هائلة، جذورها في صخر الكوفة وأغصانها تمتد في سماء لا ترى. لم تكن أوراقها خضراء، بل صفحات، ولم تكن ثمارها تمرا، بل معاني. كلما قرأ إنسان نصا بإخلاص نبتت فيها ورقة، وكلما اقتبس كاتب كلاما لم يفهمه يبس غصن وسقط. وحول الشجرة جلس رجال من عصور متباعدة جمعتهم اللغة خارج حساب الزمن. كان بعضهم يضع أذنه على جذعها، وبعضهم يضبط حركة ورقة، وبعضهم يصل جذرا بفرع، كأنهم مجلس دائم انعقد منذ ولدت العربية، ولم يرفع جلسته لأن قضايا اللسان لا تبلغ حكما أخيرا. هناك استبان لحسن أن الذين حسبهم التاريخ أسماء في كتب النحو لم يغادروا تماما، بل تحولوا إلى حراس خفيين، يسهر كل واحد منهم على باب من أبواب اللغة. كان أبو جعفر الرؤاسي يجلس عند مدخل المجلس، ورأسه الكبير تحيط به ألواح الشواهد، بوصفه واحدا ممن وضعوا الأساس الأول للنحو الكوفي. وإلى جواره وقف معاذ الهراء، يرقب تصريف الكلمات وهي تنتقل بين الأزمنة، فتلبس الأفعال ثياب الماضي والمضارع والأمر، ثم تعود إلى جذورها عارية من الزمن. وكان الكسائي متشحا بكسائه، منصتا إلى أصوات جاءت من البادية، يجمع اللهجات في أوعية صغيرة ويحفظ ما اتسع له السماع. أما الفراء فجلس أمام رقعة تمتد عليها معاني القرآن ومسالك التراكيب، يفري الكلام لا ليجرحه، بل ليكشف طبقاته الدقيقة. وبالقرب منهم ظهر الأحمر واللحياني وابن سعدان وثعلب، تحيط بهم شواهد الفصاحة كما تحيط النجوم بحراسها. وفي الجانب الآخر، جلس الخليل بن أحمد كأنه خرج لتوه من بحر لا ماء فيه، بل إيقاعات. كانت دوائر العروض تدور حوله كالأفلاك، الطويل في مدار، والبسيط في مدار، والكامل يرسل موجاته إلى أطراف القاعة. وإلى جواره ظهر سيبويه، وبين يديه "الكتاب" لا في هيئة مجلد، بل في صورة مدينة عظيمة ذات أبواب ومسالك. كان كل باب يفضي إلى باب آخر، وكل مثال يقف عند عتبته شاهد من العرب يحمل نطقه كما يحمل وثيقة لا تقبل التزوير. وخلفهما تحرك الأخفش الأوسط بين مسائل معلقة، وجلس المبرد أمام طبقات "المقتضب"، فيما حمل ثعلب فصيح اللغة في صناديق دقيقة كيلا تذروه رياح النسيان. لم يكن الجمع ساكنا كصور معلقة في متحف، بل كان يعمل في صمت مهيب: يدقق، ويوازن، ويقيس، ويستدرك، ويختلف من غير خصومة، كأن اللغة نهر واسع يحتاج إلى أكثر من ضفة كي يستقيم جريانه.

وفي مدى أبعد من القاعة، ظهر ابن دريد بين صفوف "جمهرة اللغة"، يحرس الكلمات التي طردها الاستعمال إلى أطراف الذاكرة، بينما وقف ابن فارس عند "مقاييس اللغة"، يرد الفروع المتباعدة إلى أصولها، ويكشف تحت اختلاف الألفاظ جذرا واحدا يمدها بنسبها الدلالي الخفي. وكان أبو علي الفارسي يتحرك بين المسائل كمهندس يختبر دعائم بناء هائل، وخلفه ابن جني ينصت إلى "سر الصناعة"، يراقب الأصوات وهي تتحول إلى أبنية، والأبنية وهي تحمل ظلال المعنى. ظهر ابن السراج والزجاج والرماني في قاعة تتشكل فيها الأصول، حيث تنتظم الشواهد المتفرقة في قوانين، من غير أن تتحول القاعدة إلى سجن يحبس حيوية اللسان. وفي أقصى المجلس جلس عبد القاهر الجرجاني أمام نول عظيم، لا ينسج عليه حريرا، بل علاقات. كان يقدم لفظا ويؤخر آخر، فيتغير الضوء في القاعة، ثم يحذف كلمة فيتكلم الفراغ، ويصل جملة بأخرى فتتكون بينهما قنطرة من الدلالة. وبالقرب منه حمل الزمخشري كشافا يضيء دقائق البيان، وتبعه السكاكي بمفتاح العلوم، والقزويني بخرائط الإيضاح، وحازم القرطاجني بأسرار التخييل ومنهاج البلغاء. ثم ظهر ابن الأنباري محاطا بخلافات النحويين، وابن هشام يتتبع عمل الأدوات الدقيقة، وابن مالك تتدلى ألفيته فوق رأسه في هيئة ألف مصباح، والسيوطي يجمع أنهار المرويات في بحر واحد، كيلا يضيع شيء مما قاله السابقون. لم يكن بينهم من يدعي امتلاك اللغة، فمالك اللغة الوحيد هو الاستعمال الحي، أما العلماء فكانوا خدام انتظامها وحراس ذاكرتها.

استقبل المجلس الفتى من غير احتفال، فالأماكن التي تحفظ الحكمة لا ترفع الأعلام عند وصول طالب جديد. نظر الخليل إلى وقع خطواته فعرف أنه كان يزن الشعر بقدميه، وتأمل سيبويه طريقة إمساكه بالديوان فأدرك أنه لا يعامل الكتاب كمتاع، فيما فحص الجرجاني صمته، فرأى فيه قابلية الإصغاء. لم يحتج حسن إلى محاورتهم طويلا. كان التعليم هناك يجري بالنظر والعمل والمشاهدة. أشاروا إلى مقعد خال عند طرف الحلقة، فلما جلس بدأت الحروف تتحرك حوله، واجتمعت في عبارة واحدة: "أنصت إلى ما تصنعه العلاقات". لم يعرف إن كان سيبويه قالها أم الجرجاني، فقد كانت الجملة تنتمي إليهما معا، مثلما تنتمي إلى كل من أدرك أن الكلمات لا تؤدي معانيها منفردة، وأن النص لا يقيم في قائمة ألفاظه، بل في التقديم والتأخير، والحذف والذكر، والتعريف والتنكير، والوصل والفصل، وفي المسافة الدقيقة بين ما قيل وما ترك للقارئ كي يستنبطه. عندئذ انفتحت أمامه سبعة أبواب، لكل باب لون وصوت ورائحة. كان عليه أن يعبرها لا ليحفظ أسماء العلوم، بل ليختبر كيف ولدت أدوات القراءة عبر القرون. وما إن نهض حتى تحرك ديوان المتنبي بين يديه، وتحولت صفحاته إلى مصباح، أضاء له أول الطريق في طبقات اللسان.

رحلة الحروف من ينابيع الصوت إلى سماء النظم

دخل حسن الباب الأول، فوجد نفسه في فضاء لا أرض له ولا سقف، تتحرك فيه الأصوات قبل أن تتخذ أشكال الحروف. كان الخليل بن أحمد يقف في مركزه، تحيط به دوائر العروض كما تحيط الأفلاك بكوكب قديم. رأى الفتى الهمزة تنقدح من أقصى الحلق مثل شرارة أولى، والهاء تخرج زفرة دافئة، والعين تنبع من قرار خفي، والغين ترتفع محملة بخشونة الصخر، والقاف تهبط في وقار، والسين تنساب كجدول رفيع. لم تعد الحروف علامات ترسم على الورق، بل أجسادا هوائية لها مخارج وصفات وطبائع، تتجاور فتتآلف، أو تتنافر فيثقل النطق. وحين حرك الخليل إصبعه، خرجت بحور الشعر من دوائرها في هيئة مواكب: الطويل يسير بخطى جليلة، والكامل يتقدم بامتلاء، والوافر يتماوج، والرجز يعدو بخفة، والبسيط يبسط جناحيه فوق فضاء القاعة. مرت المعلقات كجبال تتحرك، وتبعتها مراثي النساء، وأناشيد الفرسان، وأهازيج العمال، وأغنيات الأمهات. أدرك حسن أن الوزن لم يكن قيدا ألقي على جسد الشعر، بل ذاكرة موسيقية تحفظ خطو اللغة، وتجعل القصيدة تهتدي إلى آذان لم تولد بعد. ورأى أن الخليل لم يخترع البحور من عدم، وإنما أصغى إلى ما كان كامنا في النطق، ثم كشف نظامه، كما يكشف الفلكي مدارات كانت الكواكب تسير فيها قبل أن يسميها. وفي جانب من الفضاء كان معاذ الهراء يقلب الأفعال بين يديه، فتنتقل من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى الأمر، ثم تتجرد من الزمن في المصدر. بدت الصيغة كالثوب الذي يمنح الجذر هيئة وحركة، فيما بقيت الحروف الأصلية مثل عظام تحفظ الكائن وسط تحولاته. عبر الفتى الباب الثاني، فدخل مدينة سيبويه. كانت مبنية من الجمل، شوارعها تراكيب، وجسورها حروف عطف، وساحاتها مواضع إسناد. لم يكن الإعراب فيها حركات صغيرة توضع في أواخر الكلمات، بل نظام جاذبية يحفظ المدينة من التبعثر. إذا رفعت كلمة في غير موضعها مال جدار، وإذا نصب ما حقه الرفع انخفض جسر، وإذا ضاعت القرينة اختلطت الطرق على السائرين. رأى المبتدأ يقف في أول الطريق حاملا إمكان الخبر، والفاعل يخرج من الفعل كما يخرج صاحب الأثر من أثره، والمفعول به يحمل علامة ما وقع عليه، والحال تسير إلى جانب صاحبها كظل يصف هيئة مروره. وكانت الضمة الصغيرة قادرة على حمل قبة من المعنى، فيما تفتح الكسرة باب نسبة أو إضافة، وتعلن الفتحة حركة الفعل في الأشياء. لم تكن القاعدة سجنا للجملة، بل هندسة تمنح العناصر حرية الحركة من غير أن تفقد العلاقات. وفي أزقة المدينة كان الأخفش يتتبع المسائل التي تركها "الكتاب" مفتوحة، والمبرد يختبر صلابة الأبنية، وابن السراج ينظم الأصول، والزجاج يصل الصناعة اللغوية بمقاصد النص. رأى حسن أن المعرفة لا تنمو بمحو السابق، بل بالاستدراك عليه، وتوسيع ما بدأه، والاختلاف معه داخل السؤال نفسه. وكانت المدينة، على إحكامها، تترك منافذ للشاذ والمسموع وتعدد اللهجات، فلا يطرد النظام ما لا يطابق صورته، بل يحفظه شاهدا على أن اللغة أوسع من القاعدة. هناك رسخ في نفسه أن النقد لا يجوز أن يقيس النصوص على نموذج واحد، لأن ما يبدو خروجا قد يكون بابا إلى نظام آخر، وما يبدو نقصا في ميزان جاهز قد يكون تمام التجربة في ميزانها الخاص.

ثم دخل قاعة الكوفيين، فإذا ببادية واسعة قد أقيمت تحت الأرض. جاءت الأصوات إليها من قبائل وأقاليم وطرق متباعدة، تحمل اختلافاتها من غير خجل. كان الرؤاسي والكسائي والفراء والأحمر واللحياني وثعلب ينصتون إلى المسموع، ويحفظون تنوعه قبل أن يختصره التقعيد. تحركت قوافل الشواهد أمام حسن، في كل هودج بيت شعر، وعلى كل جمل تركيب أخذ من فم عربي ظل لسانه متصلا ببيئته. بدت الشواهد وثائق حية، لا زخارف تستدعى لتثقيل الهوامش. وكان الكسائي يجمع النطق كما يجمع عالم النبات بذورا نادرة، فيما يرد الفراء العبارة إلى سياقها، ويكشف ما تتيحه من وجوه. لم يكن الخلاف مع مدرسة البصرة حربا بين معسكرين مغلقين، بل توترا معرفيا خصبا بين ميل إلى القياس وعناية بالسماع، وبين رغبة في إحكام النظام وإقرار باتساع الاستعمال. رأى حسن النهرين يخرجان من جهتين ثم يلتقيان في بحر العربية، محتفظين بلون تربتهما. أدرك أن الاختلاف العلمي لا يفسد وحدة الحقل، بل يمنعه من التحول إلى يقين جامد، وأن تعدد المناهج لا يعني الفوضى ما دام كل منهج يعلن أصوله وأدلته وحدوده. وفي آخر البادية وقف ثعلب يحرس كلمات أوشكت على الانقراض. كانت الألفاظ الهرمة تجلس حوله مثل مسافرين فقدوا أوطانهم، فيرد لكل كلمة شاهدا ونسبا وموضعا من الذاكرة. هناك علم حسن أن موت اللفظ ليس خسارة صوت فحسب، بل انطفاء طريقة في رؤية العالم، لأن كل تسمية تحفظ خبرة الجماعة التي صاغتها.

حسن ناظم؛ النص الذي لا صخب فيه

قاد الباب الرابع إلى غابة الاشتقاق، حيث وقف ابن دريد وابن فارس وأبو علي الفارسي وابن جني. كانت الجذور مغروسة في تربة شفافة، وكل جذر ينمو شجرة واسعة. خرج من "ك ت ب" الكاتب والكتاب والمكتوب والمكتب والمكتبة، ومن "ق ر أ" القراءة والقارئ والمقروء والاستقراء. لم تكن الفروع تكرارا للأصل، بل تحولات تكشف الطاقة الكامنة في الحروف. كان ابن فارس يرد التنوع إلى مقاييسه، فيظهر تحت الألفاظ نسب دلالي لا تراه العين المستعجلة، فيما ينظم ابن دريد الجمهرة، حافظا الكلمات التي انسحبت من التداول. أما ابن جني فكان يضع أذنه على جذوع اللغة، وينصت إلى مناسبة الأصوات للمعاني، وإلى تعاقب الحروف وإبدالها، وإلى ما يحمله البناء من قوة أو رقة أو اتساع. رأى حسن الألفاظ تستعيد أجسادها، فلم تعد إشارات عقلية مجردة، بل هواء يمر في الحلق، واهتزازا يمس السمع، وحركة تتصل بطبيعة الفعل. وفي فضاء الغابة ظهر أبو علي الفارسي مثل مهندس يبحث عن العلل التي تصل الظواهر بعضها ببعض، من غير أن يجعل العلة حيلة تفرض على اللسان من خارجه. تعلم الفتى أن اللفظ لا يبدأ لحظة استعماله، بل يأتي محملا بتاريخ أسرته، وأن القارئ الذي يقتطع الكلمة من نسبها وسياقها يفقد نصف معناها قبل أن يبدأ التأويل. وعندما بلغ نهاية الغابة، ظهرت أمامه سماء عبد القاهر الجرجاني، حيث تحولت الكلمات إلى نجوم، والجمل إلى مجرات، والنظم إلى قوة خفية تضبط العلاقات. هناك رأى لفظا عاديا يشتعل حين يوضع في مكانه، ورأى كلمة بديعة تنطفئ حين تنفصل عن حاجتها. عرف أن البلاغة ليست خزينة ألفاظ نادرة، بل هندسة علاقات، وأن المعنى لا يسكن الحجارة منفردة، بل يتولد من طريقة بناء البيت.

القارئ الذي شيد من الأسئلة مملكة للمعنى

في عصر ذلك اليوم الصيفي القائظ، عثر المزارعون على الفتى حسن مغشيا عليه عند طرف الطريق، فهبوا لنجدته، وحملوه إلى ظل نخلة، ورشوا الماء على وجهه. وعندما استعاد وعيه، كان يتمتم بأبيات ألفية ابن مالك: "ككان ظل بات أضحى أصبحا، أمسى وصار ليس زال برحا". حسب بعضهم أن القيظ أثقل رأسه، ورأى آخرون أن طول القراءة أذهب به إلى مكان لا يعود منه الفتيان على حالهم. لكن مزارعا مسنا لاحظ أن التراب العالق بثيابه لم يكن من تراب البساتين، بل كان أسود لامعا، مختلطا بشظايا دقيقة من الحروف. وعندما فتحوا ديوان المتنبي وجدوا بين صفحاته ورقة لم تكن فيه، كتبت عليها أسماء الخليل وسيبويه والرؤاسي والكسائي والفراء والأخفش والمبرد وثعلب وابن دريد وابن فارس وأبي علي الفارسي وابن جني والجرجاني. أعادوا الورقة إلى موضعها، ولم يسألوا الفتى عما رأى، لأن ملامحه كانت تحمل من الدهشة ما يجعل السؤال عبئا إضافيا. عاد حسن إلى بيته، لكنه لم يغادر القاعات السبع. ظلت أبوابها مفتوحة في داخله، وصار عمره كله امتدادا لذلك السقوط الأول. كلما أمسك كتابا رأى وراء صفحاته طبقات اللغة، وكلما قرأ جملة سمع حراسها القدامى يتفقدون علاقاتها. لم يعد الكتاب شيئا يفتح ثم يغلق، بل أرضا يدخل إليها القارئ، فتغير ترتيب نوافذه الداخلية، وتهدم جدارا أقامته العادة، وتترك فيه ممرا إلى معنى لم يكن يعرف بوجوده. بعض الكتب بدا له سهلا كالسهل المكشوف، لكنه يخفي آبارا عميقة، وبعضها ظهر جبلا مغلقا لا يمنح ممره إلا لمن صبر على تضاريسه، وبعضها كان جزيرة لا تبلغها العين من دون مؤونة من التاريخ والفلسفة واللغة.

باحث ومحقق ومترجم وناقد ثقة، هذا الناظم اللؤلؤ في سلكه، الجدير بالثقة، الأغر الأنيق في كتابته وتدبيجه، الموثوق المحكم، المدرك المطلع المبصر، الساعي في حدائق المعرفة وبستان الثقافة وروض الإدراك وجنان المعنى وفردوس الأفكار. غير أن اللؤلؤ الذي ينظمه لم يكن يعثر عليه عند سطح الماء. كان يغوص إليه في بحار عميقة، ويعود وفي كفيه أثر الملح، وفي صدره ضيق النفس الذي لا يراه القارئ. فالصفاء الظاهر في الجملة حصيلة عراك طويل مع الفوضى، والنص الرزين ربما مر بعشرات المسودات قبل أن يستقر في هيئته الهادئة. وكان لمعمار النص عنده شأن العمارة في المدن القديمة. لا يقيم الكاتب قوسا لأنه جميل فقط، بل لأن عليه أن يحمل ما فوقه، ولا يفتح نافذة لمجرد الزينة، بل كي يمنح الداخل ضوءا وهواء. كذلك المصطلح والحجة والاستشهاد والاستطراد، لكل منها وظيفة، وإذا ازدحم البناء بما لا يحتاج إليه فقد توازنه، ولو بدا مهيبا من الخارج. رأى نصوصا كثيرة تحولت أمامه إلى قصور ذات واجهات براقة، لكن أرضها رخوة، فما إن اقترب منها سؤال حتى مالت أعمدتها. ورأى نصوصا متواضعة البناء، غير أن أساسها عميق، وأبوابها تفضي إلى أروقة لا يتوقعها الداخل. وكان يستدعي الخليل ليختبر إيقاع الممرات، وسيبويه ليفحص استقامة الأعمدة، وابن جني ليصغي إلى أصوات الحجارة، والجرجاني ليعيد تنظيم المسافات بينها. لم يكن استدعاؤهم عرضا للأسماء، بل استثمارا لعدة معرفية حية، تنبه القارئ إلى أن اللغة بنية وعلاقة وصوت وتاريخ، لا غلاف شفاف يلقى فوق الفكرة بعد اكتمالها.

لم تشغله طريقة الوجبات السريعة التي يعمد إليها بعض الدارسين، ولم تغوه طريقة "املأ الفراغات التالية"، حيث يوضع اسم المؤلف في خانة، والمفهوم في خانة، والمنهج في خانة، ثم تستخرج نتيجة كانت جاهزة قبل القراءة. كان يرى في هذه الطريقة سريرا معرفيا يقاس عليه كل نص، فإن طال قطعت أطرافه، وإن قصر شد حتى تمزقت أوصاله. النص إن لم يستفز فيه الشغف والافتتان والتيم والهيام والرأم والحب، لم يمسه ولم يقربه. لا لأن القراءة نزوة عاطفية، بل لأن العمل العميق يحتاج إلى صلة تحمي الصبر من الملل. وقد يقيم مع كتاب أشهرا، يعود إلى العبارة نفسها من جهات متعددة، حتى تصبح ألفتها بابا إلى غرابتها، ويظهر تحت معناها القريب نظام لم يكن يراه. كان عاشقا مدلها بقضية القراءة، وفيا لها بإفراط، مولعا بالبناء وإعادة البناء، كلفا لهوفا بنعمة السؤال. وإذا أحب كتابا لم يحوله إلى معصوم، بل قرأه بدقة أشد، فالمحبة النقدية لا تعمي البصيرة، وإنما تمنحها الصبر على رؤية النقص من غير شماتة، ورؤية الجمال من غير عبادة. وكان المنهج عنده عدة عمل، لا قالبا يصب فيه النص. المطرقة التي تصلح للحجر قد تحطم الزجاج، والمنظار الذي يقرب البعيد لا يكشف ما تحت السطح. لذلك يختار أدواته بعد الإصغاء إلى المادة، ولا يدخل إليها مسلحا بإجابة سابقة. الفلسفة تمنحه فحص المفاهيم وشروط السؤال، وعلم الاجتماع يكشف علاقة النص بالمؤسسات والجماعات والقوة، واللسانيات تريه عمل العلامات، والبلاغة العربية تعيد انتباهه إلى النظم والمقام والتخييل. إن طرق أذنيه أنك تصفه بالناقد، أجابك بمباشرة لا لبس فيها: "لا يا أخي، إنما أنا مجرد قارئ". ولم تكن كلمة "مجرد" تقليلا من شأن القراءة، بل تجريدا لها من زوائد السلطة. الناقد قد يتوهم أنه يقف خارج النص ويحاكمه، أما القارئ فيقر بأنه يدخل في علاقة تغير الطرفين. لا يخرج من الكتاب كما دخل، ولا يترك الكتاب في وعيه على حاله. القارئ الحق لا يطلب من النص أن يكرر قناعاته، ولا يعد الاختلاف إساءة شخصية، بل يترك له فسحة المقاومة، ويترك لنفسه حق المراجعة. وكانت الكتب تعرف هذا الوفاء. إذا دخل مكتبة عدلت المجلدات وقفتها على الرفوف، وتقدمت الكتب المنسية قليلا، لعل عينه تقع عليها، بينما تخفض الكتب الصاخبة عناوينها البراقة، لأنها تعرف أنه سيسألها عما وراء الإعلان. وكان إذا فرغ من نص وضعه ليلة كاملة في غرفة الصمت، حتى تنطفئ حرارة الكتابة ويستطيع قراءته كما لو أن شخصا آخر كتبه. عندها تظهر استعارة استعرضت نفسها، ومصطلح احتل مساحة أكبر من عمله، وجملة كان يمكن أن تقول معناها بنصف الكلمات. يبدأ الحذف من غير قسوة، والإضافة من غير إسراف، حتى يستوي البناء. الصرامة المنهجية عنده ليست شرطيا يقف على باب النص، بل ضمير داخلي يسأل كل استنتاج عن سنده، وكل اقتباس عن موضعه، وكل مفهوم عن ضرورته. وإذا وجد فكرة جميلة لا يسندها الدليل، أخرجها من البحث ووضعها في دفتر الممكنات، فالجمال لا يمنح الفكرة حق التنكر في هيئة نتيجة.

حسن ناظم؛ النص الذي لا صخب فيه

ملحمة الصفاء في مملكة الصخب

حسن ناظم يعيش أحوال السعي إلى توكيد الصفاء، ويقاتل بشراسة من أجل الوضوح، غير أن معركته لا تقع في ميدان تصطك فيه السيوف، بل داخل العبارة، بين معنى يريد الظهور وزوائد تحجبه، وبين سؤال صادق وإجابة متعجلة، وبين معرفة تبني نفسها ببطء وصخب يريد اختصار الطريق إلى الادعاء. محجم عن المكرور، منصرف عن المبتذل والركيك، تأبى نفسه النص السهل المنال إذا كان سهله وليد الكسل. يمسك بعنان عدة النقد والقراءة الفاعلة، يؤهله في ذلك مرانه الشديد، وجهده السخي الوثاب، وقراءاته الواسعة في المنهجيات الحديثة، وصلته الراسخة بالميراث اللساني والبلاغي العربي. وكان الوضوح عنده غير التبسيط المخل. لا يعني أن تجعل الفكرة فقيرة كي يسهل تداولها، بل أن تنظم تعقيدها بحيث يستطيع القارئ دخولها. الغابة الواضحة لا تفقد أشجارها، وإنما تمنح العابر ممرا لا يضل فيه. أما الغموض المصطنع فضباب يطلقه الكاتب حول فراغه، ثم يطالب القارئ بالإعجاب بعمق لا وجود له. وقد عرف الفرق بين غموض أصيل ينشأ من تعقيد التجربة، وغموض مفتعل ينشأ من سوء البناء. الأول يشبه بحرا ترى سطحه وتدرك أن تحته حياة، والثاني يشبه جدارا طلي بالأزرق، ثم ادعى صاحبه أن وراءه محيطا. لذلك كان نصه واضحا من غير فقر، عميقا من غير تعمية، رصينا من غير جفاف، يستضيف المفاهيم ولا يسمح لها بأن تستولي على البيت.

في الجهة الأخرى من العالم قامت مملكة الصخب، حيث تقاس الكلمات بمقدار ارتفاعها، لا بمقدار معناها. كانت الجوائز تمنح للجملة الأعلى صوتا، والأبواب تفتح للرأي الأسرع، والكتب الهادئة تدفع إلى السراديب. لكل مواطن بوق، ولكل فكرة طبلة، حتى لم يعد أحد يسمع أحدا. وفي مركز المملكة ارتفع برج شيد من عناوين براقة، بلا أساس، لكنه بقي قائما لأن الضجيج المحيط به منع الناس من سماع تشققه. جلس في قمته مخلوق مؤلف من أفواه كثيرة، يصدر في كل ساعة حكما نهائيا في اللغة والأدب والفلسفة والتاريخ. لم يقرأ كتابا، لكنه عرف كيف يجعل جهله جازما، وكيف يحول التكرار إلى شبه إجماع. اتسعت المملكة حتى بلغت مغارة العربية، فتراجعت أرواح الكلمات إلى طبقاتها العميقة، وبقيت فوق الأرض قشورها. صار الناس يقولون "المعرفة" وهم يعنون معلومة عابرة، وينطقون "النقد" وهم يريدون الإدانة، ويرفعون راية "الحوار" فيما ينتظر كل واحد منهم لحظة صمت الآخر كي يستأنف الكلام. عندها تحرك حراس اللغة. خرج الخليل من دوائر العروض، وحمل سيبويه كتابه، وجاء الرؤاسي والكسائي والفراء والأخفش والمبرد وثعلب وابن دريد وابن فارس وأبو علي الفارسي وابن جني والجرجاني والزمخشري وابن هشام وابن مالك والسيوطي. لم يخرجوا في جيش يحمل السلاح، بل في موكب من القواعد والشواهد والجذور والعلاقات. أطلق الخليل الإيقاعات، وفتح سيبويه أبواب التراكيب، وأيقظ ابن جني طاقات الاشتقاق، فيما حمل الجرجاني شبكة النظم لإعادة وصل الكلمات بمعانيها. كان حسن بينهم لا بوصفه قائدا، بل حاملا لمصباح السؤال. صعد البرج على درجات صنعت من الادعاءات، وكل درجة كانت تصرخ باسم نظرية أو منهج، لكنها تتشقق إذا سئلت عن أصلها ودليلها. لم يواجه المخلوق بصوت أعلى، لأن الصخب لا يهزم بمزيد من الصخب. فتح مخطوطة وبدأ القراءة في صمت، بتركيز يعيد لكل كلمة وزنها. امتدت حوله دائرة هادئة، وحين لامست جدار البرج ظهرت شقوقه، فالبناء القائم على العناوين لا يحتمل قارئا يسأل عن المتن. اتسعت الدائرة، وبدأت المرايا التي كان المخلوق يرى فيها صورته تتساقط. لم يعد التكرار قادرا على التنكر في هيئة حقيقة، ولم تعد المصطلحات المعلقة في الهواء تجد ما تستند إليه. تحولت القراءة الهادئة إلى قوة ملحمية، لا تهدم الحجر، بل تكشف أنه لم يكن حجرا. ومع كل صفحة تقرأ سقط حكم متعجل، ومع كل سؤال صادق انطفأ بوق، ومع كل مصدر يعاد إلى سياقه انهارت طبقة من الادعاء. لم يحتج حسن إلا إلى عبارة واحدة: "المعنى لا يحتاج إلى هذا كله". كانت أخف من همس، لكنها أصابت قلب البرج. تطايرت العناوين، وسقطت الأحكام الجاهزة، وتقلص مخلوق الصخب حتى عاد علامة تعجب صغيرة. لم يمحها حراس اللغة، بل وضعوها في صندوق الأدوات، فهي نافعة حين ترد في موضعها، ومدمرة حين تريد أن تحكم النص كله. عادت أرواح الكلمات من المغارة والتحمت بألفاظها، فاستعادت "المعرفة" ثقلها، واستعاد "النقد" مسؤوليته، وصار "الحوار" يقتضي إصغاء لا تعاقب أصوات.

لم تتحول المملكة بعد ذلك إلى صمت مطبق، فالصمت الكامل موت آخر. عادت إليها الأصوات متعددة، لكنها وجدت بينها مسافات تسمح للمعنى بالمرور. علم حسن أن الصفاء لا يعني إزالة التعقيد، والوضوح لا يعني تسطيح الفكرة، وأن الماء الصافي قد يكون عميقا، وما يسمح برؤية القاع ليس قلة العمق، بل غياب العكارة. جاءت نصوصه تعبيرا عن النضج والوعي السابغ، حيث التفاعل العميق بين الفلسفي والسوسيولوجي والنظريات اللسانية، بإدراك لا خلط فيه. نص يقوم على الاعتبار الدقيق والصرامة المنهجية التي لا تكلف فيها. عقل حاضر باتزان، وحضور مهيب لا يحتاج إلى استعراض. وكانت أسماء القدماء تظهر فيه أحيانا، لكن أثرهم كان أعمق من أسمائهم. يسمع القارئ إيقاع الخليل في ترتيب العبارة، ويلمح سيبويه عند فحص العلاقة، ويشعر بابن جني في الانتباه إلى جسد اللفظ، ويرى الجرجاني في إدراك أن تغيير موضع كلمة يغير هيئة المعنى. لم يكونوا سلطة تمنع التجديد، بل ذاكرة تحميه من وهم البدء من العدم. وظل حسن يعرف أن التشابه بين فكرة قديمة ونظرية حديثة لا يعني التطابق، وأن استعادة السؤال لا تلغي اختلاف السياقات والأجهزة المفاهيمية. لذلك لم يحول التراث إلى مرآة للحاضر، ولم يجعل الحاضر قاضيا متعاليا على عصور لم تعش شروطه. كان يقيم الحوار بين الأزمنة بحيث تضيء الفروق مثلما تظهر الصلات، ويظل كل نص محتفظا بصوته وحدوده.

وحين يفرغ حسن من كتابة نص، ينهض النص من الورق في هيئة كائن هادئ. لا أجنحة له ولا سيوف، ولا تحيط به أضواء مبالغ فيها. يمشي بين الناس من غير أن يعلن نفسه، ويدخل إلى عقل قارئ، ثم يجلس هناك أعواما. قد ينسى القارئ عنوانه، لكنه يحتفظ بطريقة في النظر تعلمها منه. وذلك هو الخلود الذي يليق بالنصوص الرزينة: أن تستمر في أثرها بعد أن يتوارى اسمها عن الذاكرة. أما النصوص الصاخبة فتعبر الشوارع في مواكب عظيمة، ثم لا تترك خلفها غير الورق المتناثر، لأن صوتها أكبر من عمرها، وقد استهلكت طاقتها كلها في إعلان الوصول، ولم تدخر شيئا للبقاء. لم يطلب حسن من النص أن يكون خافتا على الدوام، فثمة لحظات يحتاج فيها الحق إلى نبرة حازمة، لكنه ميز بين القوة والصخب. القوة أن تحمل العبارة معناها كاملا، أما الصخب فأن تحاول تعويض نقص المعنى بارتفاع الصوت. القوة رسوخ، والصخب خوف متنكر في هيئة يقين. وهكذا ظل النص الذي لا صخب فيه يمشي على أطراف المعرفة، حاملا حجته ومصباحه، لا يطلب من العالم أن يصمت إعجابا به، بل يمنحه فسحة كي يسمع نفسه. يزيل وهما، ويعدل مفهوما، ويفتح نافذة، ويترك سؤالا مضيئا عند نهاية الممر، ثم يغادر من غير موكب، بينما يبقى أثره يعمل في الداخل.

وعند الفجر، يعود حسن في الرؤيا إلى الطريق الترابي الأول، متأبطا ديوان المتنبي، فيما تسير حوله ظلال الخليل وسيبويه والرؤاسي والكسائي والفراء والأخفش والمبرد وثعلب وابن دريد وابن فارس وأبي علي الفارسي وابن جني والجرجاني والزمخشري وابن هشام وابن مالك والسيوطي. لا يحيطون به كحاشية، بل يمشون داخل خطواته، كل واحد منهم يحمل مصباحا أضاء ناحية من اللغة. تمتد أمامهم بساتين لا تنتهي، أشجارها كتب، وسواقيها أسئلة، وثمارها معان لم تنضج بعد. وقد تزل قدم القارئ مرة أخرى، فيهوي إلى طبقة أعمق، لكنه لا يخشى السقوط، لأن الهبوط في المعرفة صعود من نوع آخر. وحين يعثر عليه الناس، لا يرون المجمع ولا المغارة ولا شجرة العربية. يرون رجلا منحنيا على نص، يراجع كلمة، أو يزن علاقة، أو يختبر دليلا. لا يعرفون أن وراء ذلك السكون ملحمة كاملة، وأن الجملة التي وصلت إليهم مرت على مجالس العلماء، وعبرت أنهار الاشتقاق، وتسلقـت معمار النظم، ونجت من مملكة الصخب قبل أن تستقر صافية. ذلك هو حسن ناظم، القارئ الذي لا يرفع صوته لأن المعنى حاضر، والباحث الذي يعرف أن الحرف الصغير قد يحمل قبة، وأن الجملة الهادئة قد تعبر قرنا، وأن الصمت ليس غياب الكلام، بل الفضاء الذي يستعيد فيه الكلام روحه. فإذا أغلق المتلقي الصفحة الأخيرة، ولم يسمع دويّا ولا هتافا، لكنه وجد أن كلمة استعادت معناها، أو أن سؤالا خرج من سجنه، أو أن نافذة انفتحت على حديقة لم يكن يراها، فقد أدى النص مهمته. وفي ميزان اللغة، حيث توزن الكتابة بما يبقى منها بعد أن تهدأ الأصوات، يكون ذلك التغير الخفي أثقل من ممالك الصخب كلها.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٥٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة


من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار 

قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين
قراءات

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار  قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين

رواية (عالم زي... زو) للاديب مهدي علي أزبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية ، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإسان ، بمعى آخر هو عالم قتل الروح الاإسانية ، وتحول دماغ الاإسان الى مجرد آلة بدون إحساس وشعور ... حيث يحضر الروبوت أكس كشخصية محورية في العالم الرقمي لحل…

· 4 د
رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد 
مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي
قراءات

رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي

رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي بقلم: د. مراد ترغيني تُمثّل رواية التكوين والبلوغ (Bildungsroman) أحد أرفع الأشكال الروائية التي انشغلت برصد التحولات النفسية والمعرفية للإنسان؛ إذ تُعنى بتتبع مسار الشخصية المحورية من طور العفوية الساذجة والامتثال…

· 13 د
صلاة العارف في حضرة الوطن

قراءة في قصيدة (يا سيدي) للشاعرة د. ليلى الصيني
قراءات

صلاة العارف في حضرة الوطن قراءة في قصيدة (يا سيدي) للشاعرة د. ليلى الصيني

الوجد الذي ينتاب قصائد د. ليلى الصيني يعبر عن مشهدية اللوعة والوجع والحب للأوطان وهي تخوض غمار التحديات الوجودية، فهي الأوطان التي أعبتها الحروب والويلات ولم ينجُ منها أحد. في هذه القصيدة وسواها نلمس توأمة الحزن الداخلي للشاعرة مع الوجع الجمعي، فتشكل مدونة شعرية إنسانية وطنية يفوح منها أنين الحرقة…

· 3 د