انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

تجليات اللاوعي وهواجس العزلة في شخوص المجموعة القصصية ما زالت الريح تدمن الكذب للقاص باسم حبوب العذاري

عبد الحسين الشيخ علي
عبد الحسين الشيخ علي

ناقد وأديب عراقي

8 دقائق للقراءة
23 مشاهدة
تجليات اللاوعي وهواجس العزلة في شخوص المجموعة القصصية ما زالت الريح تدمن الكذب للقاص باسم حبوب العذاري
مشاركة:

يفتتح العنوان ما زالت الرياح تدمن الكذب البوابة التأويلية الأولى للمجموعة القصصية للقاص العراقي باسم حبوب العذاري حيث يمكن مقاربته عبر المنهج السيميائي والتشكيل البنيوي بوصفه عتبة نصية مكثفة تختزل الرؤية الكونية للمجموعة فالرياح هنا ليست مجرد ظاهرة طبيعية بل تتحول إلى كائن سيميائي يحمل صفة الإدمان على الكذب وهو ما يحيل إلى التقلب والغدر والزيف المحيط بالواقع الإنساني والسياسي والاجتماعي الذي يعيشه أبطال القصص وتتحرك نصوص المجموعة في مدارات سردية تتداخل فيها المناهج النقدية بين النفسي والاجتماعي والبنيوي لتشكل لوحة متكاملة عن الذات العراقية المثخنة بالجراح والحروب

في قصة فكرة مذهلة ص / 7 يبرز المنهج النفسي من خلال تسليط الضوء على مشاعر الغيرة والعجز البشري أمام الإبداع المفاجئ حيث يعيش السارد صراعاً داخلياً مريراً حين يكتشف أن صديقه الذي لم يحلم يوماً بأن يكون قاصاً قد كتب قصة مذهلة ليتضح في النهاية عبر تفكيك بنيوي ذكي أن الفكرة مسروقة من رواية قديمة مما يعيد تعزيز ثيمة الكذب والزيف المفتتحة في العنوان وتنتقل المجموعة في قصة قبل شروق الشمس ص / 10  نحو عوالم الفانتازيا والواقعية السحرية التي يفككها منهج التلقي حيث يتداخل الحلم بالواقع عبر زيارة امرأة ملائكية لمدينة الصفيح لينتهي السرد باستيقاظ البطل على وسادته المبللة بالدموع في دلالة نفسية على الرغبة في الانعتاق من بؤس الواقع بينما تقدم قصة وجهة نظر ص / 13 . مفارقة سردية ساخرة ترصد تباين المواقف الإنسانية تجاه مفهوم الألم والموقف الصعب لتمثل قراءة في التفاوت الطبقي والنفسي بين البشر

ويكشف المنهج النفسي والوجودي عن أقصى تجلياته في قصة خطوط محرمة ص / 14 . حيث يتم تشبيه البطلة بالشهب المحترقة السائرة نحو المجهول ويتجلى عجز الحبيب عن اختراق الخطوط المفروضة والقدر المحتوم لينتهي اللقاء برحيلها دون التفات وتأتي قصة رسالة ص / 17 لتقدم تجربة الاقتراب من الموت أو البرزخ النفسي حيث يرى البطل شريط حياته يمر أمامه في لحظة خاطفة قبل أن تعود روحه إلى جسده لتمثل الصدمة النفسية أداة لمراجعة الذات وفي قصة خوف مركب ص / 19 . يتعمق التحليل النفسي الفرويدي عبر ربط الفوبيا الحالية للبطل من البحر بصدمة غرق حقيقية عاشها في طفولته مما يثبت أن اللاوعي يظل مخزناً للصدمات القديمة التي تنعكس على الأحلام والكوابيس المتكررة

أما المنهج الاجتماعي والواقعي فيبرز بقوة في قصة الألم الدفين ص / 23 .  من خلال رصد المعاناة السياسية والاجتماعية عبر تذكر الأب والجد للعم المطلوب من النظام السابق والمنفي عن وطنه وتتحول الأبوذية الشعرية إلى وثيقة اجتماعية تعبر عن لوعة الفراق والانتظار الذي ينتهي بالموت قبل اللقاء وتأتي قصة فزاعة ص / 26 . لتعكس برمزية بنيوية واجتماعية عالية واقع الخوف والتهديد حيث يتحول البشر إلى ثعالب عابثة ويتحول صاحب البيت إلى فزاعة تحمل بندقية صيد لحماية وجوده وفي قصة غياب ص / 28 . يعود المنهج النفسي ليمتزج بالواقعي من خلال رصد وجع الفقد وهجرة الأصدقاء وصدمة رؤية الأخ الشهيد في التابوت وهو ما يتكرر في قصة هواجس متعبة التي تبحث في دهاليز الشك النفسي والوساوس العاطفية وعذابات العزلة بعد رحيل الجميع

تجليات اللاوعي وهواجس العزلة

في شخوص المجموعة القصصية ما زالت الريح تدمن الكذب للقاص باسم حبوب العذاري

وتعد قصة مشاهد متكررة ص / 32  ذروة المنهج الاجتماعي التاريخي في المجموعة إذ تقدم ملحمة تراجيدية للمرأة العراقية التي تواجه قسوة الحياة بعد موت زوجها الخارج من المعتقل ثم ذهاب ابنها الوحيد إلى الجهاد الكفائي ليعود إليها شهيداً في سيارة حمل محملة بالتوابيت الخشبية القاتلة في إعادة إنتاج مأساوي لمشهد الفقد المتكرر في البيوت العراقية وتلطف قصة ذات صباح هذا السواد السردي عبر لقطة عفوية في حافلة عامة تجسد توهجاً عاطفياً عابراً وسريع الانطفاء ليعود الكاتب في قصة سفر التجلي ص / 40 . إلى المنهج الفلسفي الصوفي من خلال رحلة البحث عن الحقيقة والأسئلة الوجودية الدائرية التي تنتهي بالعثور على الله وفي قصة صور عالقة ص 42 . يعود القاص لرصد أهوال الحرب الشتوية والخنادق ومتاريس الموت التي تكوي رئة الجنود لتترك في نفوسهم وجوماً غريباً وشحوباً بلا ملامح

وتستمر المجموعة في تفكيك العزلة الإنسانية ففي قصة لا أحد يهتم ص / 44 . نرى البطل يكابد وجعه وحيداً وسط غياب الوعي والخطوط المعتمة بينما تستدعي قصة شغب الطفولة الحنين إلى الماضي والملاذ الآمن المتمثل في الأب الذي رحل ولم تعد ترتجى عودته وتقدم قصة دون جدوى مسحة من الفانتازيا المرعبة حول ضياع الصبية وكتابة وصيتها بالدماء على خارطة القدر ويعالج الكاتب في قصة جرح يتمرد على الشفاء البعد السيكولوجي للطبقية والكرامة الإنسانية من خلال قصة الطفل الذي جرحته مئة فلس قدمها له قريبه الغني بمذلة ليظل هذا الجرح حياً في نفسه حتى بعد كبره وتبدل أحوال القريب وتأتي قصة أمنية ص / 50 . لتبين عبر حوارية حالمة أن تحقق الأمنيات قد يكون أحياناً أشد حزناً من بقائها أحلاماً لأن الواقع يشوه بريق المخيلة

وفي النص الطويل المستفيض صورة ناصعة البياض ص / 52 يمتزج المنهج الاجتماعي بالبنيوي والسياسي ليقدم توثيقاً سردياً للحظة انهيار القطعات العسكرية وسقوط المدن وظهور عصابات داعش الوحشية الكالحة ويرصد الكاتب من خلال شخصيات علي وزيد والنقيب المسيحي عصام قيم البطولة والمقاومة والأخوة الإنسانية والدفاع عن الأرض مستعرضاً تفاصيل المعارك وروائح البارود الخانقة وتلاحم المتطوعين لصد الإرهاب ليمثل النص لوحة واقعية حية للضمير الجمعي العراقي في مواجهة الفوضى والخيانة وتكشف قصة التفاتة عن صدمة الفصام بين الحلم والواقع حيث يستيقظ السارد ليكتشف أن صديقه مات محترقاً في سيارته منذ سنوات وأنه كان يجلس بجانبه وفي قصة صور حبيسة يتأمل السارد لعنة الوقت التي تغير الميول والذاكرة وتسرق التفاصيل الجميلة بينما تقدم قصة في كل شهر لقطة واقعية عن قيم الإيثار والجيرة الطيبة رغم الفقر وفي قصة لم ألتفت يمتزج هاجس الشهرة بوعي الكتابة وسط أكوام الصفيح

وتختتم المجموعة بقصص تحمل أبعاداً نقدية وتربوية وفلسفية ففي قصة الدرس ص / 68 الأخير يتتبع المنهج النفسي والتربوي سيكولوجية الصبي المدمن على السرقة وكيف ينقلب السحر على الساحر حين يتم القبض على صديقه الناصح بتهمة السرقة وتقدم قصة المعلم الجهول ص / 72 إسقاطاً سياسياً واجتماعياً لاذعاً عبر المنهج الثقافي حول تزييف الوعي الجمعي وتدجين العقول الصغيرة التي تقبل بتغيير لون السماء حسب أهواء السلطة الجاهلة وسط صمت الكبار وتناقش قصة الجداول الحزينة  ص / 74 فلسفة الخيارات الخاطئة والتضحيات القاتلة في العلاقات الإنسانية مستشهدة بقصة الفأرة والقط لكافكا وفي قصة استفاقة حقيقية  ص / 78  يصل السرد إلى المنهج الغيبي السريالي عبر تصوير مشهد البعث والنشور وشهادة الجوارح التي تجسد اليد والقدم كأشخاص ينطقون بالحق مما يربك الحسابات البشرية القاصرة وتنتهي قصة خلق ص / ص 80  برمزية علمية وراثية حول صناعة كائن مشوه ومعدل من عناصر الشر والتدمير لغرض الجشع المالي ليعود البوح النفسي في قصة هواجس حبيسة ص / 82 ليعلن أن الأبجدية التي تفتح قلوب من نحبهم قد تكون هي نفسها التي تحرقنا في النهاية لتكتمل الدورة الدلالية للمجموعة التي تؤكد أن الرياح ما زالت تدمن الكذب وأن الذاكرة العراقية ستظل تبحث عمن يخرج لها شهادة الوفاة من وسط الخرائب والبيوت المهدمة

راي الناقد والمؤاخذات النقدية

يرى الناقد في مجموعة ما زالت الريح تدمن الكذب لباسم حبوب العذاري وثيقة إنسانية بالغة الأثر تمكنت من التقاط شظايا الوجع العراقي وتحويله إلى مادة سردية خصبة تمتاز بلغة شعرية دافقة وانسيابية عالية تجعل النصوص تتدفق كشلال من الوعي واللاوعي المشترك بين الكاتب والمتلقي حيث نجح القاص في توظيف تقنيات المونولوج الداخلي والفلاش باك لكسر جمود الزمن السردي التقليدي وجعل القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة وتأويل النهايات المفتوحة التي تحفز التفكير وتكشف عن عمق المأساة الوجودية للشخصيات

أما المؤاخذات النقدية التي يمكن تسجيلها على المجموعة فتمثل أولاها في الهيمنة الواضحة لنبرة الحزن على مناخات القصص كافّة مما قد يصيب المتلقي بنوع من الإحباط أو الثقل النفسي نتيجة غياب مساحات الأمل أو الانفراجات الدلالية في معظم النصوص وثاني هذه المؤاخذات هو الإفراط في شعريّة اللغة على حساب التدفق الحدثي في بعض المقاطع القصصية مما أدى إلى ترهل البناء الدرامي وتحول القصة في مواضع معينة إلى ما يشبه قصيدة النثر أو البوح الوجداني الذي يضعف من تنامي الصراع وحركية الشخوص كما أن هناك تكراراً ملحوظاً في الثيمات مثل الفقد والموت والحروب والتوابيت والانتظار العبثي ورغم أن هذا التكرار يعكس واقعاً معاشاً إلا أنه أوقع بعض القصص في فخ النمطية وجعلها تبدو كنسخ مكررة من رؤية تراجيدية واحدة دون تنويع في المقاربات الفنية

وتتجلى رسالة القاص من خلال هذه المجموعة في صرخة احتجاج مدوية ضد زيف الواقع وتقلبات السياسة وغدر الحروب التي تلتهم أحلام الأبرياء وتتركهم فريسة للخوف والضياع إنها رسالة تعرية للمظاهر الخادعة التي ترمز إليها الريح الكاذبة ودعوة صريحة للتمسك بالقيم الإنسانية النبيلة والبطولة والتلاحم في مواجهة قوى الظلام والإرهاب مع التأكيد على أن الذاكرة الحية لا بد أن تظل تقاوم النسيان وتوثق جراحات الوطن وتنتصر للضحايا والمهمشين والفقراء في مدن الصفيح لعل وعسى يستفيق الوعي الجمعي ويبحث عن حقيقته الضائعة وسط ركام الأكاذيب والخرائب المحيطة به .

الغلاف

تظهر القراءة السيميائية والبصرية تشكيلاً جمالياً ودلالياً مكثفاً يتناغم بقوة مع الثيمات الوجودية والنفسية الكامنة في المجموعة القصصية للقاص باسم حبوب العذاري حيث يهيمن على اللوحة المركزية مشهد بحري غامض ومضطرب يجسد صراعاً أبدياً بين الإنسان والطبيعة أو بين الذات ومصيرها المجهول وتبرز السفينة الشراعية بأشرعتها الصفراء المضاءة بنور يقاوم العتمة كرمز للرحلة الإنسانية الشاقة وسط أمواج متلاطمة ورغوة بيضاء تعكس عنفوان الحركة واضطراب الواقع المعيش المحيط بالشخصيات بينما يضفي القمر المكتمل في سماء زرقاء داكنة مسحة من الهدوء الحذر والترقب الوجودي وكأنه شاهد صامت على الأكاذيب والتقلبات التي تمارسها الرياح وتلعب الألوان دوراً حاسماً في إيصال الشحنة العاطفية للنصوص حيث يمثل التباين بين زرقة البحر العميقة واللون الأصفر الساطع للأشرعة ثنائية الأمل واليأس أو الحقيقة والزيف التي افتتحها عنوان ما زالت الرياح تدمن الكذب المكتوب بخط لافت في أعلى الغلاف مسبوقاً باسم الكاتب بخط ناعم ومتزن وفي أسفل الغلاف تكتمل الهوية المؤسساتية والثقافية للعمل عبر الشريط الذي يحمل شعار منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مع تحديد جنس العمل الأدبي بكلمة قصص مما يمنح الغلاف ككل بنية بصرية متماسكة تبدأ من النصية اللغوية في الأعلى وتمر باللوحة التعبيرية الفنية في المنتصف لتستقر عند التوثيق المعرفي في الأسفل مشكلةً عتبة بصرية تختزل مأساة الانتظار والرحيل ومواجهة المجهول في السرد العراقي المعاصر

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٠٠ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة


من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار 

قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين
قراءات

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار  قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين

رواية (عالم زي... زو) للاديب مهدي علي أزبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية ، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإسان ، بمعى آخر هو عالم قتل الروح الاإسانية ، وتحول دماغ الاإسان الى مجرد آلة بدون إحساس وشعور ... حيث يحضر الروبوت أكس كشخصية محورية في العالم الرقمي لحل…

· 4 د
رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد 
مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي
قراءات

رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي

رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي بقلم: د. مراد ترغيني تُمثّل رواية التكوين والبلوغ (Bildungsroman) أحد أرفع الأشكال الروائية التي انشغلت برصد التحولات النفسية والمعرفية للإنسان؛ إذ تُعنى بتتبع مسار الشخصية المحورية من طور العفوية الساذجة والامتثال…

· 13 د
صلاة العارف في حضرة الوطن

قراءة في قصيدة (يا سيدي) للشاعرة د. ليلى الصيني
قراءات

صلاة العارف في حضرة الوطن قراءة في قصيدة (يا سيدي) للشاعرة د. ليلى الصيني

الوجد الذي ينتاب قصائد د. ليلى الصيني يعبر عن مشهدية اللوعة والوجع والحب للأوطان وهي تخوض غمار التحديات الوجودية، فهي الأوطان التي أعبتها الحروب والويلات ولم ينجُ منها أحد. في هذه القصيدة وسواها نلمس توأمة الحزن الداخلي للشاعرة مع الوجع الجمعي، فتشكل مدونة شعرية إنسانية وطنية يفوح منها أنين الحرقة…

· 3 د