انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المنحى الدرامي في شعر السيّاب

عواد علي
عواد علي

كاتب وناقد عراقي

4 دقائق للقراءة
30 مشاهدة1 تعليق
المنحى الدرامي في شعر السيّاب
مشاركة:

أسهم الشاعر بدر شاكر السيّاب في نقل القصيدة العربية من فضاء الغنائية الذاتية المغلقة إلى فضاءٍ أكثر رحابةً وتعقيدًا، تتداخل فيه الذوات، وتتصارع الأصوات، وتتقاطع الأزمنة، وتتشابك الأسطورة مع الواقع. ولعلّ من أهمّ التحوّلات التي شهدها شعر السيّاب هو تحوّله إلى المنحى الدرامي، سواء على مستوى البناء الشعري، أو على مستوى الرؤية، أو في طبيعة العلاقة بين الشاعر والعالم.

مسرح داخلي

لم يعد الشعر عند السيّاب مجرّد بوحٍ ذاتي أو نشيد عاطفي، بل أصبح مسرحًا داخليًا تتصارع فيه القوى: الحياة والموت، الخصب والجدب، الأمل واليأس، الفرد والجماعة، الحلم والهزيمة. ومن هنا تبرز أهمية دراسة المنحى الدرامي في شعره بوصفه عنصرًا بنيويًا وجماليًا، لا مجرّد تقنية عابرة.

الدرامية في الشعر لا تعني بالضرورة كتابة نص مسرحي، بل تعني انتقال القصيدة من التعبير الأحادي الصوت إلى التعدّد الصوتي، ومن الوصف الساكن إلى الفعل والصراع، ومن اللحظة الشعورية الخالصة إلى المشهد. ويقوم المنحى الدرامي على عناصر أساسية، من أبرزها:

الصراع (النفسي، الاجتماعي، الوجودي)، تعدّد الأصوات والأقنعة، الحوار الداخلي أو الخارجي، الزمن المتحرّك لا الزمن الغنائي الساكن، والشخصية الشعرية التي قد تكون الشاعر نفسه أو قناعًا أسطوريًا أو تاريخيًا.

وهذه العناصر جميعها حاضرة بقوّة في تجربة السيّاب، وإنْ تفاوتت درجات حضورها من مرحلة إلى أخرى.

بدأ السيّاب مسيرته الشعرية متأثرًا بالرومانسية العربية والإنجليزية، حيث كانت قصائده الأولى مشبعة بالحنين، والألم الذاتي، والعاطفة الفردية. غير أنّ هذا الصوت الغنائي سرعان ما بدأ يتشظّى ويتحوّل، بفعل عوامل عدّة، أهمها: التحوّلات السياسية العاصفة في العراق، تجربة السجن والمنفى والملاحقة، المرض والفقر والإحساس المبكّر بالموت، والاطلاع الواسع على الشعر الغربي الحديث، لا سيما شعر ت. س إليوت وإزرا باوند.

هكذا لم يعد الشاعر قادرًا على الاكتفاء بصوتٍ واحد، بل أصبح مضطرًا إلى تشخيص ألمه وتحويله إلى صراعٍ دراميّ، تتداخل فيه الذات الفردية مع المصير الجمعي.

لقد احتلّ الصراع موقع القلب في شعر السيّاب.، فهو شاعر مأزوم، لا يعيش العالم بوصفه انسجامًا، بل بوصفه تناقضًا دائمًا. ويمكن تمييز عدّة مستويات من الصراع في شعره:

المنحى الدرامي في شعر السيّاب

- الصراع الوجودي

يظهر هذا الصراع بوضوح في قصائد المرض والموت، حيث يتحوّل الجسد إلى ساحة معركة، وتغدو القصيدة مواجهة مفتوحة مع الفناء. ففي نصوصه المتأخرة، لا نقرأ شاعرًا يصف الألم، بل شاعرًا يمثّله دراميًا، كأننا أمام مونولوج تراجيدي طويل.

- الصراع الاجتماعي والسياسي

السيّاب شاعرٌ مسكون بالمأساة العراقية: الفقر، القمع، الخيبات، والانقلابات. غير أنّه لا يقدّم خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل يُحوّل هذه الوقائع إلى دراما شعرية، يكون فيها الشعب شخصيةً مأساويةً، والسلطة قوةًً غاشمةً، والشاعر شاهدًا وجزءًا من المأساة في آنٍ واحد.

الصراع بين الأمل واليأس

يتجسّد هذا الصراع في ثنائية الخصب/ الجدب، المطر/ القحط، والحياة/ الموت، وهي ثنائيات ذات طبيعة درامية، تقوم على التوتّر والانتظار والانفراج المؤجَّل.

وتُعدّ الأسطورة من أبرز الآليات التي عزّزت المنحى الدرامي في شعر السيّاب، فهو لم يستخدم الأسطورة استخدامًا زخرفيًا، بل جعلها بنيةً دراميةً موازيةً للواقع، فشخصيات مثل تموز، وعشتار، والمسيح، وأوديب، تتحوّل إلى أقنعة شعرية تعبّر عن مأساة الإنسان العراقي المعاصر. في قصيدة "أنشودة المطر"، مثلًا، يشكّل المطر عنصرًا دراميًا يرمز إلى الخلاص المؤجَّل، ويضع القارئ أمام مشهدٍ مأساويّ: أرض عطشى تنتظر الفداء، وشعب يرزح تحت الألم، وزمنٌ معطوب لا يلد خلاصه إلا عبر الألم.

من أبرز مظاهر الدرامية في شعر السيّاب تفكّك الصوت الواحد، فالشاعر لا يتحدّث دائمًا بضمير المتكلم المباشر، بل يتخفّى وراء: صوت الفلاح، صوت الأم، صوت الميت. صوت الإله الأسطوري، وصوت الوطن الجريح.

وهذا التعدّد يمنح القصيدة طابعًا مسرحيًا، حيث تتجاور الأصوات وتتداخل، وتنتج توتّرًا دراميًا غنيًا، يجعل القارئ مشاركًا في بناء المعنى، لا متلقيًا سلبيًا.

المشهدية والحوار

يتميّز شعر السيّاب بقدرة لافتة على بناء المشهد، سواء أكان مشهدًا طبيعيًا (القرية، النهر، المطر) أم مشهدًا نفسيًا داخليًا. وغالبًا ما تتخلّل هذه المشاهد عناصر حوارية، وإن جاءت ضمنية، تُضفي على النص بعدًا تمثيليًا، فالقصيدة عنده لا تُروى، بل تُشاهَد: نرى الشخصيات، نسمع الأصوات، ونحسّ بحركة الزمن، وكأننا أمام مشهد درامي مكثّف.

بلغ البعد الدرامي في شعر السيّاب ذروته في قصائد المرض، حيث تحوّلت حياته نفسها إلى مادة تراجيدية. غير أنّ السيّاب لم يسقط في المباشرة أو الشكوى السطحية، بل ارتقى بألمه إلى مستوى الرمز، فغدا الجسد المريض رمزًا لوطنٍ مريض، وصار الموت الشخصي استعارةً لموت الحلم الجماعي.

وهنا تتجلّى عبقريته الدرامية: إذ استطاع أن يحوّل التجربة الذاتية إلى مأساة إنسانية عامة، دون أن يفقد صدقه أو توهّجه الشعري.

إنّ المنحى الدرامي في شعر السيّاب ليس مجرّد تقنية فنية، بل تعبير عميق عن رؤية شاعرٍ عاش عصرًا مأزومًا، ولم يجد في الغنائية الخالصة ما يكفي لاحتواء ألمه وألم شعبه، فاختار الدراما بوصفها الشكل الأقدر على تمثيل الصراع، والتناقض، والانكسار، والانتظار. ومن خلال هذا المنح الدرامي، أسّس لقصيدة عربية حديثة تُمثّل الوجود، وتضع الإنسان العربي في قلب المأساة، بوصفه شخصية درامية تبحث، عبر الألم، عن معنى الخلاص.

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٠٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة


من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار 

قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين
قراءات

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار  قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين

رواية (عالم زي... زو) للاديب مهدي علي أزبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية ، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإسان ، بمعى آخر هو عالم قتل الروح الاإسانية ، وتحول دماغ الاإسان الى مجرد آلة بدون إحساس وشعور ... حيث يحضر الروبوت أكس كشخصية محورية في العالم الرقمي لحل…

· 4 د
رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد 
مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي
قراءات

رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي

رواية "باب الدروازة" لعلي لفته سعيد مسارات التكوين وصدمة البلوغ في المتخيل السردي بقلم: د. مراد ترغيني تُمثّل رواية التكوين والبلوغ (Bildungsroman) أحد أرفع الأشكال الروائية التي انشغلت برصد التحولات النفسية والمعرفية للإنسان؛ إذ تُعنى بتتبع مسار الشخصية المحورية من طور العفوية الساذجة والامتثال…

· 13 د
صلاة العارف في حضرة الوطن

قراءة في قصيدة (يا سيدي) للشاعرة د. ليلى الصيني
قراءات

صلاة العارف في حضرة الوطن قراءة في قصيدة (يا سيدي) للشاعرة د. ليلى الصيني

الوجد الذي ينتاب قصائد د. ليلى الصيني يعبر عن مشهدية اللوعة والوجع والحب للأوطان وهي تخوض غمار التحديات الوجودية، فهي الأوطان التي أعبتها الحروب والويلات ولم ينجُ منها أحد. في هذه القصيدة وسواها نلمس توأمة الحزن الداخلي للشاعرة مع الوجع الجمعي، فتشكل مدونة شعرية إنسانية وطنية يفوح منها أنين الحرقة…

· 3 د