تندرج رواية الكاتب الروائي الجزائري الطاهر وطّار (الشمعة والدهاليز) ضمن الروايات الحديثة البناء، إذ تتعالق فيها الواقعية تارة بالغرائبية، والوقائع التسجيلية بالمتخَيّلة شبيهة المواجد الصوفية، فتتداخل الأزمنة والأمكنة، ومعها يتبادل عدد من شخصيات الرواية الرئيسة: الشاعر/ الشخصية الأولى، عمّار بن ياسر/ الاسم الحركي لزعيم انتفاضة المجاميع "المتديّنة"، وزهيرة/ المعشوقة التي يُطلق عليها الشاعر اسم (الخيزران)، ثم والدتها التي يظهر دورها في قسم (الشمعة) من الرواية، سرد تفاصيل تُغنيها بما يكشفون عنه من مواقفهم كلٌّ من موقعه، فضلاً عمّا يلتقطه المتلقي/ القارئ من أفواه شخصيات ثانوية تتحرك في فصلَي الرواية: دهليز الدهاليز والشمعة.
ولكي يُجنّب الطاهر وطّار متلقيه الوقوع في حالات لبس يفرضها عليه أسلوبه السردي غير التقليدي، سيقدّم لروايته هذه توضيحاً ذكر فيه: "على خلاف باقي رواياتي، هذا العمل، لم أستطع الالتزام حتى بجزء من المخطط الذي وضعته لها، وجدتُني أخضع لجدلية العلاقة بين الشكل والمضمون. فما أن تبلورت الأحداث في ذهني، حتى وجدتُني في دهليز يُفضي إلى دهليز، سواء أكانت وقائع، أو حالات نفسية، أو ما يثيره كل ذلك من أبعاد متممة" (ًص5)، ويذكر عن زمن الرواية: "الزمن ليس زمناً تاريخياً، متسلسل، أو ممنطق ومحسوب [هكذا]. إنه زمن أهل الكهف، زمن التذكُّر، والتنقّل من هذه اللحظة، إلى تلكم، من هذه الواقعة إلى تلك. ولقد تعمّت حيناً واضطررت حيناً آخر، إلى طيّ الزمن، وجعله وقتاً حلميّاً، يقع في مناطق مظلمة ومناطق مضاءة، مناطق واعية ومناطق موهومة، الإحساس فيها يغلب طولها وقِصَرها" (ص6)، وفيها نقرأ أيضا: "تجري وقائع الرواية قبل انتخابات 1992، التي خلقت ظروفاً أخرى لا تعني الرواية، في هدفها الذي هو التعرف على أسباب الأزمة وليس على وقائعها، وإن كنت وظّفت بعضها".
ينطلق الفصل الأول من الرواية (دهليز الدهاليز) من لحظة استيقاظ بطلها الرئيس (الشاعر) الذي سنعرف تاليّاً أنه مدرّس لمادة علم الاجتماع في معهد إعدادي، ويسكن في منطقة ريفية مختاراً العزلة عن جيرانه حتى: "مرعوباً، على أصوات تمزق سكون الليل، المجروح بالأنوار المنبثّة في الشوارع"، وقد جعل من سكنه ما وصفه بدهليز يجعل منه "أحد أضرحة بني آجدار في تاهرت [ مدينة جزائرية]"، وقد قاده ما قرأه لعلماء الاجتماع ـ فضلاً عن إعجابه بالمعتزلة ـ إلى تصور العصر دهليزاً كبيراً مظلماً وغامضاً، لنتبين بعد نزوله إلى الشارع أنه بمواجهة "مجاميع من الشبان الذين نزعوا سراويلهم، وارتدَوا الجلابيب، وأطلقوا اللحى، واستسلموا لسرداب من سراديب الماضي يمتصّهم"، على الرغم من أن "معظمهم زار أوربا، بل يحلم بأن يظل يروح ويجيء إلى أوربا يبيع ويشتري، ولربما يرتكب الآثام"، لكنهم تحولوا سريعاً إلى متديّنين متطرفين رافضين السلطة التي يصفونها بـ (المتفرنسة)، التي يديرها قادة من "النخبة التي تثقفت في مدارس ومعاهد وجامعات الاستعمار" (ص20)، وهو ـ الشاعر/المدرّس نفسه ـ من خرّيجيها، مثلما سيعرف المتلقي تالياً، لأن الشعب الجزائري اعتاد في مرحلة الثورة على المستعمر الفرنسي ربط الإسلام بالعروبة، عبر اللغة أولاً، لذا رأى هؤلاء الشبان في القادة أنهم: "لم يتعرّبوا، ولم يفرضوا على الإدارة التي ورثوها من المستعمر أن تتعرّب. وبينما راحت الروح الوطنية تشحب، راح روح التقليد للسيد السابق يقوى من طرف المسود، وراح الشعب بفئاته المختلفة، يرفض أن يكون مرة أخرى مسوداً لنفس السيد، أو بالأصح لسيد مزيَّف" (صص20 ـ 21).
وعندما يلتقي الشاعر بأحد أبرز قادة مجاميع الشبّان، سيعرف منه أن اسمه الحركي (عمّار بن ياسر)، يبدأ بين الاثنين حوار عن الإسلام الحقيقي والديمقراطية وتوزيع الثروة، لتتكشف أمام المتلقي ثقافة الشاعر الدينية المتنورة، والعقلية المعتزلية والفكرية الماركسية، وهي مما يقير إعجاب القائد به ويدعوه للانضمام إلى صفوفهم، فيسأله الشاعر: "يا صاحبي، هل تعتقد أن الإمام علي كرّم الله وجهه، كان مُحقّاً عندما كان يفرّق كل ما بين يديه من مال، ويغسل بيت مال المسلمين بالماء، كي لا تبيت ملوّثة بوسخ الدنيا، على حد تعبيره. المسألة وما فيها، هي الفهم" (ص28)، وحين يُخبره القائد الشاب بحاجة الحركة لأمثاله، يسأله: "أتتحدث جادّاً؟ فبعض الحركات ينبغي أن تستغني عن العقل، في مرحلة من مراحلها. لو يركن الناس باستمرار إلى العقل، يتوقفون عن صنع التاريخ. لقد قال أحدهم، يخطط لها [الثورات] الحكماء، وينفذها المجانين"، فيطلب منه القائد الشاب إكمال العبارة "ويستولي عليها الجبناء"، واعداً الشاعر بأنهم سيحققون "ثورة إسلامية، ثورة ربّانية، تخالف كل ما أنجزته المعتقدات الوضعية... سنوقد شمعة الخلافة إن شاء الله رب العالمين، من هنا، من المغرب الأوسط" (ص30).

في مقطع تالٍ من فصل الرواية الأول؛ سينتقل الطاهر وطّار بالرواية إلى مرحلة الثورة على الاستعمار، فيسرد وقائع من سيرة الشاعر وتطلّعه وأسرته إلى إكمال دراسته في (الثانوية الفرنسية الإسلامية) في قسنطينة، وقد سمع من عمِّه المختار قوله: "نحن بحاجة إلى قضاة إسلاميين، فقانون فرنسا لم يعد صالحاً لحل مشاكلنا" (ص48)، وسنعرف منه أنه تعرّف على الفكر الماركسي وعلى الاشتراكية في تلك المدرسة" (ص59)، ثم سيعرض في مقطع آخر ـ وقد قسّم الفصل على مقاطع ـ لجهاد والده ولمن وصفوا بـ "ألمجاهدين الجزائريين"، وكيف تحول الريفيون منهم بعد التحرير إلى تجّار للمواد الغذائية والفاكهة وغيرها، وصار المثقفون بالثقافة الفرنسية مسؤولين كباراً وموظفين ، فانسلخوا جميعاً عن ريفيّتهم وبداوتهم، لكنهم وكل الشعب لم يتحضّر، ليصرخ بعد سطور ملأت أكثر من صفحتين: "آه، لو أن الخطر يأتيني من الخصوم وحدهم، جماعتنا بدورهم شتات. شعوب وقبائل. الجهل وضيق الأفق" (ص95)
وعبر الفصل الأول؛ بدءاً من ثُريّاه (دهليز الدهاليز)، يُدخل الطاهر وطّار متلقيه في أجواء واقعية مختلفة، ويُشركه في حوارات عن الدين والسياسة والحياة الاجتماعية بين مرحلتين؛ الثورة ومجاهديها والاستقلال ومشاكله التي أبدى عبر انتفاضة "المتأسلمين" عام 1991 جوانب منها طوال أكثر من مائة صفحة، قبل أن ينتقل في الفصل الثاني (الشمعة)، من عالم الدهاليز ومتاعبه إلى عالم يدخله الشاعرـ بطل الرواية الأول ـ بتعرُّفه مصادفةً، على فتاة في الثانية العشرين، سيعرف منها أنها جزائرية الأصول والجذور، مع لحاظ عمر الفتاة وصفتها واقترانها بزمن مرحلة الاستقلال ـ حتى سنة الانتخابات المذكورة في التقديم ـ وفيه ينتقل الطاهر وطّار بروايته هذه إلى عالم من العشق الصوفي ومواجده الروحية؛ يناقش فيه مع الفتاة (زهيرة) التي أطلق عليها اسم (الخيزران/ أم هارون الرشيد)وأطلقت عليه بدورها اسم (هارون الرشيد) فكرة الحب/ الذي يراه الشمعة، ويتعرف منها على مهنة والدها التاجر/ المجاهد الذي نجا من مواقف بالغة الصعوبة بينها القتل، وعلى أخواتها الأربعة ووالدتها المؤمنة ببركة (سيدي بولزمان)، وكيف انتقل عبر معرفته بها من "مجرد ضريح في دهليز"، وصار يرى فيها النور وفي (سيدي بولزمان) كائناً غيبياً يوجه علاقتهما نحو تفاصيل مدهشة بغرائبيتها المتعالقة بالوقائع السحرية، التي يتداخل فيها الساردون؛ البطل والأم والفتاة نفسها.
ومما يستوقف المتلقي في هذا الفصل؛ ما يرد في (ص160) من عبارات انتقادية حادة للأوضاع التي آلت إليها جزائر التحرير، من مثل: "حفّاظ بعض سوَر من القرآن صاروا معلمين وأساتذة. دكتور، يحتل مقعداً في الجامعة، يتخرّج عليه باحثون وباحثات، ليس له شهادة الثانوية العامة، لا يعرف حساب الزوايا القائمة والحادة والمنفرجة، لا يعرف إذا كان المتوازيان يلتقيان أم لا، يجهل درجة ذوبان الحديد والفضة والنحاس. ومع ذلك هو دكتور دولة. أستاذ (قَدّ الدنيا) كما يقول المصريون (!!) وفي (ص 164) نقرأ: "لو كانوا يحبّون الله أكثر مما يخافونه، لجعلوا هذا الحديث [يعني حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم إلى أبي ذر الغفاري: تسير وحدك وتموت وحدك وتُبعث يوم القيامة وحدك]، منطلقاً لفهم الدين... ترى كل شيء ولا ترى. ترى الجميع ولا يراك أحد. قبل أن يتطاير رأس الحسين بن علي تندبه. عندما تُبعث، ويكونون في انتظارك، يمشون معك. حولك وخلفك. ولربما أمامك. ثم ما إن يجدوا مواقعهم، حتى يتخلّوا عنك. ثم ما أن يشتد أمرك، حتى يُسلّموك. يتحسرون عليك، وينتظرونك" (!!)
وفي الصفحة التي بعدها نقرأ: "قمت ببحث اجتماعي ميداني، واكتشفت أن المجانين يخافون الجنون أكثر من العقلاء. وأن الأحياء يخافون الموت أكثر من الأموات أنفسهم، وأن المسلمين يخافون على الله أكثر مما يخافون منه"
ويبلغ فيه ـ بعد صفحات ـ التجلّي الصوفي حدّ أن تتابع في الرواية منولوجات رائعة، تتضمن أفكار البطل/ الشاعر مع نفسه، مخاطباً (زهيرة)، من مثل: "الله لا يتجلّى لي. عيناكِ فقط تتجلّيان. الله لا يتجلّى لي. بسمتكِ فقط تُبهجني. وإنني لأهرب منكِ إلى لقياكِ، كي أستريح قليلا من رؤياكِ. أكوي بالصلاة، جروح الروح فلا تكتوي. فمن أنتِ؟ هل أنتِ عزلتي واغترابي؟ هل أنتِ ترددي وحيرتي؟ هل أنتِ الزمن الذي يفلت مني؟ هل أنتِ الوجه الذي لم يوهَب لي؟ [...] الله يتجلّى في جمالك وبهائك، وليس في المسجد إلا هو" (صص170 ـ 171)، ومع هذه الحوارات الذاتية، تتداخل بتكرار مدهش عبارات تطلقها الأم وهي تصف بناتها الأربعة الأخريات، من مثل عبارة: "عن شريفة. المتمردة البلهاء. عن العالية، نعمة ربّكن التي تملأ السرير طولاً عرضاً. عن شاهيناس دمية الشوكولاتة، في القطب الجنوبي. عن رجاء، أمّنا الثالثة. عن دنيازاد، أمّنا الثانية. عن ستي لاللة وردية أمّنا. الرجل كبش. نرعاه، نعلفه. نعششه..."، إذ تكرر العبارة خمس مرات مع تغييرات قليلة في نهاياتها.
وعندما يدخل في وجده الصوفي؛ سيذكر الشاعر الفتاة بعبارة تبلغ حدّاً فارقاً سيتحوّل إلى "تهمة" عند محاكمته بتهمة "خداع الفتاة البريئة" وغسل عقلها بكلماته، وبكونه معتزلياً يفسر الأمور "على غير ما فسرها السلف الصالح" (ص196)، سيكررها قضاته السبعة؛ كلٌّ بأسلوبه الساخر أو المتهكّم أو الجارح: "فتاة في الثانية والعشرين، وجهها غلامي، عيناها المنتصبتان في طرَفيْ الوجه، تبدوان كأنهما لمومياء فرعونية، لنفرتيتي، أو لكيلوباطرة، أو كأنهما لغزالة، لهما مضاء حاد، ولهما تودد سخي. أنفها رقيق بفطسة تتناسب تمام التناسب مع شكل الوجه الطويل، منخراه صغيران يروحان يهتزّان كلما تنفّست. خنابتاهما ممتلئتان بعض الشيء فوق فم صغير رقيق الشفتين، ذقنها الدقيق، تزيّنه فلجة رقيقة، يضرب لونها إلى بياض وسمرة وزرقة، ما يجعلها في الوقت الواحد، آسيوية إفريقية، عليها جلباب أبيض، وخمار أسود"، وهو وصف لا يبعد كثيراً عن ملامح الجزائر نفسها، لأنها ستؤدي إلى الحكم بإعدام الشاعر، ولتقف الفتاة عند جثته أخيراً، بمواصفاتها هذه التي سيكررها الكاتب الروائي هذه المرة "وعيناها لا تفارقان الجثة، وكأنما هي تقرأ صفحة من كتاب، أو تستمع إلى حديث هامس" (صص 205ـ 206)، وقد ذيّلها الروائي بـ (شاطئ بن حسين ـ ثلاثاء 16 أغسطس 1994).
أخيرا؛ من غريب المصادفات أن يرحل الروائي الجزائري الطاهر وطّار في 18 آب/ أغسطس 2010، وقد ترك لقرّائه مجموعة قصصية (الشهداء يعودون هذا الأسبوع)، نشرتها وزارة الثقافة والإعلام، بغداد عام 1974، ثم نشر رواية (اللاز) ورواية (الزلزال) في بيروت في العام نفسه، وفي عام 1980 نشر رواية (العشق والموت في الزمن الحراشي) في بيروت، ونشر رواية (تجربة في العشق) في نيقوسيا عام 1989، وفي عام 1999 نشر رواية (الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي) التي أعيد نشرها عام 2005. ولم يتوقف عن الكتابة والنشاط فأسس (الجمعية الجاحظيّة) وأدارها حتى وفاته.
لقد واصل الطاهر وطّار ما بدأه روائيو مرحلة الثورة الجزائرية، كاتب ياسين (نجمة)، ومالك حداد (التلميذ والدرس) و(ليس في رصيف الأزهار مَن يُجيب)، ومحمد ديب (ثلاثية الدار الكبيرة)، وما كتبه وما يزالون من جيل الاستقلال: واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي وغيرهما، وفي كلا المرحلتين ظلت الجزائر همّ مبدعيها الأول.. في جهادها وفي بناء مؤسسات ما بعد الاستقلال وما أفرزته من مصاعب بنيوية ووجودية معقدة.







التعليقات