نظنُّ أن الكتمان جدارٌ نحتمي به، فإذا هو يتحوّل مع الأيام إلى زنزانةٍ نبنيها بأيدينا ونعتادُ العيش فيها. وفي المقابل نُسرف في الظنّ بأن الحكاية ما لم تُرْوَ على الملأ لم تكتمل، وأن الوجع ما لم يَشهدْه الآخرون لم يُعترف به. وبين هذين الوهمين تضيع الحقيقة الأبسط: أن للألم موعدًا مع صاحبه قبل أن يكون له موعدٌ مع الناس.
ليس كلُّ ما يُقال شفاءً، ولا كلُّ ما يُحبس داءً. فبعضُ البوح استعراضٌ متنكرٌ في ثوب الصدق، يستهلك الجرح قبل أن ينضج، ويُسلّمه للعابرين وهو لمّا يلتئم. وبعضُ الصمت صلاةٌ طويلة، تُعتق فيها الخسارة حتى تصير بصيرة، وتُصقل فيها الدمعة حتى تغدو سطرًا لا يشيخ.
والفنان يعرف هذا السرَّ أكثر من غيره ؛ فهو لا يُلقي أوجاعه خامًا على قارعة الطريق، وإنما يُدخلها خلوته ، فيصوغها شخصيةً أو مشهدًا أو بيتًا من الحكمة. وهناك، في العتمة الرحيمة التي لا يبلغها تصفيقٌ ولا إشفاق، تتحوّل الجراح إلى معنى، ويخرج الوجع من صاحبه أكثر اتساعًا وأقلَّ ضجيجًا.
فلنتعلّمْ أن نقول ما نقول في أوانه، ولمن يُحسن الإصغاء، وبقدر ما يحتمل المعنى. وأن نترك للصمت حقه حين يكون صمت العافية، لا صمت الهروب. فالشفاءُ الحق لا يطلب جمهورًا، يكفيه قلب صادق مع نفسه، وقلمٌ أمينٌ على ما يرى ..







التعليقات