انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الأنوميا: صراع المعايير وضياع القيم

د. صلاح حمادي الحجاج
د. صلاح حمادي الحجاج

باحث وكاتب عراقي

3 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
الأنوميا: صراع المعايير وضياع القيم
مشاركة:

لم يعد الإنسان المعاصر يعيش أزمةً ناتجة عن غياب القيم فحسب، بل أصبح يواجه أزمةً أكثر تعقيداً تتمثل في صراع المعايير وتناقضها. ففي زمن ما بعد الحداثة لم تعد المشكلة كامنة في انعدام المعيار، وإنما في تعدد المعايير المتنافسة التي تتنازع الإنسان وتفكك وعيه، حتى أصبح عاجزاً عن تحديد أيها يمثل الحقيقة وأيها يقوده إلى الاستقرار. ومن هنا برز مفهوم الأنوميا بوصفه أحد أهم المفاهيم المفسرة لحالة الضياع الإنساني في العصر الحديث.

لقد ارتبط مفهوم الأنوميا بمرحلة التحديث وما بعدها، إذ إن مشروع الحداثة أسهم في تفكيك البنى التقليدية التي كانت تمنح الإنسان الشعور بالانتماء واليقين، بينما جاءت مرحلة ما بعد الحداثة لتطبع هذه الحالة وتجعلها أمراً مألوفاً. وفي هذا السياق يشير (عبد الوهاب المسيري) إلى أن المنظومة التحديثية أدت إلى تفكيك الإنسان وإحساسه باللامعيارية، في حين أن ما بعد الحداثة مثلت تطبيعاً كاملاً لهذه اللامعيارية، وجعلت الإنسان أكثر تقبلاً لحالة التشيؤ التي أفرزها مشروع التحديث.

ولهذا السبب أصبح مصطلح الأنوميا يُستعمل أحياناً مرادفاً لحالة الاغتراب؛ لأن الإنسان الذي يفقد مرجعيته المعيارية يتحول إلى كائن يعيش انفصالاً عن ذاته وعن مجتمعه، فيغدو فاقداً للاتجاه، منقطع الصلة بجذوره، ويعاني اضطراباً نفسياً ناتجاً عن انهيار البنية التي كانت تمنحه الإحساس بالاستقرار والهوية.

وقد كان عالم الاجتماع الفرنسي (إميل دوركهايم) أول من منح مفهوم الأنوميا بعده السوسيولوجي، إذ ربطه بحالة التفكك التنظيمي التي تصيب مؤسسات المجتمع عندما تنهار المعايير وتضعف القيم المنظمة للعلاقات الاجتماعية، فتحدث فجوة بين الأهداف التي يعلنها المجتمع والوسائل المشروعة لتحقيقها. وفي ظل هذه الحالة يصبح الفرد محروماً من الإطار الأخلاقي الذي ينظم سلوكه، فيعيش حالة من الحيرة والاضطراب وفقدان المعنى.

أما عالم الاجتماع الأمريكي (روبرت كينغ ميرتون) فقد نقل مفهوم الأنوميا إلى مستوى آخر، إذ لم يعد ينظر إليها بوصفها غياباً للمعايير، وإنما بوصفها صراعاً بين المعايير والأهداف. فالإنسان، بحسب ميرتون، قد يجد نفسه أمام أهداف اجتماعية تُفرض عليه بوصفها معياراً للنجاح، في حين تُحجب عنه الوسائل الواقعية والمشروعة لتحقيقها. وهنا تبدأ الأنوميا بالظهور، لأن التناقض بين الطموحات المفروضة والإمكانات المتاحة يدفع بعض الأفراد إلى البحث عن وسائل بديلة، قد تكون غير مشروعة أو مرفوضة اجتماعياً، كالانحراف والجريمة وتعاطي المخدرات، باعتبارها محاولة للوصول إلى أهداف أصبح تحقيقها بالطرق الطبيعية أمراً بالغ الصعوبة.

وتكشف هذه الرؤية أن أخطر ما في الأنوميا ليس غياب القانون، وإنما انهيار العلاقة المنطقية بين الوسيلة والغاية. فعندما يصبح النجاح مطلباً عاماً، بينما تغيب العدالة في توزيع الفرص، يتحول المجتمع إلى بيئة تنتج الإحباط والقلق والتوتر بصورة مستمرة، ويصبح الانحراف نتيجة لبنية اجتماعية مختلة أكثر منه انحرافاً فردياً خالصاً.

وفي ظل ما بعد الحداثة تتسع دائرة الأنوميا بصورة أكبر، لأن عملية الهدم لم تعد تقتصر على المؤسسات، بل امتدت إلى اللغة والمعنى والهوية والمرجعيات الثقافية. وهنا تبدأ عملية إحلال مستمرة للصفات والقيم؛ فيحل اللعب محل الضبط، والعبث محل النظام، والانزياح محل التخطيط، والفوضى محل البناء، حتى يصبح الهدم ذاته قيمةً عليا. وبهذا تتحول الشخصية الإنسانية إلى شخصية مهدمة، مجردة من غطائها الاجتماعي والأخلاقي، لا يحكمها سوى وجودها البيولوجي، بعد أن جُردت قسراً من منظومة القيم التي كانت تمنحها إنسانيتها.

إن الأنوميا، في حقيقتها، ليست مجرد مفهوم سوسيولوجي يصف مرحلة من مراحل التحول الاجتماعي، وإنما هي وصف دقيق للحالة الوجودية التي يعيشها الإنسان المعاصر. إنها لحظة يفقد فيها الإنسان بوصلته الأخلاقية وسط وفرة هائلة من الخيارات، وتناقض لا ينتهي بين المعايير، حتى يغدو عاجزاً عن التمييز بين ما ينبغي أن يكون وما يُفرض عليه أن يكون.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:١٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

شفاء بلا جمهور
آراء

شفاء بلا جمهور

نظنُّ أن الكتمان جدارٌ نحتمي به، فإذا هو يتحوّل مع الأيام إلى زنزانةٍ نبنيها بأيدينا ونعتادُ العيش فيها. وفي المقابل نُسرف في الظنّ بأن الحكاية ما لم تُرْوَ على الملأ لم تكتمل، وأن الوجع ما لم يَشهدْه الآخرون لم يُعترف به. وبين هذين الوهمين تضيع الحقيقة الأبسط: أن للألم موعدًا مع صاحبه قبل أن يكون…

· 1 د
العربي بن مهيدي وأبو عبيدة .. وجه مكشوف وقناع يخفي الوجه
آراء

العربي بن مهيدي وأبو عبيدة .. وجه مكشوف وقناع يخفي الوجه

العربي بن مهيدي وأبو عبيدة .. وجه مكشوف وقناع يخفي الوجه بقلم الكاتب:أعراب خالد الدولة: الجزائر كلما رأيت صورة العربي بن مهيدي بعد اعتقاله، أتوقف عند وجهه. لا أدري لماذا تشدني تلك الصورة، رجل معتقل مكبل، يعرف أنه بين أيدي عدو غاشم، ومع ذلك تظهر على وجهه ابتسامة هادئة. لا أستطيع أن أعرف ما كان يدور…

· 4 د
العقلانية والمنطلقات العقلانية للثورة
آراء

العقلانية والمنطلقات العقلانية للثورة

أسس الثورة العقلانية: ولد الإنسان وولدت معه حقوق طبيعي عليه أن يدافع عنها للحفاظ عليها وهي: حق الحياة, وحق الحريّة, وحق الملكيّة, وحق الكرامة الإنسانيّة, وغيرها من حقوق تحافظ على سعادة الإنسان وعدالته ومساواته.. الخ. بيد أن هذه الحقوق راحت تتلاشى شيئاً فشيئا عند من حُرم من الملكيّة, أو من وقع أسيرا…

· 10 د