انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

العربي بن مهيدي وأبو عبيدة .. وجه مكشوف وقناع يخفي الوجه

أعراب خالد
أعراب خالد

شاعر وكاتب جزائري

4 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
العربي بن مهيدي وأبو عبيدة .. وجه مكشوف وقناع يخفي الوجه
مشاركة:

كلما رأيت صورة العربي بن مهيدي بعد اعتقاله، أتوقف عند وجهه. لا أدري لماذا تشدني تلك الصورة، رجل معتقل مكبل، يعرف أنه بين أيدي عدو غاشم، ومع ذلك تظهر على وجهه ابتسامة هادئة.
لا أستطيع أن أعرف ما كان يدور في داخله في تلك اللحظة، وربما لا يحق لي حتى أن أفسر شعوره. الذي أراه هو وجه رجل لم يفقد هدوءه رغم قسوة الموقف. وجه مكشوف أمام الصحافة، وملامح عادية لرجل جزائري وجد نفسه محاط بالصحافة العالمية.
عندما أقارن هذه الصورة بصورة أبي عبيدة، أجد فرقا واضحا. العربي بن مهيدي ظهر بوجهه، أما أبو عبيدة فاختار أن يخفي وجهه خلف قناع. أحدهما ترك ملامحه للناس، والآخر عرفه الناس من صوته وطريقة ظهوره و له أسبابه بطبيعة الحال.
كنت دائما أتساءل عن الإنسان الموجود خلف ذلك القناع. فالناس تعرف الاسم الحركي والصوت والصورة، لكنها لا تعرف تفاصيل حياة الرجل الذي كان يظهر أمامها. له أهل وحياة وذكريات ومخاوف مثل أي إنسان، حتى لو أخذه الجهاد إلى مكان مختلف تماما.
الحرب تغير نظرتنا إلى الأشخاص. نراهم من خلال أدوارهم وننسى أحيانا أنهم كانوا يعيشون حياة عادية قبل أن يصبحوا جزءا من حدث كبير.
وتذكرت صلاح الدين الأيوبي. لم يدخل التاريخ لأنه كان يحب الحرب لذاتها، بل لأن الظروف دفعته إلى حمل السلاح في زمن كان فيه تحرير القدس قضية كبرى. كان رجلا له اهتمام بالعلم والدين والسياسة، ثم وجد نفسه قائدا في ساحات القتال، وانتهى به الأمر إلى استعادة القدس. وهذا يجعلني أفكر في معنى البطولة نفسه. ليست البطولة أن يبحث الإنسان عن الحرب، وإنما أن يعرف لماذا يقاتل عندما تفرض عليه الظروف ذلك، وماذا يفعل بعد أن تنتهي المعركة. وربما لهذا بقي صلاح الدين حاضرا في الذاكرة العربية و الاسلامية، كما بقي العربي بن مهيدي حاضرا في ذاكرة الجزائريين، وبقي أبو عبيدة مرتبطا في ذاكرة كثير من الناس بمرحلة من مراحل الصراع الفلسطيني.
وهنا أعود إلى العربي بن مهيدي. صورته لا تجعلني أراه رجلا خارقا. أراه إنسانا في موقف صعب، وهذا في حد ذاته يجعل قصته أقرب إلى الناس.
ربما لهذا السبب أرى أن صور شهداء الثورة مهمة للأطفال. الطفل عندما يرى صورة العربي بن مهيدي قد لا يعرف من هو. يسأل أباه، ومن السؤال تبدأ الحكاية. يعرف بعدها أن هذا الرجل عاش في زمن الاستعمار، وأنه اختار طريقا صعبا من أجل الجزائر.
هكذا يصل التاريخ إلى الطفل. صورة واحدة يمكن أن تفتح حديثا طويلا داخل البيت، وحتى اخرجه.
وليس الأطفال وحدهم من يتأثرون بهذه الصور. الرجال والكهول أيضا يحملون ذاكرتهم الخاصة. بعضهم كبر وهو يسمع عن العربي بن مهيدي وعن رجال الثورة من والده أو جده، وعندما يرى صورته اليوم قد يتذكر تلك الحكايات. وفي فلسطين، وجد كثير من الناس في ظهور أبي عبيدة وصوته والقناع الذي يخفي وجهه صورة ارتبطت بما عاشه الفلسطينيون خلال الحرب. قد تختلف الظروف والقراءات، لكن الشخصيات التي تظهر في أوقات الصراع تترك أثرا يتجاوز أعمار من يتابعونها.
نحن في الجزائر لم نعش الثورة، لكننا ورثنا أخبارها من آبائنا ومن القصص التي بقيت في العائلات. ومع ذلك، هناك الكثير مما لم يصل إلى الكتب.
كم شهيدا نعرف اسمه ولا نعرف قصته؟ كم امرأة عاشت الخوف والفقدان ولم تجد من يكتب ما عاشته؟ وكم رجل عاد من التعذيب حاملا ذكريات لم يتحدث عنها إلا لأبنائه؟ ورفض ان يتقاض أجر جهاده.
لهذا أحب أن تظل قصص الشهداء حاضرة. ليس من أجل تكرار الماضي، وإنما حتى يعرف الجيل الذي جاء بعدنا ماذا دفع الذين سبقوه.
وفي فلسطين وغزة هناك جيل يعيش تجربة أخرى. الحرب هناك تركت صورا وأسماء ستبقى في ذاكرة الناس سنوات طوال. وأبو عبيدة كان من أبرز الأصوات التي ارتبطت بهذا المشهد.
يوم أن أعلنت إسرائيل مقتله، بعدما أكدت حماس ذلك رسميا، قبل أن يظهر متحدث آخر مستخدما الاسم الحركي نفسه. وهذه نقطة تلفت انتباهي: أحيانا يرحل الشخص ويبقى الاسم، وتستمر الصورة في الذاكرة حتى بعد غياب صاحبها.
لا أريد أن يتعلم الأطفال من هذه الشخصيات كيف يحملون السلاح. ما أريده أن يتعلموا شيئا آخر: أن يعرفوا تاريخهم، ويحترموا وطنهم، ويحافظوا على أخلاقهم، وأن يعرفوا أن الشجاعة ليست تهورا، وأن العقل له مكانه حتى في أصعب الظروف.
العربي بن مهيدي كان رجلا من زمن الثورة، وأبو عبيدة رجل ارتبط بمرحلة مختلفة تماما. لا يمكن اختصار التجربتين في قصة واحدة، ولا يمكن تجاهل الفارق بينهما. لكن الأكيد أن صورتهما بقيت قادرة على تحريك شيء في الشعوب.
أنا شخصيا أعود دائما إلى تلك الصورة القديمة باللونين الأسود و الأبيض للعربي بن مهيدي. وجه واضح وابتسامة هادئة، رغم أن صاحبها كان يعرف أن الخطر من حوله كبير. ثم أتذكر أبا عبيدة، الرجل الذي عرفه الناس من قناع وصوت، ولم يعرفوا وجهه الحقيقي.
صورتان مختلفتان، وكل واحدة منهما تركت أثرا بطريقتها. ربما لا تحتاج هذه الصور إلى حبر كثير. يكفي أن ينظر إليها الإنسان ويسأل نفسه: من كان هؤلاء الرجال قبل أن تصبح صورهم جزءا من التاريخ؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الأنوميا: صراع المعايير وضياع القيم
آراء

الأنوميا: صراع المعايير وضياع القيم

لم يعد الإنسان المعاصر يعيش أزمةً ناتجة عن غياب القيم فحسب، بل أصبح يواجه أزمةً أكثر تعقيداً تتمثل في صراع المعايير وتناقضها. ففي زمن ما بعد الحداثة لم تعد المشكلة كامنة في انعدام المعيار، وإنما في تعدد المعايير المتنافسة التي تتنازع الإنسان وتفكك وعيه، حتى أصبح عاجزاً عن تحديد أيها يمثل الحقيقة…

· 3 د
شفاء بلا جمهور
آراء

شفاء بلا جمهور

نظنُّ أن الكتمان جدارٌ نحتمي به، فإذا هو يتحوّل مع الأيام إلى زنزانةٍ نبنيها بأيدينا ونعتادُ العيش فيها. وفي المقابل نُسرف في الظنّ بأن الحكاية ما لم تُرْوَ على الملأ لم تكتمل، وأن الوجع ما لم يَشهدْه الآخرون لم يُعترف به. وبين هذين الوهمين تضيع الحقيقة الأبسط: أن للألم موعدًا مع صاحبه قبل أن يكون…

· 1 د
هل نسمح للذكاء الاصطناعي برسم التاريخ... جدارية توت عنخ آمون ونفرتيتي تفتح سؤال الذاكرة والهوية
آراء

هل نسمح للذكاء الاصطناعي برسم التاريخ... جدارية توت عنخ آمون ونفرتيتي تفتح سؤال الذاكرة والهوية

تحولت جدارية أُنجزت لتجميل القاهرة قبل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى قضية تتجاوز الرسم واللون. فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في 2 أكتوبر 2026 تحقيقًا للصحفية هناء حماد عن جدارية بطول 66 مترًا ظهرت قرب ميدان التحرير، ورسمها متطوعون من مجموعة شبابية مصرية تسمى «رسمة بسمة». كانت الجدارية…

· 5 د