انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

التكامل بين الدين والعلم

جليل كريم
جليل كريم

قاص وروائي عراقي

3 دقائق للقراءة
27 مشاهدة
التكامل بين الدين والعلم
مشاركة:

العلم ثمرةٌ ناضجة تُقطف من رياض العقل، ولؤلؤةٌ متفرّدة في حسنها وغناها، لا يتهيأ للغوص في خزائنه المترعة بالحكمة إلا من امتلك ذائقةً مرهفة تتعشق لوامعه وتتحسس حلاوته، حتى كأنه يذوب في فطرة طلابه ذوبان الشهد في أفواه الصبية. لذلك يبذل المريد لأجله الغالي والنفيس، ويغادر مباهج الحياة وزخارفها، ويزهد في كثير من متعها ليبلغ شيئًا من نعيمه وينهل من عذب موارده.

وحين نتأمل جلال مراتب العلم، يدرك كل صاحب نظرٍ حصيف وفكرٍ سديد قيمة هذا المجال واتساع آفاقه، فيسعى لاكتشاف أسراره، ويأنس بعجائبه وابتكاراته، ويغوص في خفاياه بلا كلل ولا ملل. فما زال طالب العلم ساهرًا، يتقلب بين مشاق البحث ومتع الفهم، مستكشفًا أغوار المجهول، ومتجاوزًا صعاب الطريق، مستشرفًا ما يفتح الله به من آفاق المعرفة.

ولو أدرك الناس سموّ آفاق العلم حق الإدراك، لتنافسوا عليه كما يتنافسون على المال والجاه، ولأقبلوا عليه ولو على المشقة، ولأدركوا أنه السبيل إلى تجاوز الجهل والأمية، والارتقاء بالحياة من الحضيض إلى مراتب أعلى من الوعي والإنسانية.

وقد ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام:

«لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج».

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من الذي قرر وجود تقاطعٍ أو صراعٍ بين الدين والعلم؟ ومن الذي يروّج لفكرة الفصل الحاد بينهما وكأن أحدهما ينقض الآخر؟

إن هذا التصور في جوهره صراعٌ قديم متجدد بين فريقين، كلاهما يسيء فهم الآخر، وكلاهما يختزل الحقيقة في زاوية ضيقة. وما زال هذا الجدل يتغذى على سوء الفهم والتعصب، حتى غدا حاجزًا يحول دون التكامل المعرفي بين مجالي الدين والعلم.

وفي الحقيقة، فإن كثيرًا من العلماء الكبار في التاريخ لم يروا تعارضًا بين الإيمان والبحث العلمي، بل كانوا يرون أن الكون نفسه دليل على النظام الإلهي، وأن دراسة الطبيعة طريق إلى معرفة قوانين الخلق. ومن هنا فإن العلم لا ينفي الإيمان، كما أن الإيمان لا يعطل العقل.

وقد أشار بعض المفكرين إلى أن معرفتنا بالكون ما تزال محدودة للغاية، مما يجعل ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة أمرًا غير علمي ولا واقعي. وهذا يفتح الباب أمام الحوار بدل القطيعة، والتكامل بدل التصادم.

إن المشكلة لا تكمن في الدين ولا في العلم، بل في القراءة المتطرفة لكليهما: فهناك من يريد دينًا منزوع العقل، وهناك من يريد علمًا منزوع القيم، وكلاهما يؤدي إلى خلل في فهم الإنسان والحياة.

فالعلم يبحث في المادة وقوانينها، ويقدم تفسيرًا للظواهر ويصوغها في نظريات وقوانين، وينتج عنه تطور تقني هائل يغير وجه الحياة. أما الدين فيبحث في معنى الوجود، وغاية الإنسان، وعلاقته بخالقه وبالآخرين، ويهتم ببناء القيم والأخلاق وضبط السلوك الإنساني.

وبهذا المعنى، لا يتدخل العلم في تحديد الخير والشر، كما لا يأتي الدين ليحل محل التجربة العلمية في تفسير الظواهر الطبيعية. فلكل مجال حدوده ووظيفته، والتكامل بينهما هو الطريق إلى بناء إنسانٍ متوازن.

فالعلم قد يكشف أسرار الطاقة الذرية، لكنه لا يحدد كيفية استخدامها أخلاقيًا؛ هنا يأتي دور القيم والدين في توجيه الاستخدام نحو الخير ومنع الضرر. وكذلك فإن التقدم العلمي، إذا لم يُضبط بالقيم، قد يتحول إلى وسيلة دمار بدل أن يكون وسيلة إعمار.

وفي المقابل، لا يمكن للدين أن يغفل عن سنن الكون وقوانين الطبيعة، لأن فهمها يعين الإنسان على عمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف.

إن الفصل الحاد بين الدين والعلم يؤدي إلى خلل في رؤية الإنسان لنفسه وللكون، بينما التكامل بينهما يحقق توازنًا بين المادة والروح، وبين المعرفة والقيمة.

وهكذا، فإن الدين والعلم ليسا نقيضين، بل مجالان متكاملان في فهم الإنسان للوجود، وكل محاولة لإقصاء أحدهما باسم الآخر إنما تُفقِر الحقيقة بدل أن تُثريها.

 

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٣١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

فلسفة الكتابة من الذات إلى الوجع الإنساني
آراء

فلسفة الكتابة من الذات إلى الوجع الإنساني

الكتابة بوصفها اعترافًا بالعجز وانتصارًا للإنسان مقال فكري تأملي في فلسفة الكتابة وأسئلة الذات والوجع الإنساني حسن غريب أحمد كاتب ناقد باحث روائي مصري ليست الكتابة دائمًا فعلًا صادرًا عن روح واثقة من نفسها، ولا هي بالضرورة ثمرة عقل استقر على إجابات نهائية، أو نفس امتلكت من اليقين ما يجعلها قادرة…

· 13 د
عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت
آراء

عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت

منذُ أن وقفَ أجدادُنا النياندرتال أمامَ النارِ الأولى وحرقوا ألسنتهم لأنهم ظنوا أن الضوءَ طعمُهُ لذيذ ونحنُ نكررُ الخطيئةَ ذاتها بنفسِ الحماسِ الأعمى ، اخترعنا العجلةَ كي نصلَ أسرع لكننا اكتشفنا أن المكانَ الذي وصلنا إليهِ ليس بأفضلَ من المكانِ الذي هربنا منه ، اخترعنا الكتابةَ لنخلّدَ أفكارنا…

· 8 د
 إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ 
الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين
آراء

إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين

إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين بقلم: د. زُبير سُلطان رَبّانِيْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا كان الله سبحانه وتعالى قد عَلِمَ أعمال…

· 12 د