إذا كان الله سبحانه وتعالى قد عَلِمَ أعمال الخلائق ومصائرهم قبل وجودهم، وكتب مقاديرهم في اللوح المحفوظ، وكانت مشيئته نافذةً في كلِّ ما يقع، فكيف يكون الإنسان مختارًا؟ وإذا سبق تقدير إيمانه أو كفره، وطاعته أو معصيته، وسعادته أو شقائه، فعلى أيِّ أساس يُحاسَب؟ وما جدوى العمل والدعاء ما دامت العواقب مكتوبة؟
تنبع هذه الأسئلة من إشكال العلاقة بين سبق التقدير الإلهي، وحقيقة الاختيار الإنساني، ومسؤوليَّة الإنسان عن عمله. ويتطلَّب تحريرها التمييز بين الإرادة الكونيَّة والإرادة الشرعيَّة، وبيان أثر هذا التمييز في فهم القضاء والقدر والتكليف والجزاء.
أولًا: حقيقة الإرادتين الإلهيَّتين ونطاق تعلُّقهما
دلَّت نصوص الوحي على معنيين للإرادة الإلهيَّة، يُعبِّر عنهما علماء العقيدة بـ«الإرادة الكونيَّة القدريَّة، والإرادة الدينيَّة الشرعيَّة».
فالإرادة الكونيَّة القدريَّة هي مشيئة الله عزَّ وجلَّ النافذة التي يتعلَّق بها وقوع الأشياء؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (البروج: 16). وتشمل هذه الإرادة أعيان المخلوقات وأحوالهم، وما يصدر عنهم من أفعال، وما ينتهي إليه أمرهم من مآلات. فإيمان شخص بعينه أو كفره، إذا وقع، فهو داخل في علم الله ومشيئته وخلقه، كسائر الحوادث التي تقع في الكون.
وأمَّا الإرادة الدينيَّة الشرعيَّة فتتعلَّق بما يحبُّه الله سبحانه ويرضاه ويأمر به عباده، من التوحيد والإيمان والإحسان؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 27). وهي تتضمَّن طلب ما شرعه الله، مع وقوع الامتثال من بعض المكلَّفين والمخالفة من آخرين.
ويتبيَّن الفرق بينهما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر: 7). فالكفر إذا وقع من إنسان، فقد وقع بمشيئة الله الكونيَّة، مع مخالفته ما يحبُّه ويرضاه شرعًا. وأمَّا الإيمان الواقع، فقد اجتمع فيه نفاذ المشيئة وموافقة الأمر الشرعي.
والله سبحانه وتعالى رحيمٌ بعباده، رؤوفٌ بهم، يحبُّ لهم الهداية والتوبة والخير، ويأمرهم بما فيه صلاحهم. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 27–28). وقد يُقدِّر سبحانه على عبدٍ من عباده مرضًا أو بلاءً لحكمةٍ يعلمها، مع محبَّته للعبد المؤمن ورحمته به، وإذنه له في التداوي وسلوك أسباب العافية؛ فوقوع البلاء بمشيئته لا يعني أنَّه يحبُّ الألم لذاته، أو أنَّ رحمته منتفيةٌ عمَّن ابتلاه.
ومن أبلغ الشواهد على سعة رحمته سبحانه ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنَّ النبي ﷺ رأى امرأةً من السبي تبحث عن ولدها، فلمَّا وجدته أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال ﷺ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قلنا: لا، والله، وهي تقدر على ألَّا تطرحه. فقال ﷺ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (البخاري، رقم 5999؛ مسلم، رقم 2754). ففي الحديث بيانٌ لعظيم رحمة الله بعباده، مع كمال علمه وحكمته فيما يُقدِّره عليهم.
فالإرادة الكونيَّة تتعلَّق بما يقع بمشيئة الله النافذة، والإرادة الشرعيَّة تتعلَّق بما يحبُّه سبحانه ويرضاه ويطلبه من عباده؛ ووقوع الكفر أو المعصية أو البلاء بقدره لا يستلزم محبَّته لهذه الأمور أو رضاه بها من حيث هي، ولا يتعارض مع كمال رحمته وحكمته.
ثانيًا: المشيئة الإلهيَّة وأحكام الأمر والإذن
يقتضي هذا التمييز التفريق بين المشيئة والأمر، والإذن الكوني والإذن الشرعي؛ فقد يقع ما حرَّمه الله بإذنه الكوني، مع بقاء تحريمه. قال تعالى في شأن السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 102). فالإذن الكوني يتعلَّق بوقوع المقدور، والإذن الشرعي يتعلَّق بما أباحه الله لعباده. وكذلك يختلف الأمر التكويني النافذ، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82)، عن الأمر الشرعي التكليفي، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90). فالأول يتعلَّق بإيجاد ما شاءه الله، والثاني يُبيِّن ما طَلَبَ من المكلَّفين فعله أو تركه.
ولتقريب الفرق بين الأمر ووقوع المخالفة، يُتصوَّر رئيس دولة أصدر قانونًا مكتوبًا يُحرِّم السرقة، ويُنظِّم الإبلاغ عن مرتكبيها وتسليمهم إلى السلطات المختصَّة، ويُقرِّر عقوبةً على من تثبت عليه الجريمة، ومكافأةً لمن يُسهم في ضبطه وفق الإجراءات المشروعة. فإذا امتثلَ بعض المواطنين واختارَ آخرون المخالفة، ترتَّبت على أفعالهم الجزاءات المقرَّرة عند تحقُّق شروطها. فالقانون يُحدِّد الواجب والمحظور وجزاء كلٍّ منهما، ووقوع المخالفة لا يُغيِّر حكمها، كما أنَّ استحقاق المكافأة لا يعني أنَّ الحاكم أجبر صاحبها على الامتثال.
وهذا مثال بشري تقريبي يُوضِّح العلاقة بين التشريع والامتثال والمخالفة والجزاء، دون أن يُقاس عليه نفاذ المشيئة الإلهيَّة؛ فالحاكم البشري قد يجهل ما سيقع أو يعجز عن منعه، أمَّا الله الخالق البارئ سبحانه وتعالى، فعلمه محيطٌ بكلِّ شيء، ومشيئته نافذةٌ في جميع ما يقع. والقانون البشري المكتوب يُقرِّب من جهة بيان المطلوب معنى التشريع، بينما الكتابة في اللوح المحفوظ تشمل ما سيقع فعلًا من امتثال ومخالفة، على وفق علم الله السابق؛ فهي كتابة قدريَّة، وليست أمرًا شرعيًّا بارتكاب جميع الأفعال المكتوبة.
ولهذا ردَّ القرآن احتجاج المشركين بالمشيئة على شركهم، حين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 148). فقد اتَّخذوا وقوع شركهم بمشيئة الله ذريعةً لتبرير مخالفة أمره، مع أنَّ وقوع الفعل بالإرادة الكونيَّة لا يقتضي مشروعيَّته بالإرادة الشرعيَّة، ولا يصلح الاحتجاج بالقدر لتسويغ مخالفة ما أمر الله به.
ثالثًا: نفاذ المشيئة وحقيقة الاختيار الإنساني
إذا كانت مشيئة الله الكونيَّة نافذةً لا تتخلَّف، وكان ما يصدر عن الإنسان داخلًا فيها، فقد يُظَنُّ أنَّ العبد مجبور على فعله؛ لأنَّه لا يستطيع الخروج عمَّا شاءه خالقه.
ويقوم تحرير هذا الإشكال على التمييز بين ضرورة وقوع ما شاءه الله، والصفة التي شاء أن يقع بها. فقد شاء الله تعالى أن يخلق الإنسان ذا إرادة وقدرة، وأن يباشر بهما أفعاله الاختياريَّة، كما قدَّر عليه أحوالًا تقع بغير اختياره. فشمول المشيئة للحالين لا يجعل الفعل الاختياري فعلًا اضطراريًّا.
قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 28–29). فقد أثبت القرآن للإنسان مشيئةً حقيقيَّة، وبيَّن أنَّها تابعة لمشيئة الله. فالعبد يريد ويختار ويعمل، والله سبحانه خالقه وخالق قدرته وإرادته وعمله.
ويُدرك الإنسان الفرق بين الاختيار والاضطرار من نفسه؛ فهو يُميِّز بين حركة يده حين يمدُّها متعمِّدًا، وحركتها حين ترتعش بغير إرادته. فكلاهما واقع بمشيئة الله، لكنَّ الأوَّل فعل اختياري، والثاني حركة اضطراريَّة. ولهذا فرَّقت الشريعة بين العمد والخطأ، والاختيار والإكراه، والقدرة والعجز؛ قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: 286).
فإذا شاء الله وقوع فعلٍ اختياري، وقع باختيار فاعله الذي خلق الله له الإرادة والقدرة؛ ونفاذ المشيئة لا يستلزم إكراه الإنسان على الفعل. وبذلك تثبت حقيقة الاختيار الإنساني، مع بقائه تابعًا لمشيئة الله في وجوده ووقوعه.
رابعًا: مراتب القدر وشمول الكتابة السابقة
يقوم الإيمان بالقدر على أربع مراتب مترابطة: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فالله سبحانه وتعالى عَلِمَ كلَّ شيء قبل وقوعه، وكتب مقادير الخلائق، وشاء ما يقع منها، وهو خالق كلِّ شيء. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحج: 70). وقال النبي ﷺ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (مسلم، رقم 2653).
وتشمل هذه المراتب أفعال الإنسان على حقيقتها؛ فقد عَلِمَ الله عزَّ وجلَّ ما سيختاره كلُّ عبد، وكتب ما سيصدر عنه على الصفة التي يقع بها. فالطاعة التي يفعلها باختياره معلومةٌ ومكتوبةٌ بوصفها فعلًا اختياريًّا، وكذلك المعصية التي يرتكبها بإرادته. ويدخل في القدر الأشخاص وأفعالهم وأسبابها وأوقاتها ونتائجها، وما يطرأ عليهم من أحوال.
وعليه، فإنَّ سبق العلم والكتابة لا يُحوِّل الفعل الاختياري إلى فعل قسري؛ لأنَّ الله سبحانه عَلِمَه وكتبه على الصفة التي سيقع بها. فما سبق به علم الله لا بدَّ أن يقع كما عَلِمَه، بما في ذلك اختيار الإنسان نفسه؛ وليس العلم السابق إكراهًا للعبد على ما اختاره.
وأمَّا الحكمة التفصيليَّة في تقدير أحوال الأشخاص ومآلاتهم، فقد أحاط الله بها علمًا وحكمةً وعدلًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).

خامسًا: الهداية الإلهيَّة وأسس التكليف والمسؤوليَّة
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان على الفطرة، وجعل فيه أصل الاستعداد لمعرفة ربِّه وقبول الحقِّ؛ قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30). وقال النبي ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» (البخاري، رقم 1358؛ مسلم، رقم 2658).
وقد ذكر القرآن الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم، فقال سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا﴾ (الأعراف: 172). واختلف المفسِّرون في كيفيَّة هذا الإشهاد، مع دلالة الآية على الإقرار بربوبيَّة الله. وجاءت الرسالات ببيان ما تقتضيه عبوديَّته من التوحيد والطاعة.
وبيَّن الله عزَّ وجلَّ للإنسان سبيل الخير والشر، فقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: 10)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 3). وهذه هداية بيان وإرشاد، يُعرَف بها الحقُّ من الباطل؛ وأمَّا هداية التوفيق إلى اتِّباع الحقِّ فهي بيد الله، يطلبها العبد منه ويسعى في أسبابها.
وقد ربط القرآن المسؤوليَّة بما يكتسبه الإنسان من أعمال، فقال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: 21)، وبيَّن أنَّ بعض ما يصيب الناس من آثار أعمالهم، فقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41). فالأفعال الاختياريَّة تُنسَب إلى أصحابها اكتسابًا، وتترتَّب عليها أحكامها وآثارها، مع دخولها في تقدير الله.
وتقوم المسؤوليَّة على ما يكتسبه الإنسان في حدود استطاعته وما بلغه من الهدى، والله سبحانه أعلم بأحوال عباده وقيام الحجَّة عليهم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15).
فالهداية الشرعيَّة تُبيِّن للإنسان طريق الحقِّ وتدعوه إليه، وأمَّا التوفيق ووقوع الاستجابة فمن مقتضيات المشيئة الكونيَّة؛ والحساب قائمٌ على علم الله وعدله.
سادسًا: العمل الإنساني ومقتضيات التكليف والتقدير
حين أخبر النبي ﷺ أصحابَه بأنَّ مقاعد العباد من الجنَّة والنار قد كُتبت، سألوه: «أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟» فقال ﷺ: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (البخاري، رقم 4949؛ مسلم، رقم 2647)، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ (الليل: 5–10).
فقد وجَّه النبي ﷺ إلى العمل عند ذكر الكتابة السابقة، وبيَّنت الآيات ارتباط سعي الإنسان بما قدَّره الله من التيسير والعواقب. فالقدر يشمل المصير والأسباب المؤدِّية إليه، والعمل من تلك الأسباب.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ (النجم: 39–41). فالسعي محلُّ التكليف والجزاء، مع دخوله في علم الله وتقديره.
والإنسان يجهل ما كُتب له من الجنَّة أو النار، بينما يعلم ما أُمر به من الإيمان والعمل الصالح. وكما يسعى في طلب رزقه ويتداوى من مرضه مع إيمانه بأنَّ النتائج مقدَّرة، فإنَّه مأمور بالسعي إلى أسباب النجاة، راجيًا توفيق الله تعالى ورحمته.
فالعمل مطلوبٌ شرعًا، ووقوعه وتيسيره وعاقبته مقدَّرةٌ كونًا؛ وبذلك يجتمع الأمر بالسعي مع الإيمان بالقدر.
سابعًا: الدعاء وأثره في القضاء المقدَّر
الدعاء عبادةٌ أمر الله سبحانه بها، فقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: 60). وهو سببٌ شرعه الله عزَّ وجلَّ لجلب الخير ودفع البلاء، وقدَّر ما يقع به من آثار وفق علمه وحكمته.
وقد رُوي عن النبي ﷺ: «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ» (الترمذي، رقم 2139، وفي إسناد الرواية كلام). ويُفهَم منه أنَّ الله سبحانه قد يجعل الدعاء سببًا لدفع بلاءٍ أو تخفيفه؛ فالدعاء مقدَّر، وما يترتَّب عليه من أثر مقدَّر كذلك.
وقد ذكر أهل العلم أنَّ المحو والإثبات في بعض المقادير المكتوبة لدى الملائكة يجريان وفق ما سبق به علم الله، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 39). فالمحو والإثبات يقعان فيما شاء الله من الكتابات، وأمَّا علمه الأزلي فلا يلحقه تغيُّر.
فالدعاء مأمورٌ به شرعًا، والاستجابة وآثارها واقعةٌ بمشيئة الله الكونيَّة؛ وسبق القضاء لا يُبطل الدعاء، لأنَّ السبب وما يترتَّب عليه داخلان في التقدير.
ثامنًا: الموقف الشرعي من المصائب والمعاصي
يختلف موقف المؤمن ممَّا يصيبه من البلاء عمَّا يرتكبه من الذنب؛ فإذا أصابته مصيبة، صبر واحتسب وسعى في دفع الضرر بالأسباب المشروعة؛ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: 11). وإذا ارتكب معصيةً باختياره، اعترف بذنبه وتاب منه، كما قال آدم وحوَّاء عليهما السلام: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23).
ومن هنا يُقال إنَّ المصائب موضع الاحتجاج بالقدر على سبيل الصبر والتسليم، وأمَّا المعاصي فموضع التوبة وتحمُّل المسؤوليَّة. ولا يعني ذلك خروج المعاصي عن تقدير الله؛ فهي واقعة بعلمه ومشيئته وخلقه، مع مخالفتها أمره الشرعي. وقد تكون المصيبة ناشئةً عن تقصير الإنسان، فيجتمع عليه الصبر والتوبة والإصلاح.
وقد وجَّه النبي ﷺ إلى الجمع بين العمل والاستعانة بالله، فقال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ» (مسلم، رقم 2664). فالمؤمن يبذل وسعه في تحصيل الخير ودفع الضرر، ويستعين بالله، ثم يتلقَّى ما يقع بعد ذلك بالصبر والرضا المشروع.
فالإيمان بالقدر يُورث الصبر والتوكُّل، وامتثال الأمر الشرعي يقتضي الطاعة والتوبة؛ وبهما يستقيم موقف الإنسان من الابتلاء ومسؤوليَّته عن العمل.
ختامًا
يتبيَّن ممَّا سبق أنَّ الإرادة الكونيَّة تتعلَّق بكلِّ ما شاء الله عزَّ وجلَّ وقوعه، والإرادة الشرعيَّة تتعلَّق بما يحبُّه ويرضاه ويأمر به عباده. فهو سبحانه يحبُّ منهم الإيمان والطاعة، ويرضى لهم التوبة والاستقامة، ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشرِّ، وهو بعباده رؤوفٌ رحيم، كاملُ العلم والحكمة والعدل. وقد يقع بمشيئته الكونيَّة ما لا يحبُّه شرعًا، من كفرٍ أو معصية، أو ما يبتلي به عباده من مرضٍ ومصيبة، لحِكَمٍ يعلمها؛ فنفاذ مشيئته في وقوع الشيء لا يستلزم محبَّته له أو رضاه به، ولا ينافي كمال رحمته وحكمته.
وقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ذا إرادةٍ وقدرةٍ حقيقيَّتين، وبيَّن له سبيل الهدى والضلال، وأمره باتِّباع الحقِّ واجتناب الباطل. وعَلِمَ سبحانه ما سيختاره كلُّ إنسان قبل وجوده، وكتب أفعاله ومصيره على وفق علمه الأزلي، وشاء وقوعها على الصفة التي تقع بها؛ فما يقع من الإنسان باختياره قدَّره الله أن يقع باختياره، لا بإكراهٍ يُلغي إرادته أو إجبارٍ يسلبه قدرته. ومن ثمَّ، فإنَّ سبق العلم والكتابة ونفاذ المشيئة لا يجعل العبد مجبورًا على الطاعة أو المعصية، كما أنَّ إثبات اختياره لا يجعله مستقلًّا عن مشيئة خالقه.
وعلى هذا الأساس، يُحاسَب الإنسان على ما اكتسبه بإرادته وقدرته، في حدود استطاعته وقيام الحجَّة عليه، والله سبحانه لا يظلم أحدًا. وما كُتب له من المصير يشمل أفعاله الاختياريَّة وأسبابها ونتائجها؛ فالعمل الصالح من أسباب النجاة، والمعصية من أسباب المؤاخذة، والدعاء من الأسباب المشروعة لجلب الخير ودفع البلاء، وكلُّ ذلك داخلٌ في علم الله وتقديره. ولذلك كان الواجب على الإنسان أن يعمل بما أُمر به، ويستعين بربِّه، ويسعى في أسباب الخير، ويتوب من ذنبه، ويصبر على ما يصيبه، دون أن يتَّخذ القدر ذريعةً لترك الواجبات أو ارتكاب المحرَّمات.
وهكذا يتَّضح الجواب عن الإشكال: فالمصير مكتوبٌ بعلم الله السابق، والاختيار الإنساني حقيقيٌّ داخلٌ في مشيئته، والتكليف قائمٌ على القدرة والاستطاعة، والعمل والدعاء من الأسباب المقدَّرة، والجزاء جارٍ على مقتضى عدله وحكمته. فالله عزَّ وجلَّ خالقُ العباد وأفعالهم، وهم فاعلون لأعمالهم الاختياريَّة بإرادتهم وقدرتهم؛ وما شاءه سبحانه كونًا وقع، وما أمر به شرعًا وجب امتثاله، وبذلك يجتمع شمول القدر مع حقيقة الاختيار وعدالة الحساب.
والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.







التعليقات