في صحراء "الورق المحترق" حيث الرمال نصوصٍ مقطّعة من دساتير ملغاة يعيش طائر الركّاض.كانت ساقيه نحيلتين لا تلمسا الأرض؛ ليس لسرعته الفائقة، بل لأن الأرض نفسها تم سحبها من تحت قدميه بمرسوم ملكي كي تُباع في مزادٍ علنيا و تطرح استثمارًا.
يحرس طائر الركّاض عشًا بناه من أسلاك شائكة ووعودٍ انتخابية كاذبة. داخله ثلاث فراخ: "حلم"، "كسرة خبز"، و"كرامة".
في كبد السماء، شاشة بلازما عملاقة تبث وجه "طاوس الفراغ"؛ حاكم الصحراء القاحلة. طاوس بلا ريش، يرتدي تاجًا من البلاستيك المعاد، يقضي يومه في التقاط صور "سيلفي" لظلّه، وإلقاء النكات التافهة على مسامع حاشيته. لقد أمر الشاشة بامتصاص رطوبة الغيوم لأن "المطر قد يُفسد تسريحة شعره المزروعة"، تاركًا الجفاف لينهش بطون الرعية.
من تحت الرمال، تزحف أفعى الأجراس، واسمها "تكرار الجحيم". حراشفها مصنوعة من طوابع ضريبية متراكمة، وجرسها لا يرن، بل يقرع كأختام الرفض على المعاملات. تهمس الأفعى بصوتٍ يشبه حفيف العملات المهرّبة:
سلّمني الفراخ يا طائر الركّاض... السلطان يحتاج إلى مقبلاتٍ طازجة لوليمة اليوبيل الذهبي، وفي المقابل سأعفيك من ضريبة استنشاق الغبار!
وقبل أن يرتدّ إليه طرفه، انشقّت الشاشة في السماء لتهبط عائلة من النسور الكاسرة؛ "ذوو الياقات البيضاء". لا يطيرون بأجنحة، بل يمتطون مقاعد جلدية طائرة، يصرخ كبير النسور عبر مكبر صوت ذهبي:
نحن هنا لفرض الاستقرار وحمايتكم من بطش الأفعى! لكن كلفة الخطة الأمنية هي التنازل عن حضانتك للصغار... من أجل المصلحة العامة:
ينظر طائر الركّاض نحو الأعلى، لا إلى النسور ولا إلى الأفعى، بل يحدق في عينيّ قاصدًا أنا كاتب النص، ويصرخ بمنقارٍ يقطر دمًا وحبرًا:
"إلى متى ستستمر في كتابتنا ضحايا ضمن هذه الدراما الشرق أوسطية الرخيصة؟ غيّر الحبكة أيها الجبان"!.
سقطت الأفعى "رتابة الجحيم" في ثقبٍ أسود بين السطرين الرابع والخامس فاختنقت بحبرها. أما النسور، فقد اصطدمت بهوامش الصفحة القاسية وتحولت إلى مجرد كلمات متقاطعة لا حلّ لها. وفي مشهد عبثي أخير، انكسرت شاشة السماء، ليسقط "طاوس الفراغ" ويتضح أنه لم يكن سوى منطادٍ مطاطي مليء بالغازات الفاسدة، انفجر بمجرد ملامسته الأرض.
حمل طائر الركّاض فراخه، وقصّ الإطار الأسود للصفحة، ثم ركض خارج النص تمامًا... تاركًا خلفه صحراء فارغة، وحاكمًا مسحوقًا تحت حذاء الميتاسريالية.
سقط" طائر الركّاض" وفراخه الثلاثة من حافَة الصفحة ليصطدموا بسطحٍ بارد وصلب. لم تكن رمالًا هذه المرة، بل طاولة خشبية في مقهى شعبي يغصّ بدخان السجائر وضجيج أبواق السيارات في شارعٍ عربي مكتظ. كان الهواء ثقيلًا، مشبعًا برائحة العوادم وهزائم منتصف العمر.
نظر طائر الركّاض حوله، متوقعًا أن يجد جنة الخلاص التي طالمًا تخيّلها خارج إطار الورقة. لكنه رأى كائناتٍ ضخمة يسيرون في الشوارع برؤوسٍ منكسة، لا ينحنون لجمع المحاصيل أو تقبيل الأرض، بل يحدقون في مستطيلاتٍ زجاجية مضيئة تمتص أرواحهم بصمت. لم يكن هناك "طاوس الفراغ" واحد، بل ملايين الطواويس الصغيرة تتراقص في جيوب الجميع، تملي عليهم متى يغضبون، ومتى يضحكون، ومتى ينامون.
تفقد طائر الركّاض صغاره في هذا العالم الجديد. الفرخ الأول "حلم" بدأ يسعل بشدة؛ هواء الواقع الثقيل، المشبع بـ "الواقعية المفرطة" وفواتير الكهرباء، كان يخنق رئتيه الهشتين. الفرخ الثاني "كسرة خبز" تعفّن فجأة بمجرد أن لوّح به نادل المقهى طاردًا إياهم وهو يهشّم الأسعار الجديدة على قائمة الطلبات وارتفاع اسعار الدولار. أما الفرخ الثالث "كرامة"، فقد أصبح ثقيلًا جداً، كقطعة رصاصٍ صدئة لا آحد في هذا الشارع يكترث لشرائها أو حتى الالتفات إليها.
فجأة، التقت عينا طائر الركّاض بعينيّ الكاتب، انا الشاب الجالس خلف الطاولة المليئة بأكواب القهوة الباردة، انقر بيأس على لوحة مفاتيح حاسوبي المحمول، محاولًا اختراع نهاية سعيدة لقصةٍ لا املك أدوات إنقاذها في واقعي.
أدرك الطائر الحقيقة المروعة:
هذا "الواقع" لم يكن سوى مسودة أخرى، سجنٌ أكبر بلا جدران مرئية. الأفعى هنا لا تزحف على الرمل، بل ترتدي بدلة رسمية وتجلس خلف مكاتب القروض، والنسور لا تحلق في السماء، بل تمتلك القنوات الفضائية وتبيع الوهم بالتقسيط. الكاتب الذي خلق "طاوس الفراغ" كان هو نفسه مقموعًا بطواويس أخرى تسكن القصور الإسمنتية وتتحكم في رغيفه!.
ابتسم طائر الركّاض بمرارة. لم تكن المشكلة في الورقة، بل في الحبر الذي كُتب به الدُّهْن الحر!.
التفت الطائر إلى الكاتب، وبحركة خاطفة بمنقاره، اختطف زرا لـ "مسح" من لوحة المفاتيح. ابتلعه طائر الركّاض، ثم جمع فراخه الثلاثة تحت جناحيه. لم يركض هذه المرة بشكل دائري، بل ركض بخطٍ مستقيم وبسرعة شقّت إسفلت الشارع والزمن معًا. ترك خلفه خطًا من النار البيضاء الساطعة، نارًا لا تحرق، بل تمحو!.
لم يهرب طائر الركّاض إلى عالمٍ آخر، بل قرر أن يركض نحو "العدم الأبيض"؛ مساحة العقل الأولى قبل أن تلوثها أبجدية السلطة، ليؤسس هناك وطنًا لا يحتاج فيه "الخبز" إلى طابور، ولا يتحول فيه "الحلم" إلى تهمة، ولا تباع فيه "الكرامة" في أسواق الخردة.
رائحة رمال محترقة وريشٍ متفحم كانت لا تزل تعبق في هواء المقهى الثقيل، تختلط برائحة تبغي. قبل ثوانٍ فقط، كانت شخصيتي،" طائر الركّاض "، تقف على طاولتي الخشبية المتهالكة. لم يكن مجرد حبرٍ يتراقص على شاشة مضيئة، بل كائنًا من لحمٍ وغضب. نَظْرَة عينيه المحمرتين لم تكن نَظْرَة لوم من مخلوق متمرد إلى خالقه، بل كانت نَظْرَة شفقة من بطلٍ حقيقي إلى سجانٍ مكبل. لقد أدرك الطائر أنني لست سوى ضحية أخرى، أكتب عن الطواغيت في صحراء خيالية لأنني أجبن من أن أصرخ في وجه طواغيت الشارع الذي أجلس فيه.
حاولتُ أن أكتب جملة جديدة، كذبة جديدة أنقذ بها نفسي من هذا العجز المطلق. كتبتُ: "عاد كل شيء إلى طبيعته". ثم، وكما أفعل دائمًا عندما أخاف من مواجهة الحقيقة، امتدت يدي لا إراديًا لتمحو الجملة لأنها بدت مزيفة جدًا... لتصطدم إصبعي بالهواء الفارغ.
لا مجال للمحو بعد اليوم. طائر الركّاض سرق حق التعديل، وتركني هنا، وجهًا لوجه أمام بشاعة النص الأصلي وحماقة أخطائي، دون أي فرصة لتنميق الهزيمة. لقد حرر نفسه بالعدم الأبيض، وحكم عليّ بالبقاء أسيرًا للكلمات التي لا تُمسح، وللواقع الذي لا يقبل المسودة الثانية.
طوّقت قوات مكافحة الشغب الأدبي المقهى بشريطٍ أصفر فاقع كُتب عليه بالخط الديواني: "ممنوع الاقتراب. واقع قيد الترقيع". دخل المفتش "خَتْم النسيان"، وهو رجل برأسٍ يشبه طابعة حكومية قديمة، يرتدي معطفًا خُيطت أزراره من عملات معدنية فقدت قيمتها منذ عقود. كان يمضغ ورقة من الصحيفة الرسمية بدلًا من العلكة، وينفث دخانًا برائحة الدُّهْن الحر الرخيص.!
اقترب المفتش من طاولتي بخطواتٍ ثقيلة، تفحّص الفجوة المربعة في لوحة مفاتيحي باستخدام عدسة مكبرة لا تظهر سوى الأخطاء الإملائية. التفت إليّ، وبعينين لا ترمشان سأل بصوتٍ معدني:
"أين اختفى زر التراجع أيها المواطن؟ هل تدرك فَدْحُ ما فعلت"؟
حاولتُ التبرير بصوت يرتجف:
"لقد سرقه طائر الركّاض... طائري المتمرد. لم يحتمل خيانتي له في النص، فابتلع الزر وهرب إلى العدم الأبيض"!
ظرب المفتش قبضته على الطاولة حتى تطايرت فناجين القهوة وقال غاضبًا:
"تهريب شخصية خيالية غير مرخصة عبر حدود الورق؟ وتسهيل فرارها دون دفع ضريبة المغادرة؟ هذه جنحة. أما الكارثة الحقيقية فهي اختفاء زر التراجع كيف ستقوم وزارة الحقيقة بمحو وعودها الانتخابية غدًا صباحًا؟ كيف سنسحب التصريحات الرسمية ونستبدلها بأخرى إذا سُلبنا حق التراجع؟ لقد وضعت الأمن القومي في خطر!.
في هذه الأثناء، كان فريق الأدلة الجنائية السريالي يعبث بالمكان. أحدهم كان يرش مسحوقًا أسود على الهواء بحثًا عن "بصمات خيال غير مصرح به"، والآخر كان يجمع بقايا "الاستعارات المكانية" المحترقة بملقط حواجب، قام شرطي ثالث بإيداع تنهيدتي العميقة داخل كيس بلاستيكي شفاف وكتب عليه:
"دليل إدانة رَقَم 3: يأس مع سبق الإصرار والترصد!
أخرج المفتش دفترًا مجعدًا وبدأ يكتب محضر الضبط:
"يُصادر الحاسوب باعتباره سلاحًا من أسلحة الوصف الشامل. ويُعتقل الكاتب بتهمة حيازة لوحة مفاتيح لا يمكنها الكذب أو التراجع، مما يجعله مجبرًا على قول الحقيقة المطلقة، وهذا انتهاك صريح لقانون اللباقة العامة في دولتنا الموقرة!.
وضعوا الأصفاد في يديّ، أصفادًا مصنوعة من علامات اقتباس محكمة الإغلاق. وقبل أن يسحبوني إلى سيارة الشرطة التي كانت تسير على عجلاتٍ من أختام الشمع الأحمر، نظرتُ إلى الشق المضيء الذي تركه طائر الركّاض على جدار المقهى. كان الضوء الأبيض لا يزال يتسرب منه، وسمعتُ وَسَط جلبة اللاسلكي وصراخ الضباط، صدى خطوات طائر يركض حرًا، ساخرًا من كل هذا السيرك البشري البائس.!
ركض طائر الركّاض. ركض بسرعة الضوء، بسرعة اليأس، محاولًا اختطاف صغاره من بين فكي النص الخاطئ. لكن الدُّهْن الحر كان ينبع من داخل تكوين الورقة ذاتها. أطبق السواد على ساقه النحيلة، ثم ابتلع جسده بالكامل. وقبل أن يغرق تمامًا، رفع طائر الركّاض رأسه ونظر إليّ... لم تكن نَظْرَة لوم، بل كانت نَظْرَة خذلانٍ أبدي. لقد أدرك الطائر أن الكاتب الذي هرب به من فم السلطة، قد قتله بغباء ارتعاشه
وقفتُ وحيدًا، يداي ملطختان بحبر الكارثة، أدركت الحقيقة الأكثر رعبًا والأشد مأساوية:
لقد هربنا من ديكتاتورية السلطة الظالمة، لنسقط في ديكتاتورية الكاتب العاجز. لم تكن المأساة في أنني لا أستطيع محو ما كتبته السلطة، بل المأساة الحقيقية أنني صرتُ الطاغية الجديد؛ طاغية قتل أبطاله بغير قصد، في نصٍ أبدي، لا فرصة فيه للمسودة الثانية.







التعليقات