الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو.
خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس على الكرسي في زاوية الصالة، ثم ينام من شدّة تعبه، ويتركنا نثرثر بالصمت.
تنزل النجوم على السطح مريضة، بعد أن غادرت الطمأنينة المكان.
في تلك الليلة، صادقت قلبي وصدّقته. بكيت، وشتمت أشياء كثيرة، وتعلّمت الكذب.
قلت لصديق كانت أمّه في غرفة الإنعاش: ستكون أمك بخير، حاول فقط أن تطعمها الطعام.
واصلت رمي الأكاذيب في أرجاء الصالة. قلت لأصدقائي المقيمين معي إننا سنكون بخير، فابتَسَموا، أو ..حاوَلوا. وأخبرت أمي بنقيض كلّ ما حدث.
يبدو الكذب خلابًا.. لو عرفت أنه سيحميني، لما وقفت في صالة الموتى أغطي وجوههم وأحملهم. كنت سأقول كم هي دافئة مجاورة الموتى، وكم يبدو العالم أقلّ قسوة إلى جوارهم.
لكن الصدق جعلني ميتًا مثل الذين أجاورهم كل ليلة. جعلني وحيدًا ومنكسرًا، أراقب الناس يصعدون وينزلون مسرعين، هاربين من شيء، خائفين من شيء.
لم يكن خوفهم من الموت، فقد بدا لي منهكًا مثلنا، يلقي بنفسه كل يوم على سرير، عاجزًا عن مواصلة جولاته.
كانوا يخافون اللحظة.
هذا ما توصلت إليه بعد أن متُّ أكثر من مرة؛ بعد أن حملت وجوه الموتى، وبعد أن علّق الناس بكاءهم على كتفي في كل ليلة.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد الإفصاح عن الحزن ضروريًا.







التعليقات