لم تكن رائحة العفونة المختمرة التي تلبّدت في هواء البناية المهترئة هي ما أثقل صدره وهو يعبر عتبتها المتآكلة.. لم تكن الرطوبة التي تسللت إلى الجدران، ولا البلاط المتشقق الذي يعاني تحت وطأة الزمن، هي السبب في هذا الانقباض الذي لفّ قلبه وهو يتلمّس طريقه عبر العتمة نحو السلم العتيق. بل كان ذلك الخوف، الخوف من أن لا تكون تلك الزيارة الا انعكاسًا للهوة التي تفصل بينهما الآن، تلك الهوة التي اتسعت مع السنين كجرفٍ انهار على حين غرة.
"عليك أن تأتي"، قالها صديقه في مكالمته أخيرة، بنبرة آمرة، ولكنها لم تكن لتخفي خيط التوسل الذي كان يتسرب ما بين الكلمات وبصوتٍ يشوبه رجاءٌ خفيٌّ كمن يستنجد بآخر خيطٍ يربطه بحياته القديمة. رجاء يوشك أن يجعل من هذه الدعوة طوق نجاة لصداقةٍ تآكلت أطرافها بفعل الزمن، ويشي بأن عدم تحقق هذه الزيارة قد يكون أقرب للتهاون بسنين الصداقة الطويلة منه لغياب قد يفرضه هذا الظرف أو ذاك.
"هذا العمل سيغيّر كل شيء.. وسيجبر النقاد أخيرا على الاعتراف بما امتلكه من موهبة"، تابع بحماسةٍ هشّة، كمن يحاول إقناع نفسه. كان يعلم أن هذه الدعوة ليست مجرد لقاءٍ عابر، بل صرخة استغاثة، محاولة أخيرة للتشبث بما تبقى من أيامٍ مضت، ومثل كل مرة، كان عليه أن يستجيب لآخر مبرر للزيارة يربطه بصديقه القديم، قدم سنوات الاكتشاف في بواكيره الأولى، أيامٍ كانا فيها لا يفترقان، ويعيشان على أطراف الحلم كطفلين يلهوان على شاطئٍ واسع لا حدود له..
حين كانت أقدامه تطأ البلاط البارد للسلم، عادت إليه ذكرياتٌ حية، نابضة، وكأنها كانت تنتظر هذا العبور لتستيقظ، تذكر كيف كانا يضحكان بلا اكتراث، يتبادلان النكات والأحلام، يتحدثان عن المستقبل كأنه لوحة فارغة تنتظر ضربات فرشاتهما، كان صديقه دائمًا مختلفًا، شعلة من حياة، شابًا متمردًا على كل شيء، يملك جرأةً لم يعرفها هو يومًا. كان يرى فيه النقيض الكامل لنفسه، وكان هذا التناقض سببًا في انجذابه إليه، وجعله شغوفًا بصديقه جدًا، كانا يدمنان الرسم معًا، لقاءاتهما أشبه بالزرقة الصافية في سماء الأيام الحارقة. كان يراه دائمًا عكسه هو، فتى مرحًا وشجاعًا ومدفعًا، رغم التحذيرات الكثيرة التي أعتاد سماعها من العديد من الأصدقاء عن خطورة هذه العلاقة.. والتي لم يكن يعيرها أي اهتمام، بقدر إحساسه بالمتعة خلال مجالسته والحديث معه في تلك الليالي التي اختبر بها جمال الشعور بذلك الضوء المنبثق من فتوة الشباب والشعور بالانفصال عن هذا العالم والتحول إلى مجرد طيف خفيف.
ثوانٍ قليلة احتاجها للتعود على العتمة التي تلف المكان قبل أن يرتقي السلم متحسسًا موقع أقدامه، التي لم تطأ هذه البلاطات منذ أن اختطت له الحياة مساربًا وسبلًا نأت به شيئًا فشيئًا عن تلك الأيام التي كان فيها لا يفارق صديقه.
- قد تنتهي صداقتنا إذا قررت ترك الخمر يوماً، أليس كذلك؟
تذكر قوله هذا لصديقه يوما، ساخرا، في إحدى جلسات السمر.. وكيف أنه لم يصدق أن هذا يمكن أن يحصل، وكيف أنه فسر ضحكة صديقه المجلجلة وقتها على أنها علامة واضحة على عبث هذا الخيار.
ولكن الزمن، كعادته، لا يترك الأشياء على حالها أبداً، شيئًا فشيئًا، بدأت المسافات تتسع. هو اختار طريقًا آخر، طريقًا مليئًا بالمسؤوليات، حيث الفن تتسابق خطواته مع زحام العمل والحياة اليومية. أما صديقه، فقد غاص أكثر فأكثر في عالمه الخاص، عالمٍ تغمره العبثية، الكحول، والبحث المحموم عن معنى في الفراغ. وهذا ما جعله يعود من زياراته القليلة لهذا المكان مثقلًا بالحزن، كمن يرى شمسًا تغيب ولا يستطيع إيقافها.
تثبت جيدًا في جوانب السلم خوفًا من أن تنزلق قدمه عن أحد الثلم الكثيرة التي حفرتها سنوات الفقر المدقع والاهمال في بلاطات السلم القديمة.
ملمس الحاجز الحديدي أعاد اليه ذكريات لليالي كان يصعد فيها هذا السلم قافزًا متضاحكًا مع صديقه. توقف أمام الباب، مترددًا. أي ذكريات ستوقظه هذه المرة؟ أي حقائق ستواجهه عندما ينظر في عيني صديقه؟ قرع الباب بخفة، ليجده ببقايا من ذلك الوجه الحارق الذي أفتضه شظف ما في اليد وأمعن الجدب الطويل في حفر أخاديدَه على طول جبهته المنهكة، ذلك الوجه الذي لطالما ربطه بهواجس الصبا وذكرياته المتناثرة على طول سنوات عمره. وجهٌ يحمل بقايا من ملامح كانت يومًا مشتعلة بالحياة، لكنها الآن مطفأة، كجمرةٍ خمدت تحت رماد السنين.
استقبله ببشاشة مهملة لم تحسن اخفاء ذلك الانكسار الذي لمحه في وجه صاحبه، دعاه للدخول بحركةٍ بطيئة، وابتسامةٍ شاحبة لم تستطع أن تخفي الانطفاء الذي يسكنه. قاده إلى زاوية الغرفة، حيث اللوحة منتصبة أمام نافذة يكسوها غبار كثيف.. وهن جلي رافق حركة يده وهو يعدل وضع اللوحة أمام المتاح الشحيح من ضوء الشمس الذي استطاع الافلات من الزجاج القذر.. بصيص خافت يضيء بالكاد تفاصيل المكان: قناني خمر فارغة، بقايا طعام متعفن، وكتب متناثرة على الأرض.
تقدم بخطواتٍ مترددة نحو اللوحة، وقبل أن يلمح تفاصيلها، عرف الحقيقة. لم تكن اللوحة هي ما يخشاه. بل كانت تلك المرآة التي ستعكس له ما حاول الهروب منه طويلًا: صديقه لم يعد ذلك الفتى الشجاع المليء بالحياة، بل ظلٌّ باهتٌ لشخصٍ كان يومًا مضيئًا.
كان الانفصال بينهما أكبر مما تخيله. لم يكن ذلك بسبب قراراتٍ واضحة، بل كان انسلالًا بطيئًا، كجذع شجرة يتآكله النمل دون أن ينهار فجأة. وفي تلك اللحظة، وهو يقف أمام اللوحة، أدرك أنه لم يكن صديقه فقط منغمسًا في العبثية، بل هو أيضًا، غارق في حنينه إلى ماضٍ لا يمكن استعادته. .. وأن كل شيء في هذا المكان يصرخ بأن الضوء الذي حلم به صديقه قد انطفأ منذ زمن. وما من عتمةٍ، مهما كانت كثافتها، يمكن أن تخفي هذا الانطفاء.
نظر إلى اللوحة، ثم إلى صديقه، الذي كان ينتظر بشغفٍ طفولي رأيه. لم يحتج سوى لنظرة واحدة، نظرة كانت كافية لتفضح كل شيء. أدرك أن اللوحة، مهما كانت جميلة أو بائسة، لن تغيّر شيئًا. فالحياة التي رسمها صديقه لنفسه قد انتهت منذ زمن، وما تبقى الآن ليس سوى بقايا حلمٍ كان يمكن أن يكون.
لم يحتج إلا إلى نظرة خاطفة.. نظرة واحدة فقط، ليتوصل إلى الرأي الذي حاول التملص منه لسنين.. فعلا.. لم تكن العفونة هي السبب في تردده.. ولا رطوبة الحائط .. ولا الضوء الخافت ولا البلاط المكسور، ولكنه كان ذلك الانسحاق أمام فكرة أن يخبر بقايا ذكرياته أنه لا جدوى من تشبثه بما لن يكون، وأن الذقن المهمل والشعر الطويل وقناني الخمر الفارغة، وبقايا الطعام المتعفن على الطاولة.. لا تكفي لصنع لوحة جميلة.







التعليقات