انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

عيون عسلية مشوبة ببعض الخضرة

أنوار حسين الدليمي
أنوار حسين الدليمي

قاصة وأديبة عراقية

6 دقائق للقراءة
29 مشاهدة
عيون عسلية مشوبة ببعض الخضرة
اللوحة للفنان فاضل عباس الدعمي
مشاركة:

أما أن تكون الصدفة وحدها، أو كمية الدهون التي أغرق بها "أبو غايب" وجبة الغداء، ما جعله يطلب شايًا آخر في تلك الظهيرة الضائعة ما بين شبيهاتها المتناسخات حد الملل، وهذا القدح الثاني بالذات هو الذي كان وراء ذلك اللقاء الذي لم يكن كما توقعه، ولا كما كان يرسمه في خياله لسنوات والذي حتما، لن يرغب بأن يتكرر بهذه الصورة مرة أخرى.

ليس الترحاب المبالغ به، ولا الاهتمام الكبير بالقادم الغريب الذي أبداه صاحب المقهى، ونادلها، في نفس الوقت، هو ما لفت انتباهه أول الأمر، بل كان الأمر ببساطة يتعلق بالحضور نفسه، فهو يعد حدثا بحد ذاته في ذلك المقهى الغافي في تلك الساعة من النهار، مع قلة الوجوه التي تطرأ عليه في من خارج دائرة مرتاديه المقيمين المعتادين.. ومع هذا، يعدم هذا الزائر الغريب بعض مما يثير الاهتمام الخاص، بالنظر لسيارته الفارهة وهيئته التي تختلف قليلا عن ما تعود عليه في القرية المنسية على اطراف الزمان..

فمنذ قدومه، حاملًا كتاب نقله إلى المدرسة الوحيدة في القرية، كان يعد الوافد الجديد، ورغم انقضاء الكثير من الوقت، فأنه كان ما زال يسمع كلمات مثل "المعلم الجديد" عندما يشير له أحدا بالكلام، وما زال مديره يبدي الكثير من علامات الاستغراب لقدوم معلم من المدينة لمدرسته:

- الحمد لله أن التربية تعرف أن هناك مدرسة في قريتنا.. قبل أن يضيف ضاحكا في كل مرة: والأدهى عبارة "بناء على طلبه" التي ذيلت أمر النقل..

ولكن كياسة وطيبة المدير، جعلاه لا يتجاوز إلى حد السؤال عن ما الذي دفع المعلم الشاب للقدوم إلى القرية وترك مباهج المدينة خلفه، خاصة مع وضوح ان "الجديد" لم يكن يرغب بالحديث عن الأمر..

كل هذا جعل حضور شخص جديد إلى المقهى الذي يقضي به سويعات ما بعد الغداء يعد نوعا من كسر الرتابة التي تنشب أظفارها في المكان.. خاصة وان هناك الكثير من الفضول يحيط بالرجل، فهو كان يبدو كما لو أنه، كما "المعلم الجديد"، يبحث عن شيء ما، وكانت عيناه العسليتان المشوبتان ببعض الخضرة تجوبان في المكان مستنطقة الجدران والكراسي، لم يكن يبدو عليه أنه يطيق سماع لـ"أبو غايب" وهو يقص عليه الأخبار ويروي له الأحاديث بكلمات كبيرة ضخمة، كان كما لو كان يريد أن يعرف أمرا واحدا، واحدا فقط، قبل أن يغادر المكان بنفس الهدوء الذي جاء به، وأن كان مع بعض الخيبة التي لم يحسن إخفاؤها..

لم يحتاج إلى كثير من العناء لكي يعرف عن هذا الزائر الطارئ.. فهو يعلم أن أبو غايب لن يقاوم أغراء الظهور بمظهر العليم ببواطن الأمور اذا تحصل على بعض التشجيع، وبالفعل، فمع أول سؤال ترك المقهى ومن فيه وجاء ليفترش بساط الذكريات مع "المعلم الجديد" ويبدأ في نثر الكلمات على طول وعرض الضجر المقيم في المكان.. فالأخبار في هذا المكان المنسي بضاعة ثمينة.. وامتلاكها يعد امتياز..

- إنَّه (سلمان)..

عيون عسلية مشوبة ببعض الخضرة

تمالك أنفاسه بالكاد وهو يسمع الاسم، واستدعى الكثير من رباطة جأشه وهو يمنع نفسه من استدرار المزيد من الكلام من فم أبو غايب.

- هو من أهل القرية، ومن عائلة ميسورة كانت تمتلك العديد من البساتين والأراضي وتعيش في بحبوحة ظاهرة.. ولكن أغلبهم غادروا أما إلى المدينة أو (ضاحكا) نحو الدعة في عالم البرزخ والخلود.. وصاحبنا هذا يعود للقرية بين وقت وآخر رغم أنه لم يعد له أحدا فيها.

في هذه النقطة يعلم أن صاحبه يحتاج لبعض التحفيز الإضافي.. ومع حرص بالغ على أن لا يبدو مدى تلهفه لسماع المزيد.. سأله:

- وما الذي أتى به يا ترى.؟؟

- الحديث ذو شجون يا صديقي.. والأمر يعود لسنوات طويلة.. عندما كان البيت الكبير موجود وكان الحجي وقتها ما زال في عنفوان قوته وجبروته، وكان (سلمان) وحيده وجوهرته الكبرى وكنزه الثمين.. أيامها كانت هناك امرأة تعمل في منزلهم مع ابنتها الجميلة.. وكانوا يساعدون في ترتيب أمور المنزل مقابل الإعاشة والملاذ في منزل قريب تملكه العائلة.. فالمرأة كانت أرملة وغريبة ولا أحد لهم في الجوار.

- وثم ماذا؟؟

- ماذا؟ القصة المعتادة في مثل هذه الأمور عندما تضع الزيت قرب النار.. فتاة جميلة وشاب مدلل تعود أن يحصل على كل ما يريد.. و(ساهرة) كانت تسيل لعاب أي رجل بقوامها الممشوق وجمال بشرتها المترعة بالصفاء.. وأضاف ضاحكا.. ما الذي تتوقعه في مثل هذه الوضعية.

- (مع الكثير من اصطناع اللامبالاة) وما الذي حصل لها وقتها؟

- ما حصل هو أمر لم يكن مما كنا نراه في الأفلام القديمة، ولكنه الفعل الأقرب إلى الواقع.. والأكثر منطقية -وبصوت منخفض- في ليلة وضحاها أبعدت الفتاة وأمها عن المنزل.. واختفى الشاب ولم نعد نراه وقتها.

- بهذه البساطة

- ليس تمامًا، المرأة يبدو أنَّها لم تستسلم لما رسم لها من مصير.. خاصة أنَّ بعض الكلام قد تسرب عن وعود معينة قد وجدت هوىً في قلب الفتاة، وبعض الرضا في قلب الأم.. وهو ما انتج بعض الأقاويل، فيبدو أنَّ ما عرض على الأم مقابل السكوت لم يكن ليملأ عينيها.. أنت أعلم  بنماذج مثل هذه من الناس.. كانت تدور على البيوت وتتكلم عن شرف مضاع وخداع ومن هذا الكلام..

-(متململًا).. ثم؟؟

- لم يستمع لها أحد، فهي كانت غريبة عن القرية، ولم يكن هناك من يرغب في مواجهة غضب السيد.. الجميع تحدث وقتها عن اختفاء المرأة وابنتها عن القرية، وإبعاد الفتى عن القرية بحجة التحاقه بدراسة أو عمل ما عند أخواله.. وانقطعت أخبارهم تمامًا إلا من بعض الحوادث العرضية من هنا أو هناك

- (محاولًا إخفاء ضيقه) أية حوادث؟؟

- ليست حوادث بمعنى الكلمة.. بل أخبار من هنا وهناك

- مثل؟؟

-أخبار عن مشاهدات متفرقة للأم وابنتها في احدى المدن القريبة، وهناك من يجزم بأنه سمع بوفاة الأم في احدى المستشفيات العامة، قبل أن تنقطع أخبارهم تمامًا.. وإنْ كان (خضير) يقسم أنه شاهد منذ زمن بعيد الفتاة تمر من أمام سيارة الحمل التي يملكها وهي تحمل طفلًا صغيرًا بين يديها، إنَّه حاول أن يناديها ولكنها ضاعت وسط الزحام، (ضاحكا) ولكنه مصدر غير موثوق خاصة في الأمور التي يدعي فيها أنه شاهد عيان.. ولكن إذا أردت الصراحة، هناك بعض النظر في روايته؟

- كيف ؟

- (هامسًا) لأنه بعد فترة قصيرة من وفاة الحاج، بعد أن مرت سنين على تلك الأيام وغياب الشاب عن القرية حتى ظننا أنه لن يرجع، عاد على غير توقع، ومر على بيتها، وقد مضت على مروره الأول أعوام، لم يدر أحد بالضبط لماذا جاء؟ ولماذا ما زال إلى الآن يتسلل إليه بين الحين والآخر؟ خاصة تسقطه أخبار الفتاة وسؤاله طوال هذه السنين عن كل ما يمت لها بصلة، والأهم أنه لم يستغرب عندما أخبرته بمرآها مع طفل في شوارع تلك المدينة البعيدة، بل انه حرص على الاستزادة من تلك الملاحظات مع أننا قد أشبعنا (خضير) سخرية عندما تحدث بالأمر.. احس كما لو انه كان على علم بشيء ما تم التكتم عليه بقوة وقتها.. قد يكون له طفل خطيئة من تلك الفتاة اللعوب، فالكل كان يتحدث عن أنَّ الفتاة وأمها قد استغلتا شبق الفتى وطيشه في علاقة محرمة طمعًا ببعض المال.

- (كاتمًا انفعاله) ولماذا لا يكون الفتى هو من استغل حب الفتاة وأعجابها به؟؟

- أي حب أستاذ.. أنت رجل محترم ولا تعرف كيف تفكر هذه الأصناف من الناس.. أستأذنك.. فهناك بعض الطلبات علي أن ألبيها.

عند تلك النقطة بالذات، أحس أن مقاومته أخذت تضعف، وشعر بانقباض شديد في معدته، ودوار خفيف يعصف برأسه، جر ساقيه بتخاذل ومشى بصعوبة نحو المغسلة ليرطب وجهه، محاولًا تفادي إفراغ ما في معدته على الأرض.. امتلأت فمه بالسوائل وفاض قلبه بكل الأسى الذي اختزنه لسنين طوال، امتلأت عيناه بالدموع وهو يحاول تنظيف ما خلفته ثورة أمعاءه على بياض المغسلة، وكان أكثر ما مزق قلبه حينها، صورة الرجل مطبوعًا على المرآة، بعينيه العسليتين المشوبتين ببعض الخضرة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د