انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

علكة على الرصيف

أنوار حسين الدليمي
أنوار حسين الدليمي

قاصة وأديبة عراقية

4 دقائق للقراءة
34 مشاهدة1 تعليق
علكة على الرصيف
مشاركة:

 تنتبه إلى أن المخدة تصلبت بأكثر مما يتوقع منها حتى تكاد أن تخدش رأسها، برودة شديدة تسري في جميع أوصالها.. تعجب لذلك ولكن هناك ما يشغل بالها أكثر ..

- فقط لو استطعت أن أحرك رأسي قليلاً تجاه الصوت.. إنه هو.. هو بالتأكيد.. فقط لو استطعت

تألف صوت أقدامه منذ سنين عندما كان يتسلل ببطء إلى داخل الغرفة مخافة إيقاظها ،وهو مضمخ بذلك العطر الرخيص، وكل مرة كانت تتصنع النوم .. ولكن هذه المرة كان الأمر يختلف.

تستنفر كل حواسها لتستنطق الصوت الذي يطرق أسماعها ويبدو كأنه يحدثها.. يتجسد في رأسها حتى تكاد أن تراه..

- فقط لو استطعت أن أحرك رأسي..

تتعاظم الأصوات قادمة من كل مكان محدثة إياها بألسنة غريبة متنافرة ، وقع أقدام كثيرة تتخاطف قرب رأسها وتتقافز فيما حولها

يبرز صوته من بين الأشياء .. يتوضح قليلا، يهمس في أذنها.. هذا أنا.. تنفجر بالبكاء بخليط من الحزن والفرح.. وقبل أن تغيب نبراته عن خيالها تتساءل

- ترى أين هو الآن ؟

ما سر كل هذه الوجوه الخائفة حولها، وما كل هذه العتمة وما هذه الأيادي التي تتناوشها

- أظن أني سمعت صوتاً ! 

وضعت أذنيها على باب الغرفة كي تنصت بشكل أوضح لكنها لم تسمع شيئا.. كان المكان شبه مظلم ، أشعلت الأنوار لترى ..  لا يوجد أحد ، استغربت وكذبت أذنيها.. وحاولت تجاهله ، لكنها ما لبثت أن سمعت صوت القفل وهو يدار ويهم بدخول الغرفة .. وكان دبيب وقع أقدامه نفسها ، ونفس العطر.. تحبس أنفاسها ،  وهو يسير نحوها بضع خطوات ثم يقول هامساً

- لا داعي للقلق فأنا قريب منك

أحست بيباس يقيد حنجرتها ، شيء ما في الهناك يمنع صوتها من النداء..

- لا تخافي

تشاغلت بلملمة ثيابها خوفاً من أن تطير مع الريح التي هبت عليها وذكرتها برائحة القداح في بستان والدها، ركضت بين الأشجار وهي تتلقط تفاصيل حياتها التي عاشتها في صباها، تذكرت ارتباك خطواتها وهي تسير لأول مرة خلف قلبها.. تخطو خطواتها الأولى إلى جانب زوجها والفرحة  تغمر قلبها ، ولكن هناك بعض القلق لا تفقه كنهه..

- أحضروا المحفة إلى هنا..

غاصت في مقعدها وهي تستمتع بالنظر إلى الطرقات وقراءة اللافتات الضوئية الملصقة على البنايات.. تميل نحوه، ترنو إليه وتبتسم له برقة .. يمازحها ويداعبها بلا ملل، جميل خفيف الروح ذا حيوية وجاذبية ، يقبض عليها بيده وكأنه يخشى أن تفر منه تلتصق بساقه وهو يمسك بمقود السيارة وعينه على الطريق ،ولكنه ذلك العطر مرة أخرى.

ينعطف يساراً وينضم إلى طابور زحام السيارات.

- لم يتبق الكثير لنصل

تتبع أصابعه وهي تشير إلى قرب المكان المقصود، فاتسعت ابتسامتها وعاد إليها المرح، تجاهلت الرائحة.. فمالت بجسدها إليه أكثر واسترخت على ذراعه..

- أدرينالين بسرعة.. أدرينالين

تشممت عطره وهو يتجعد فزعاً من منظر بائع العلكة الذي برز أمامهم مترنحاً وسط الطريق، كان العطر مختلفاً هذه المرة

- نعم.. كانت علكة بالتأكيد، بنفس الألوان التي تسطع في عيني الآن . ولكنها أقل حدة .. نعم .. إنها هناك متناثرة على الرصيف لا تجد من يجمعها..

مرت عليها هنيهة ارتياح سرعان ما تبددت وهي تشاهد ملامح الرعب تحتل قسمات وجهه التي لطالما أحبتها..

-أنتبه.. أنتبه

لم تكن أمامه فرصة.. كانت على يقين أنه كان ليتخطاه، ولكن كل الحق على ذلك العمود الذي انتصب فجأة أمام مقدمة السيارة

- لم يكن عليه أن يستمر بالقيادة.. كان عليه أن يقف.. مجرد أن يقف.. ولكنه أكمل

- أخفضي رأسك

اخشوشنت المخدة مجدداً تحت رأسها.. لم تعد ناعمة.. الكثير من اللزوجة أخذت تنساب على السرير الذي أصبح بارداً فجأة، ولكن منظر الرعب على وجه زوجها منعها من التفكير بأي شيء آخر

- اضغط على مكان الجرح.. أين الضماد بحق السماء

استولى عليها الرعب ، العينان العسليتان الواسعتان أطفأهما الفزع ،كان المكان مظلماً وموحشاً رغم كثرة الأقدام التي تتراكض فيه.. لكن القمر وفر نوراً لمعت من خلاله أعين رجال الإسعاف.. وترددت في مسامعها صافرات  ضجت برأسها ...

أحست بأنفاسها تختلط بأنفاسه وهي ممددة على مبعدة منه وسط صرخات فزعة ، رفع  رأسه من على الأرض محدقاً بها  بأعين نصف مغمضة، مشيراً لها بيده .

- لا تصرخي هكذا ! كل شيء على ما يرام

لم تكن تصرخ.. ولكنها حاولت ذلك وهي ترنو إلى تهاوي يده وهو يناضل في محاولاته النهوض، تمنت لو استطاعت أن تقول له حينها أنها تحبه.. وأنها كانت تتجاهل تلك الرائحة من أجله.. ولكنها تلك العتمة التي أطبقت على كل شيء.. 

- أسرع .. أسرع.. سنفقدها

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د