انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

بجاه أبي الجوادين

جمال الهنداوي
جمال الهنداوي

كاتب وصحفي.

8 دقائق للقراءة
46 مشاهدة1 تعليق
بجاه أبي الجوادين
مشاركة:

الساعة تشير إلى أن المساء قد تجاوز منتصفه بكثير، تمضي عقاربها بتثاقل وضجر في تلك الغرفة الصغيرة التي تعبق برائحة القماش الأسود اللامع الجديد، أنسلًّ الخيطُ الأخيرُ من الإبرةِ كما تتساقط الأيامُ من العمر.. تنهدت هدى ومدّت يدها تطفيء الماكينة.. نظرت بأسى إلى أكوام القماش والعباءات غير المنجزة.. فكرت في أنها حتى لو استطاعت إكمال جميع ما هو مطلوب منها فلن تستطيع تسديد أيجار هذه الغرفة التي تسكنها في الطابق الثاني من منزل الحاج أبي غايب..

مع هذا، لم تكن تشعر بالكثير من القلق، فلن يطردها أبو غايب تحت أي ظرف.. سيصبر عليها، نعم.. من المؤكد أنه سيصبر حتى تجمع له المبلغ، لن يكون بقساوة زوج عمتها الذي رماها في الشارع في أحلك الأوقات التي كانت فيها بحاجة لأي نوع من التعاطف.. ستسدد له جزءًا من الإيجار على أن تكمل له المبلغ بعد أيام قليلة

- لا أعتقد أنه سيمانع، فهو رجل طيب، ويعاملني وزوجته أم غايب كأني أبنتهما منذ أن اضطررت للسكن عندهما..

حدثت نفسها وهي تنهض متمطية من خلف ماكنة الخياطة لتعد لنفسها وجبة خفيفة تقيم أودها، قبل أن تأوي إلى فراشها.

طارت على أجنحة الخيال وهي تلقي نفسها منهكة على أقرب كرسي، لتلك الصور الغائمة عن الأيام التي كانت فيها برفقة والديها، وتراءى لها والدها الحاج (رزوقي) وهو يعود من العمل حاملا أكياس الطعام وهي تركض نحوه لاستقباله هاشة باشة تتقافز بين أقدامه كقط المنزل المدلل، ومثل كل مرة.. مزق ذاكرتها صراخ النسوة في دارهم عندما انقض عليهم خبر الحادث المميت وذهولها من فرط الدموع التي كانت تطالعها في وجه كل من تراها.. وتذكرت سخونة الشارع وقتها عندما اقتادتها عمتها معها إلى منزلها، وكيف أنها وضعتها بعد أيام في عهدة الحاجة (فخرية) رحمها الله لتعلمها خياطة العباءات، فالمرأة يجب أن تعمل لكي تعيل نفسها.. كما قالت لها عمتها حينذاك

استيقظت من أفكارها على رنين الهاتف..

رقمٌ بلا اسم،.. قد تكون احدى الزّبونات.. فكرت

 لكن رجفة خفيفة في القلب وشوشت في إذنها أن هذا الرنينَ قد يكون رسالة من ماضٍ لم يُدفن بعد.

رفعت الهاتف بيدٍ مرتجفة.

صوته جاءها متردّدًا، ناعمًا مثل ظلّ غيمةٍ فوق جدار:

- مرحبا..

رباه.. أيعقل هذا، إنّه هو.. بعد كل تلك الآلام.. هو من جديد.. سكتت.. بالكاد استطاعت أن تتحمل تلك الثواني من الصمت التي سادت بينهما

- أنا.. أنا.. أحمد

- ............

- لا أريد أن أزعجك… فقط، هل من الممكن أن أراك؟ ربع ساعة فقط..

- .............

- ربع ساعة فقط.. لدي الكثير مما أريد قوله لك

- .............

- أرجوك

همست، كأنها تردّ على نفسها:

- أين؟

- بالكاظمية.. كافتيريا (الزائرين)، هل تتذكرينها؟

- .....................

 (كيف تنسى تلك الكافتيريا.. وتلك الطاولة في آخرها، عندما جلسا يشربان الشاي وسط جموع زوار أبي الجوادين وهي غارقة في حيائها بعد أن ناضل هذا الجار لأسابيع لكي توافق أن تلاقيه هناك خلسة من أهلها

- سوف أزوركم أنا وأهلي وأخطبك رسميا، حفلة بسيطة، لا داعي للكثير من البهرجة، فقط ليعرف الكل أنك لي

تراقص قلبها وقتها بخجل:

- متأكد من أنك تستطيع أن تقنع أمك؟ تبدو كما لو كانت لا تحبني.. أراها دائما عندما تزور الحاجة (فخرية)

- أكثر من تأكدي من اسمي.

- أرجوك.. لهذه المرة فقط

جاءها صوته كمن يدقّ على بابٍ كان مغلقًا بمسامير الخيبة.. ويعيدها إلى أيام أحست أنها طوتها إلى الأبد.

- أرجوك... ربع ساعة فقط

أما هي فكان قلبها المرتبك يعرف أن لا شيء هناك ينتظر، سوى مرآة لماضٍ مكسور.

- الله كريم.. سأرى إن كان بالإمكان

في يومها، وقفت أمام المرآة.

الكحل لا يُخفي التعب، ولا العيون التي أرهقها طول العهد بالدموع، والعباءة لا تستر ندوب الروح.

خطوط وجهها ليست كثيرة، لكنها عميقة... كأنها حفرت بإبرة الخياطة التي أحنت ظهرها على مدى السنين،

وكلما أمعنت في "الترقيع"، تساقطت خيوط الأمل من أطراف الثوب.

في تلك الليلة البعيدة، حين لم يأتِ…

حين انتظرته بثوبٍ جديد لم ترتده بعدها قط.. وسط قريباتها المتجمعات لإعلان الخطبة

وصلها الخبر (أمه رفضت الحضور.. لم تكن تعجبها البنت، كل شيء قسمة ونصيب).

- تستحقين كل الذي يجري لك، تعجلت الوثوق به أكثر من اللازم.

صرخت عمتها وهي تمسح عينيها بغيظ:

- قلنا لك لا تفرطين بمشاعرك، لكنك لم تسمعي!

وأضافت الخالة الأخرى بشماته متعسفة:

- مجرد أن سمعت كلمتين حلوتين من أول رجل، ركضت خلفه كالبلهاء

همست أمام المرآة، وهي تعدل من عباءتها..

- لماذا أذهب إليه.. ما الذي يمكن أن أسمعه منه، كيف سيبرر لي الأمر، هل سيتحجج بوالدته بعد كل هذه السنين

حاولت العدول عن الذهاب، لكنّ هناك شيئًا ما لم يمت بعد.

ليس الحنين، ولكن الرغبة في أن ترى في عينيه السؤال الذي تأخّر كثيرًا.

الشارع يمتدّ كما لو كان يختبر صبرها.

الحافلة مزدحمة، تفيض بالركاب، كالعادة.

أبواب المحالّ مشرعة على أسرارها، وضحكات البنات العائدات من المدارس تسرق منها بقايا الصبر.

 (كان يطرق أبواب قلبها بيده في تلك الأيام

- قلت لأمي، هذه هدى… أقسم لك، أني لم أرى مثلها.

صوته كان دافئا في تلك الليلة، وهي خلف الباب تبتسم دون أن تُظهر نفسها.

- قالت والدتي، الله الموفق.. وإن كنت أريد لك ابنة أخي.. ولكني قلت لها، لا يوجد عندي من هو أغلي منها، وسأقف في وجه الدنيا من أجلها)

لكنك تركتني كغصن قُطع من شجرة تنتظر خريفها باكرًا.

- قال أنه يحبني.. ولكنه خاف من أمه في النهاية

تحاول أن تحافظ على طيّات عباءتها، رغم زحمة الأكتاف المتعبة في سيارة النقل الصغيرة

- لماذا فعلت هذا يا أحمد.. كان المفروض أن تكون تلك الأيام الأجمل في حياتي، حفلات وخطوبة وزغاريد، وليس الاختباء خلف ماكنة الخياطة وكلام الناس يأكل في رأسي

 (كانت نظرات الجارات كحدّ الإبرة، تدقّ دون أراقة الكثير من الدماء.

- من المؤكد أنه رأى منها ما جعله ينسحب في يوم الخطوبة

- هم الرجال هكذا يهربون دائمًا عندما ينالون مبتغاهم

استجمعت شجاعتها.. وواجهتهن يومًا، بصوتٍ مجروح، لكنه ثابت:

– لم يمد لي يومًا يدًا… وما تجاوزنا حدود الشرف والتقاليد، لا تدعون أنكن تخافن علي أكثر مني.

لكنها كانت تعرف أنهن لا يسمعن سوى صدى الندم المتأخر.)

وصلت الحضرة.

ضوء الغروب ناعم على القباب الذهبية، والهواء محمّل برائحة البخور والدعاء المؤجّل.

تمسكت بشباك باب الحوائج بقوة، دعكت وجهها بفضته.. دعت دون صوت:

- اللهم لا تجعلني فريسة للحنين.. بجاه أبي الجوادين

صوت الآذان أعاد إليها صوت عمتها وهي تنشج بعيون دامعة

- الأمر ليس بيدي يا بنيتي، عمك يقول أن عليها أن لا تبقى بيننا بعد الذي جرى.. بيت أبي غايب قريب علينا، ولديهم غرفة لطيفة في الطابق الثاني.. حيث أستطيع أن أزورك بين الوقت والآخر..

تذكرت كل هذا وهي تدلف إلى كافتيريا (الزائرين) وكيف أنها اضطرت أن تنكب على الماكنة لتداوي خيباتها وتسند نفسها، لتتمكن من شراء خبز لا يغمس بمنة أحد.

كان واقفًا قرب آخر طاولة، كما اتفقا.

وجهه نحف كثيرًا، وبان عليه الشحوب، أما نظراته فبقيت كما هي، معلّقة بين الأسف والرغبة.

جلست.

استقامت في جلستها، وضعت حقيبتها بعناية، كما تفعل النساء حين لا ينوين البقاء طويلًا.

قال وهو يشدّ على كلماته كمن يخشى أن تتفلت:

- اشتقت لك

نظرت إلى المارة خلفه دون أن تجيب.

- لم أنسك يومًا، ولم يبارح طيفك خيالي

- .........

- أنا آسف جدًا، لا تظني أن الأمر كان سهلًا علي، كنت أموت كل يوم

- ........

- الظروف تغيرت الآن.. لقد انفصلت عن ابنة خالي.. لم نكن على وفاق يومًا.. وأمي الآن لا تستطيع أن تعترض، وأبي لم يكن لديه مانع حتى وقتها.

سرحت بعينيها إلى البعيد.. وهي تعجب بأن هذه الكلمات لم تجد أي صدى داخل قلبها

حاول أن يمد يده، مستشفعًا بسهومها ونظراتها الغائمة.. كأنه يبحث عن خيط قديم بين أناملها.

سحبت يدها بحركة سريعة جافلة وبعين مستنكرة

- ماذا تفعل

قال بصوتٍ هوى من شفتيه مثل ورقة جافة:

- نتزوج؟

رفعت نظرها إليه لأول مرة في اللقاء، وهي تسمع تلك الكلمة المشتهاة، كان وجهه مثلما رأته أول مرة، وكما بقي في ذاكرتها عندما خفق له قلبها بكل براءة وأحلام الصبا، ولكن كان في عينيها مرآة لماضٍ لا يريد أن يُغفر.

- نتزوج؟؟؟ لماذا

- لأني أحبك.. ولم أتوقف عن حبك يومًا

- تحبني؟؟ كيف

- نعم أحبك، وسأثبت لك ذلك.. مستعد أن أتزوجك فورا.. أن أعقد عليك الآن

فاجأها أن مشاعرها في تلك اللحظة لم تكن الغضب.. ولا الحنين.. لكنها نوع لم تعهده من قبل يتأرجح ما بين الشفقة والرثاء

قالت وهي تضحك باستخفاف لم تحاول إخفاءه.

- هل تذكر عندما كنت بحاجتك في ذلك اليوم.. وأنت اختفيت بلا كلمة وداع

- أستطيع أن أصلح الأمر الآن

- وعندما جاء خبر زواجك بعد أيام وتركتني للأقاويل

لم يجب.

مر على خاطرها بسرعة كل الكلام الذي اختزنته في قلبها وهي تكابد ليالي الذل والأسى الطويلة، وكل ما كانت ترسمه في خيالها من أحاديث اللوم والعتاب وهي تتخيله ضاحكا هانئا مع أسرته الجديدة، ولكن الغريب.. أنها أحست أن كل هذا لن يكون له أي معنى، وأن إحساسها كان محايدًا تمامًا في تلك اللحظة..

تابعت، بنبرة فيها دفء قديم خنقته الأيام:

- الحب ليس حقيبة نغلق عليها مشاعرنا ونطمرها في الخزانة لحين صفاء الجو.. لقد آذيتني جدًا يا أحمد

- مستعد أن أعوضك عن كل هذا، وأن أرمم كل ما تهدم من علاقتنا

سحبت عباءتها ببطء، ووقفت.. وهي تشعر بقوة جديدة لم تختبرها سابقًا وهي تتغلغل بين ثنايا وجدانها

- كل شيء ممكن أن يرمم.. إلا الخذلان.

ثم مشت وهي تغالب دموعًا لم تشأ أن تمنحه إياها

كانت خطواتها خفيفة، كأنها خرجت أخيرًا من حالة الانتظار لما لن يكون.. ولأول مرة، أحست بالامتنان لماكنة الخياطة التي وهبتها الصلابة، والقوة، والكرامة، ومنحتها انتصارًا صغيرًا لم تتمنّه يوما، ولكنه كان أقصى المتاح

مشاركة:
جمال الهنداوي
جمال الهنداوي

كاتب وصحفي.

آخر تحديث: ٣ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٠٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د