كان الصمت ثقيلاً يُطاقُ بصعوبة، يتخلله صرير العجلات على إسفلت الطريق الممتد نحو الجنوب. عبد الله يشدّ بفرط عجلة القيادة، وعيناه المحمّرتان تنظران عبر الزجاج الأمامي بذهولٍ غائم، بينما يثقل كاهلَ السيارة خشبُ النعش المحمول ف الخلف.. نعشُ سارة. كلما اهتزت السيارة، سالت من عينيه دموع حارة تكتوي بها حسرته على امرأة كانت له دفئاً وسنداً، فتسرح ذاكرته رغماً عنه في أزقة الماضي الموجعة.
ارتدّ به الزمان إلى تلك الأيام السوداء، يوم شهدت المقدادية في ديالى مرارة التهجير والخراب. تراءت له لحظات الخيوف والذعر، وصوت الصراخ الذي يملأ الهواء خشية الموت. يتذكر كيف ودّع في ذلك الضياع حبه الأول (رقية)، وهي تفلت من يده لتهرب مع عائلتها ونفوسهم مفزوعة نحو إحدى مدن الجنوب. منذ تلك اللحظة الملعونة، انقطعت أخبارها تماماً، ولم يتبقَ لعبد الله منها سوى غصّة في الحلق، وحنينٍ يسكن الذكريات، وجرحٍ غائر لم يندمل.
دارت الأيام، وانقضت عتمة داعش وهُزم الموت، ليعود الأهالي يلملمون ما تبقى من أرواحهم في المقدادية. هناك، وفي زحام الحياة المعادة، التقى بـ (سارة)، الموظفة في دائرة الجنسية. كان اللقاء صدفة بسيطة أزهرت بين ركام الخراب؛ تسللت بينهما العاطفة هادئة شجية، وانتهت بزواجٍ ردت لطائره المكسور بعض الجناح.
خمس سنوات مضت على زواجهما، لم تُرزق خلالها سارة بطفل يملأ عليهما البيت، لكن الحب كان كافياً. غير أن القدر كان يتربص بهما مجدداً؛ إذ داهم جسدها الفضيل فيروس كورونا. فلم يستطع جسدها الضعيف المقاومة، وانطفأت سارة، تاركة عبد الله معذباً يقطع الطريق نحو وادي السلام في النجف.
وصلت السيارة أطراف المقبرة. تنفس عبد الله غبار المكان الممزوج برائحة البخور والورد المجفف. نزل وهو يحمل جنازة زوجته بين القبور الشاخصة، يخطو بين الشواهد يبحث عن المدفن المخصص لأهالي المقدادية. وفيما هو يكسر الصمت بوقع خطواته الثقيلة، تسمّرت عيناه على إحدى الصخور القريبة..
وجهٌ مطبوع على لوحة الشاهد، وجهٌ يعرفه قلبه قبل عينيه.. إنه وجه رقية، حبه الأول الذي فارقه في زحمة التهجير. قرأ السطر المحفور تحت الصورة بذهولٍ شلّ أركانه: المرحومة رقية محمد.
انهارت قدماه على الأرض، وجرت دموعه كسرابٍ لا ينتهي. زادت الحسرة في صدغه حتى كادت ضلوعه تتكسر؛ لم يكن مصدقاً أن المرء يمكنه أن يموت مرتين في حياة واحدة. في هذه الأرض الممتدة من التوابيت، سيزفّ سارة إلى ترابها، ويدفن معها رقية التي رحلت دون أن يودعها.. سَيُبقي في هذه المقبرة روحه وقلبه، ويرجع إلى بيته جسداً فارغاً ينبض بالعدم.







التعليقات