منذ مات أبي، لم أعد أخاف البحر.
الغريب أنني كنت أخافه بسببه.
كنت طفلًا في السابعة حين عرفت أن أبي لا يحب الماء. كنا نسكن في العريش، وكان البحر قريبًا من بيتنا إلى الحد الذي يجعل رائحته تدخل علينا مع الهواء، ويترك الرمل أثره على عتبة الباب مهما كنسناه.
كان أبي يقول كلما اقتربنا من الشاطئ:
— البحر ملوش أمان.
ثم يجلس بعيدًا عنا، تحت نخلة أو بجوار سور منخفض، ويراقبنا دون أن يقترب.
كنت أظن أنه يخاف أن نغرق.
الآن، بعد كل هذه السنوات، أعرف أنه لم يكن يخاف الماء.
كان يخاف ما يختبئ وراءه.
---
في السادس من أكتوبر 1973 كنت في السابعة.
لا أذكر الحرب كما يذكرها الكبار.
أذكر الراديو الصغير فوق الرف.
أذكر أمي في المطبخ وهي تعد الشاي.
أذكر أبي واقفًا أمام الراديو، وقد انحنى قليلًا كأنه يريد أن يدخل بصوته إلى الجهاز.
ثم جاء صوت المذيع.
ساد الصمت.
قال أبي:
— عبرنا.
سألته:
— عبرنا فين يا أبّا؟
نظر إليّ.
— القناة.
لم أفهم.
كنت أعرف بحر العريش، وأعرف الطريق إلى السوق، وأعرف بيت خالي، لكن كلمة «القناة» كانت بالنسبة إليّ مكانًا بعيدًا لا أعرف له شكلًا.
لم يقل أبي شيئًا آخر.
لكن أمي، التي كانت تسمعنا من المطبخ، توقفت عن الحركة.
---
كان أخي الأكبر جنديًا في الجيش.
عرفت ذلك من كلام الكبار أكثر مما عرفته منه.
كان قد التحق بالجيش قبل الحرب بعامين، وكان يعود إلى البيت في الإجازات بوجه أكثر صمتًا في كل مرة.
في السادس من أكتوبر لم نعرف أين كان.
وفي اليوم التالي ظل أبي قريبًا من الراديو.
لم يكن يسأل أحدًا.
كان ينتظر.
كنت أراه يخرج إلى الحوش، ثم يعود، ثم يفتح الراديو، ثم يغلقه.
ولم أفهم لماذا كان كل شيء في البيت يتحرك حول غياب شخص واحد.
---
في صباح التاسع من أكتوبر، جاء رجل من وحدته.
أتذكره جيدًا، رغم مرور السنين.
كان وجهه شاحبًا، وفي يده ظرف بني.
جلس في صدر البيت.
قدمت له أمي الشاي.
ظل الكوب في يده دون أن يشرب.
ثم قال لأبي:
— ابنك اتصاب يوم 8 أكتوبر.
سأل أبي:
— فين؟
ذكر الرجل اسم الموقع.
ثم قال:
— الإصابة كانت في الصدر.
صمت قليلًا.
— نقلوه للنقطة الطبية، بس استشهد قبل ما يوصل.
لم أفهم معنى الجملة كاملة.
كنت أظن أن «استشهد» تعني شيئًا قريبًا من السفر.
ظللت أنتظر أخي.
أما أبي، فقد فهم كل شيء.
كان أخي قد مات في الثامن من أكتوبر، بعد يومين فقط من بدء الحرب، وبعد يوم واحد من عبوره إلى الضفة الشرقية.
لم يمت في لحظة العبور.
مات بعدما عبر.
وظلت هذه الحقيقة تؤلم أبي أكثر من الموت نفسه.
---
بعد سنوات، حين كبرت، فهمت سبب صمته.
قبل حرب أكتوبر بسنوات، كان أبي جنديًا على جبهة القناة خلال حرب الاستنزاف.
كان قد عرف القناة قبل أن أعرفها أنا.
عرف رائحة الماء في الليل.
وعرف الخوف الذي يجعل الجندي يصمت كي لا يسمع قلبه.
وعرف معنى أن يعبر الإنسان وهو لا يعرف إن كانت الضفة الأخرى ستصبح مكانًا للعودة أم مكانًا أخيرًا.
ولهذا، حين عبر أخي في السادس من أكتوبر، لم يكن أبي يسمع خبرًا عسكريًا.
كان يسمع ماضيه يعود إليه في صورة ابنه.
الأب الذي عبر.
والابن الذي عبر بعده.
الفرق الوحيد أن الأب عاد.
والابن لم يعد.
---
كان أبي يحتفظ بحذاء أخي في صندوق خشبي.
كلما جاء السادس من أكتوبر، كان يخرج الحذاء وينظفه.
كنت أراقبه ولا أفهم.
مرة سألته:
— هو ليه مات يا أبّا؟
ظل صامتًا.
ثم قال:
— عشان الحرب كده.
قلت:
— بس إنت رجعت.
رفع عينيه إليّ.
وقال:
— رجعت بجسمي.
ثم سكت قليلًا.
— إنما جزء مني فضل هناك.
لم أفهم وقتها أنه كان يتحدث عن نفسه وعن أخي في الجملة نفسها.
فهمت ذلك بعد موته.
---
وجدت رسالته في صندوقه القديم.
كان قد كتبها بعد وفاة أخي بعام، ولم يرسلها إلى أحد.
كتب:
«يا ابني،
لو سألتني ليه يوم العبور بيوجعني، هقول لك عشان أخوك عدى وما رجعش.
أنا عديت قبله بسنين ورجعت.
هو عدى بعدي وما رجعش.
ومن يومها وأنا عارف إن أصعب حاجة في الحرب مش إنك تخاف وأنت بتعبر.
أصعب حاجة إنك ترجع وتلاقي واحدًا من اللي كانوا معاك فضل هناك.»
توقفت عند هذه الجملة طويلًا.
ثم فهمت لماذا كان أبي يخاف البحر.
لم يكن يخاف أن يغرق.
كان يخاف أن يرى في الماء صورة القناة.
ويرى نفسه شابًا يعبرها.
ثم يرى أخي بعدها بسنوات، يعبرها هو الآخر، ولا يعود.
---
عدت إلى العريش في مساء السادس من أكتوبر، بعد سنوات من وفاة أبي.
كنت قد عشت بعيدًا عنها طويلًا، لكنني كلما ضاقت بي المدن الأخرى، كنت أعود إليها.
العريش وحدها كانت تعرف كيف تحفظ الأشياء دون أن تتحدث عنها.
وجدت البيت القديم.
تغير الباب.
كبرت شجرة الحوش ثم يبست.
وبقي في الحائط مسمار صغير كان أبي يعلق عليه جلبابه.
لم أدخل.
واصلت طريقي إلى البحر.
كان المساء قد بدأ ينزل على المدينة.
رأيت النخيل يتحرك مع الريح، وسمعت أصوات الناس من البيوت القريبة، واختلطت رائحة الملح برائحة الشاي والدخان والطعام.
جلست على الرمل.
كان البحر أمامي كما تركه أبي.
هادئًا.
بعيدًا.
وعارفًا.
للمرة الأولى لم أفكر في أخي بوصفه الرجل الذي لم يعد.
فكرت فيه بوصفه ابن هذه المدينة.
ولد بين رملها وملحها.
كبر في بيوتها.
ثم عبر بعيدًا عنها.
وظل اسمه يعود إليها كلما جاء أكتوبر.
تذكرت أبي.
وفهمت أن حكاية الرجلين لم تكن حكايتين.
كانت حكاية واحدة.
أب عبر القناة وعاد.
وابن عبرها بعده ولم يعد.
وأب قضى بقية عمره يحاول أن يفهم لماذا أعادته الحرب وحده.
مددت يدي إلى الرمل.
كان الرمل يلتصق بأصابعي كما كان يلتصق بحذاء أبي حين يعود من البحر.
قلت بصوت خافت:
— يا أبّا... أنا رجعت.
سكت قليلًا.
ثم قلت:
— وأخويا لسه هنا.
لم يجبني أحد.
لكن البحر تحرك.
جاءت موجة صغيرة، لامست قدمي، ثم عادت.
رفعت رأسي إلى أضواء العريش.
وفهمت أخيرًا أن العبور ليس دائمًا وصولًا إلى الضفة الأخرى.
أحيانًا يكون العبور هو أن تحمل من رحلوا معك، وأن تعود بهم إلى المدينة التي أحبّوها، وأن تترك أسماءهم في المكان الذي يعرف كيف يحفظ الغائبين.
نهضت.
وراء ظهري كان البحر.
وأمامي كانت العريش.
ومشيت نحو البيت.
هذه المرة لم أشعر أنني عائد وحدي.
ما تركه أبي على حافة البحر

آخر تحديث: ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٤١ م






التعليقات