انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

هاجر الرقيق
هاجر الرقيق

شاعرة وأديبة تونسية

2 دقائق للقراءة
30 مشاهدة
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
مشاركة:

(1)

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها:

أختلي بنفسي،

وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا

حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج

بطرف الفراش

حين أقرّرُ النّوم.

(2)

كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا،

ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة،

ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره،

كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت

فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين مسنده.

كبرتُ وأنا لا أعرفُ القلب

إلاّ بصفتهِ عطبًا.

لذلك كانت أمّي تحذّرني

من أزيزِ التّنك بصدري،

خاصّةً حين يمثلُ أبي أمام غرفتي،

مُتعقّبًا كلَّ البراغي التي سقطتْ منّي

ذلك اليوم.

كيف كان لي أن أفهمَ وقتها

أنّ الآباء يُصلحونَ الأشياء

بالقضاءِ عليها؟

(3)

لم يحدث أن عانقني أبي

أو قالَ أنّهُ يحبّني.

لم يحدث أن ندهني

إلاّ حين أعودُ من المدرسةِ

بإلهٍ مُلتوٍ أو مخدوش،

فيُعيد تشغيلَ إيماني بالذِّكْرِ والأوراد.

ماذا تفعلُ البنتُ بأبيها

حين تسمعُ آية الكرسيّ على لسانه

أكثر من ٱسمها؟

جرّبتُ الصّلاة،

لكنّني لم أعرف كيف أحدّثُ السّماء

عن فتاةٍ لكثرةِ ما صدأت أفكارها،

تغسلُ طَرْحَتَها يوميًّا.

(4)

البيوتُ المجاورةُ كانت تعملُ بالله أيضًا،

و بقليلٍ من الغاز والكهرباء.

نسمعُ تكبيرةَ الإحرام

فنعرفُ أنّ أهلها تعشّوا جيّدًا ذلك المساء.

كانت أمّي تقول بأنّنا أغنياءُ بإيماننا،

و مع ذلك،

تمنّيتُ لو كان الإيمان لمّاعًا

ومُستديرًا،

أو أنّني سمعتُ له رنينًا

و أنا أُحصيهِ أمام كشك الفشار.

حاولتُ أن أُصدّقَ أمّي،

لكنّي تجشّأتُ كلَّ التّصديقِ من فمي

حين مسكني البائعُ بكيسِ البلاستيك

تحت قميصي.

(5)

ليلتها،

كانت بطني المنتفخةُ حدثًا أكبر

من فواتيرِ الغاز والكهرباء،

و الطُّوفانِ الذي عمّ البلاد

و تحريرِ فلسطين.

من بينِ كلِّ الأماكن،

ارتأى أبي أنّ الغضبَ هو الأرحب

لنلتقي فيه

مرّةً من كلِّ إثم.

ماذا تفعلُ ٱمرأةٌ لم تعرف الله

إلاّ وهو ينتفضُ تحت صدغِ أبيها؟

(6)

المرّةُ الوحيدةُ التي قرأتُ فيها القرآن

لم تكن لأفوزَ بالآخرة،

بل لأستعيدَ أبي

الذي أعيشُ معه من ثلاثةِ عُقود

تحت سقفٍ واحد

ولازلتُ أنتظرُ وصوله.

مشاركة:

آخر تحديث: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حصاد المشيب
ثقافة عربية

حصاد المشيب

قصة قصيرة : بقلم محمد محمود غدية / مصر ​لم يمتثل لنصائح الأصدقاء بضرورة الزواج بعد وفاة زوجته؛ فقد كان وقتها في خضم الخدمة. توالت السنوات، ولكمته الشيخوخة، ليصبح رقماً في جداول المعاشات، ثقلت منه الخُطى، وشحَّ النظر، لكنه لم يتوقف عن القراءة وكتابة الشعر من خلف عدساته الزجاجية. ​يقول: "إنه ليس…

· 2 د
"مأوى "
ثقافة عربية

"مأوى "

لدي يا أمي رغبةً جارفة لحب امرأةً عمياء لأروي لها حزنك وملامح الأشجار في طفولتنا، امرأة تعيد ترتيب قلبي بيدين مرتعشتين مثل طفلٍ خائف. امرأة سعيدة.. لا تعرف الفرق بين لون الدم ولون أحمر الشفاه، أو الفرق بين نظرات قاتل متسلسل وشكل الموت بنظرات ضحاياه الأخيرة ​أريد أن أحب امرأة لا تكبر أبدًا، لا تنسى…

· 1 د
في ذكرى الملاحي
ثقافة عربية

في ذكرى الملاحي

صالح : هل تجرؤ ان تمسك بي ثانية ان تدعني افتش في كلماتك من جديد وان اسبر اغوار الحقيقة وحدي عن الاولى ماتوا وهم سائرون وعن ضمائر باعتنا في قطع من الليل البهيم ماتزال تلك الحقيقة ماثلة في اذهاننا ومازال الوجع والانقسام يكوي قلوبنا كل يوم وحضرموت تنادينا في كل مفتتح للقصيدة ونشيد ياايها الغائب الحاضر…

· 1 د