لم يمتثل لنصائح الأصدقاء بضرورة الزواج بعد وفاة زوجته؛ فقد كان وقتها في خضم الخدمة. توالت السنوات، ولكمته الشيخوخة، ليصبح رقماً في جداول المعاشات، ثقلت منه الخُطى، وشحَّ النظر، لكنه لم يتوقف عن القراءة وكتابة الشعر من خلف عدساته الزجاجية.
يقول: "إنه ليس بشاعر، وإنما هو رسول يكتب ما يُملى عليه" في عينيه فيضُ حبٍ متدفقٍ لا ينضب، وعالمه رَحب "
قالت له امرأةٌ كان قد طلبها يوماً للزواج ورفضته، انها مُرحِّبة بالزواج منه اليوم بعد أن طُلِّقت، فرفض قائلاً: "لستُ كرةً من الجليد، تنصهر وتتجمد وقتما تشائين!". أسالت الدمع على وجنتيها في محاولةٍ لاستمالته، فسخر من دموعها التي دفعت بالأشواك في روحه، مضيفاً أنه لا شيء يدوم، فكلٌّ في سبيله إلى التغيير، أو التفسخ، أو التفكك، أو الموت؛ لذا لم يعد يتشبث بشيء، كما أنه لا يستطيع الزواج بعد فقده لأطواق النجاة التي أعانته على الخوض في أمواج الحياة المتلاطمة والعيش في سلام.
الأصدقاء والأحباب يربتون على كتفه، مادّين إليه رغيف البهجة، يقتاته على مهلٍ كل يوم. نجح في إخفاء الحزن، مؤكداً لمن حوله أن الفرح مقيم، والحزن طارئٌ عابرٌ وممضٍ. لم نرَ لكلماته يوماً أنياباً يعضُّ بها، لطيف المعشر، لا يُحدث ضجيجاً، يكفي الأبناء أن لديهم أباً حنوناً رحيماً، يحبهم حباً يمتد للأحفاد، وهو بمثابة الدنيا لهم.
الجدالات الفارغة لم تعد تطرأ على عقله، لا يسأم حاضره، ولا يندم على ما مضى، ولا يخاف الغد الذي لم يأتِ. بين الفينة والفينة، ينادي الابنة، يسألها عن والدتها التي تأخرت في إحضار الإفطار؟ بعدها ينادي ابنه ويسأله عن والدته التي تأخرت في إعداد الشاي.
الابن مخاطباً شقيقته بابتسامة واسعة: "لا بد من الامتثال لطلباته ومجاراته؛ نحن أمام أبٍ ينسى دائماً أن زوجته ماتت منذ زمن بعيد!".







التعليقات