تناولنا قهوة الصباح في الحديقة، في صمتٍ شبهِ مُطبق. ثم نهضت بياتا ووضعت الأكواب في الصينية قائلة: "هل ترغب بنقل الكراسي إلى الشرفة؟"
"لماذا؟"
"قد تمطر."
سألتها مندهشًا: "كيف تمطر ولا توجد غيمة واحدة في السماء؟"
"ثمة قرصة برد في الهواء، أليس كذلك؟"
"كلا، هذا غير صحيح."
"قد أكون مخطئة إذن."
ثم صعدتْ سلم الشرفة ودخلتْ إلى غرفة المعيشة.
لبثتُ جالسًا في مكاني لربع ساعة تقريبًا بعد ذهابها؛ ثم حملتُ أحد الكراسي وصعدت به إلى الشرفة. وقفت هناك لبرهة أنظر عبر سياج الحديقة الخشبي إلى الغابة الممتدة على الجانب الآخر من المنزل. كانت الغابة خالية من أي شيء يمكن أن يجذب النظر. ومن خلال باب الشرفة المفتوح سمعت بياتا تدندن. فكرتُ أنها سمعتْ النشرة الجوية بالطبع.
نزلتُ عائدًا إلى الحديقة واستدرتُ نحو واجهة المنزل، متوجهًا إلى صندوق البريد الموجود بجانب بوابة المنزل الحديدية السوداء. كان الصندوق فارغًا. أغلقتُ البوابة لأنها كانت مفتوحة لسبب ما؛ ثم رأيت أن أحدهم كان قد تقيأ أمامها مباشرة. شعرت بقليل من الضيق، وربطت خرطوم الحديقة بصنبور الماء القريب من مدخل القبو وفتحت الماء على أشدّهِ؛ ثم سحبت الخرطوم خلفي إلى البوابة. أخطأ تيارُ الماء المندفع بقوة هدفَه قليلًا، وتطاير شيء من القَيْءِ على الحديقة، وتناثرت بقيته على أسفلت الشارع. لم تكن هناك فتحة تصريف قريبة، فكان كل ما قمت به هو إبعاد تلك القذارة الصفراء عن البوابة مسافة أربعة أو خمسة أمتار. مع ذلك شعرت بالارتياح لتخلصي منها ودفعها بعيدًا.
بعد أن أقفلتُ الصنبور وأعدتُ خرطوم المياه إلى مكانه، شعرتُ بحيرة غامضة ولم أكن أدري ماذا ينبغي علي أن أفعل. فعدتُ إلى مكاني المعهود في الشرفة وجلستُ. بعد دقيقة سمعتُ بياتا تدندن من جديد. وبدا لي أنها كانت تفكر بشيء كانت تحب التفكير فيه؛ أو ربما كانت تظن أنني لم أكن أسمعها. سعلتُ، فتوقفت عن الدندنة وران على المكان صمت ثقيل.
بعد ذلك جاءت إلى الشرفة وقالت: "أنت جالس هنا؟"
كانت قد وضعت بعض المكياج على وجهها، فسألتُها:"هل تستعدين للذهاب إلى مكان ما؟"
"كلا."
أدرتُ رأسي نحو الحديقة وقلتُ: "لقد تقيأ أحد الأغبياء أمام البوابة."
قالت: "أووف."
قلت: "إنه شيءٌ مقرفٌ حقًّا."
لكنها لم تجب.
نهضتْ وسألتني: " هل لديك سيجارة؟"
ناولتها واحدة وأرثتَّها لها.
قالت: "شكرًا."
هبطتُ سلم الشرفة وجلستُ أمام الطاولة في الحديقة. ظلت بياتا واقفة تدخن لوحدها في الشرفة. ثم رمت السيجارة بعد تدخين نصفها على الحصى الناعم المفروش أمام سلم الشرفة.
قلتُ: "ما الحكمة من ذلك؟"
"سوف تحترق."

ثم دخلتْ غرفة المعيشة. حدّقتُ بذيل الدخان الرفيع المنبعث مستقيمًا تقريبًا من السيجارة وتمنيتُ ألا تأتي الجمرة عليها. بعد فترة نهضتُ وقد اجتاحني شعور مفاجئ بالضياع. نزلتُ إلى بوابة السياج الخلفية، وسرتُ فوق شريط العشب الضيق المؤدي إلى الغابة. توقفتُ خلف حافة الغابة تمامًا وجلستُ على جذع مقطوع، حيث تواريتُ تقريبًا وراء إحدى الأجمات عن الأنظار. خرجت بياتا إلى الشرفة. نظرتْ إلى حيثُ كنتُ جالسًا ونادت علي. فكرتُ أنها لا يمكن أن تراني. هبطتْ إلى الحديقة ودارت حول البيت. ثم صعدتْ إلى الشرفة ثانية. نظرتْ ثانية إلى حيث كنتُ أجلس. فكَّرتُ: (لا يمكن أن تراني) ثم استدارت ودخلت غرفة المعيشة.
نهضتُ وتوغلتُ داخل الغابة.
قالت بياتا عندما جلسنا لتناول الطعام: "ها هو هنالك مرة أخرى."
"مَنْ؟"
"ذلك الرجل، الواقف عند حافة الغابة، قريبًا من شجرة الصنوبر التي... لا عليك، لقد ذهب الآن."
نهضتُ وذهبتُ إلى النافذة وسألتها: "أين؟"
"قرب شجرة الصنوبر الكبيرة."
"هل أنتِ متأكدة إنه نفس الرجل؟"
"أعتقد ذلك."
"لا أحد هناك الآن."
"كلا، لقد ذهب."
عدتُ إلى الطاولة وقلتُ: "لا يمكن أن تكوني متأكدة أنكِ رأيتِ نفس الرجل من هذه المسافة."
لم تجب على الفور، ثم قالت: "لو كنتَ أنت واقف مكانه لرأيتك."
"هذا يختلف، أنتِ تعرفين مسبقًا من أنا."
بعد ذلك واصلنا الأكل دون كلام لبعض الوقت، ثم قالت:
"بالمناسبة، لماذا لم تجبني عندما ناديتُ عليك؟"
"هل ناديتِ علي؟"
"لقد رأيتك، ناديتك ولم تجب."
لم أحر جوابًا، فتابعتْ هي قائلة: "لقد رأيتك."
"لماذا درتِ حول البيت إذن؟"
"إذن، أنت لا تصدق أنني رأيتك."
"لم يدر ذلك بخلدي."
"لماذا لم تجبني؟"
"لم أجد داعيًا لذلك، لأني لم أكن أعتقد أنكِ كنتِ قادرة على رؤيتي، ولعلكِ كنتِ ترين شخصًا آخر في مكان مختلف تمامًا."
"إن كنتَ لم ترني، أو إن كنتَ تتظاهر بذلك، فليس هناك أي مشكلة، يا إلهي، هل هناك مشكلة؟"
لبثنا صامتين لبعض الوقت. وكانت بياتا تدير رأسها باستمرار وتنظر من النافذة.
قلتُ لها: "لم تمطر."
"كلا، لقد احتبستِ."
وضعتُ شوكتي وسكيني على الطاولة واتكأتُ بظهري على كرسيي وقلتُ: "أتعلمين، أنكِ تثيرين حنقي أحيانًا."
"حقًّا؟"
"أنكِ لا تعترفين بأخطائكِ أبدًا، أليس كذلك؟"
"بالتأكيد أعترف، غالباً ما أخطئ، الكل يخطئ. الكل دون استثناء."
نظرتُ إليها ورأيتُ أنها بدأت تدرك تماديها. نهضتْ ورفعتْ صحن الصلصة الكبير وصحن الخضروات الفارغ وذهبت بهما إلى المطبخ، ولم تعد مرة ثانية. نهضتُ أنا أيضًا وارتديتُ سترتي، ثم توقفتُ لبرهة متنصتًا، لكن الصمت كان مطبقًا.
ذهبتُ إلى الحديقة، واستدرتُ نحو واجهة البيت، متوجهًا إلى الشارع، ثم انحرفت إلى الجهة اليمنى نحو ضواحي البلدة. كنتُ حقًّا أشعر بالضيق. الحدائق المحيطة بالفلل الموجودة على جانبي الشارع كانت خالية، والصوت الوحيد المسموع كان طنين حركة المرور الرتيب القادم من الخط السريع.
أصبحت البيوت خلفي وأنا أعبر قطعة الأرض الكبيرة المستوية التي تنتهي مباشرة "بالفْيُورْد"، مقتربًا من مقهى صغير من مقاهي الهواء الطلق المطلة على الخليج البحري مباشرة، وهناك وجدتُ مقعدًا خاليًا عند حافة الماء. ابتعتُ كأسًا من الجعة، ودخنتُ سيجارة. كان الجو ساخنًا، لكني احتفظتُ بسترتي لأني حسبتُ أن قميصي كان مغطى ببقع العرق تحت أبطيّ.
جميع زبائن المقهى كانوا يجلسون خلفي؛ وأمامي كان يمتد الفْيُورْد، والمنحدرات البعيدة المغطاة بالغابات. طنين الأصوات الخفيضة وخرير الماء الخافت بين صخور الساحل أصابني بحالة من الخواء الذهني الناعس، سمح لخواطري بأن تنساب على طريقتها الخاصة لتوهمني براحةٍ زائفة. وفجأة، وجدتُ نفسي مستسلمًا لرغبة مؤلمة بالهروب، لم أجد لها تعليلًا. كان ثمة شيئًا شموليًا في تلك الرغبة الغامضة جمّد، على نحوٍ ما، إحساسي بالزمن. لم يدم هذا الخاطر المباغت والرغبة القوية بالهروب سوى لحظات قليلة استيقظتْ بعدها حواسي، معيدة إياي إلى أرض الواقع.
عدتُ إلى البيت من نفس الطريق، عبر قطعة الأرض المنبسطة ذاتها. كانت الشمس تقترب رويدًا رويدًا من الجبال الموجودة في الغرب؛ وكان ثمة وهجٌ ضبابيٌّ خفيفٌ يخيم على المدينة الصغيرة التي سكن فيها الهواء تمامًا. جعلتني فكرة العودة إلى البيت أشعر بالحيرة والتردد في تقرير الوجهة القادمة، وانتابني خاطرٌ مفاجئٌ، واضحٌ ومحددٌ: تمنيتُ لو أني وجدتها ميتة. لكني رغم التردد واصلتُ المسير نحو البيت ودخلتُ عبر البوابة، دائرًا حول البيت من الخلف.
كانت بياتا تجلس إلى طاولة الحديقة قبالة شقيقها الأكبر مباشرة. اتجهتُ إليهما، وكنتُ أشعر بهدوء تام. تبادلنا بعض التحايا التافهة. لم تسألني بياتا أينَ كنت، ولم تبدر منها أو من شقيقها أية بادرة تدعوني لمشاركتهما الجلوس، الأمر الذي كنتُ سأرفضه في كل الأحوال، بتقديم عذر معقول.
صعدتُ إلى غرفة النوم، وعلقتُ سترتي ونزعتُ قميصي. كان الجانب الذي تنام عليه بياتا من السرير غير مرتب. وعلى الطاولة الصغيرة الموجودة بجانب السرير كانت ثمة منفضة فيها عقبا سجائر، وبجانب المنفضة كان ثمة كتابٌ مفتوحٌ، غلافه إلى الأعلى. أغلقتُ الكتاب وحملتُ المنفضة معي إلى الحمام ورميتُ محتوياتها في المرحاض وضغطتُ زرَّ الطرد (السيفون)، ثم تعريتُ وبدأتُ أستحم تحت الدوش، لكن الماء كان فاترًا، بل أقرب إلى البرودة، لذا لم ألبثْ تحت الماء إلا قليلاً، على عكس ما كنتُ أنوي.
وبينما كنتُ واقفًا أمام نافذة غرفة النوم لأرتدي ثيابي، سمعتُ بياتا تضحك. أكملتُ ارتداء ثيابي بسرعة ونزلتُ إلى غرفة المنفعة الموجودة في القبو؛ ومن خلال النافذة الموجودة هناك كان باستطاعتي رؤيتها دون أن تشعر بي. كانت تجلس وقد مالت بجسدها إلى الخلف على ظهر الكرسي، وقد انحسرَ ثوبها إلى أقصى حدٍّ، كاشفةً عن فخذيها المنفرجتين وشابكةً يديها خلف رأسها بحيث بدا قماش ثوبها الشفاف منضغطًا بشدة على نهديها. كان ثمة شيء فاحش في جلستها تلك أثار فحولتي، وما جعل إثارتي تتفاقم رؤيتها تجلس مكشوفة بهذا الشكل أمام رجل آخر، حتى لو كان ذلك الرجل أخاها.
لبثتُ أراقبها لفترة؛ كانت تجلس على مسافة لا تبعد أكثر من سبعة أو ثمانية أمتار عني، لكني كنتُ متيقنًا أنها لم تكن قادرة على رؤيتي بسبب النباتات الدائمة الخضرة الموجودة في حوض الزهور خارج شباك القبو مباشرة. حاولتُ التنصت على ما يقولان، لكنهما كانا يتحدثان بصوت خفيض، خفيض على نحو مريب، على ما أظن. ثم نهضتْ ونهض أخوها أيضًا، فما كان مني إلا أن صعدتُ سلم القبو على عجل ودخلتُ المطبخ. فتحتُ الماء البارد وجلبتُ قدحًا، متظاهراً بالشرب لأوهمها بأنني لم أكن أراقبهما، لكنها لم تدخل، فأقفلتُ صنبور الماء وأعدتُ القدح إلى مكانه.
عندما استعدتُ هدوئي ثانية، ذهبتُ إلى غرفة المعيشة ورحتُ أتصفح مجلة عن الميكانيك. كانت الشمس قد غربت، لكن لم يكن ثمة ضرورة بعد لإنارة المصابيح. تصفحتُ المجلة من الغلاف إلى الغلاف وبالعكس. كان باب الشرفة مفتوحًا. أشعلتُ سيجارة وتناهى إلى صوت طائرة قادمة من بعيد؛ بعد ذلك أطبق السكون.
شعرتُ بالقلق من جديد، نهضتُ وذهبتُ إلى الحديقة، فلم أجد أحدًا هناك. كانت بوابة الحديقة مفتوحة جزئيًّا، فأغلقتها، ورحتُ أفكر: (قد تكون الآن تراقبني من خلف الأجمة). عدتُ إلى طاولة الحديقة، وحركتُ أحد الكراسي من مكانه قليلًا بحيث جعلتُ ظهره مواجهًا للغابة، وجلستُ. أقنعتُ نفسي بأن لو أحدًا كان يراقبني الآن من شباك غرفة المنفعة الموجودة في القبو، فلن يتسنى لي معرفة ذلك من مجلسي هذا. دخنتُ سيجارتين. بدأ الظلام يهبط، لكن الهواء كان ساكنًا ورائقًا وقريبًا إلى الدفء. ثم ظهر هلال شاحب فوق التلال إلى جهة الشرق، لقد بلغت الساعة العاشرة مساءً. دخنتُ سيجارة أخرى. ثم سمعت صريرًا خافتًا يصدر عن البوابة الموجودة في سور المنزل، لكني لم ألتفت.
قالت وهي تجلس وتضع باقة صغيرة من الزهور البرية على طاولة الحديقة: "يا له من مساء جميل!"
قلت: "نعم."
"هل لديك سيجارة؟"
ناولتها واحدة وأعطيتها القداحة.
أردفتْ متسائلة بصوتها المفعم بحماسة طفولية طالما وجدتُ فيها سحرًا لا يقاوم:"هل تحب أن أحضر لك زجاجة نبيذ؟"
وقبل أن أقرر بماذا أجيب، نهضتْ ممسكة بباقة الورد، وهرعت تسير فوق العشب ثم صعدت درجات سلم الشرفة.
فكرتُ: (ستتظاهر الآن بعدم حدوث شيء) ثم فكرتُ: (لم يحدث شيء، أليس كذلك؟ إنها لا تعرف شيئًا عن أي شيء)
وعندما عادت تحمل زجاجة النبيذ وكأسين وحتى مفرشًا مقلمًا بخطوطٍ زرقاء، كنتُ قد استعدتُ هدوئي بالكامل تقريبًا. كانت قد أضاءت النور الموجود فوق باب الشرفة، فأدرتُ كرسيّ بحيث صرتُ أجلس بمواجهة الغابة.
ملأت بياتا كأسينا، وبدأنا نشرب.
تمطقتْ قائلة: "إنه نبيذ لذيذ."
كانت الغابة تبدو مثل ستارة سوداء إزاء زرقة السماء الشاحبة.
قالت:" ما أجمل هذا الهدوء."
قلت: "نعم."
ورفعتُ لها علبة السجائر، لكنها لم تكن ترغب في التدخين، فتناولتُ أنا سيجارة.
قالت: "انظر إلى الهلال."
قلت: "نعم."
"ما أشد نحوله!"
"نعم."
وتناولتُ رشفة جديدة من النبيذ.
قالت: "في القارة يكون الهلال مائلاً قليلاً."
لم أجب.
تابعتْ قائلة: "هل تتذكر تلك الكلاب التي تعاصّتْ بعد السفاد في ثيسالونيكي؟"
"في كافالا."
"جميع الشيوخ خارج المقهى كانوا يصيحون بمرح، وكانت الكلاب تنبح وتحاول جاهدة الانفكاك من بعضها البعض. وعندما غادرنا البلدة، كان ثمة هلال نحيل مثل هذا يميل قليلًا إلى الوراء، عندها شعرنا بدبيب الرغبة يسري في أوصالنا، هل تذكر؟"
"نعم."
صبَّتْ بياتا المزيد من النبيذ في كأسينا. ثم جلسنا صامتين لفترة من الزمن، وكانت فترة طويلة جدًا. جعلني حديثها أشعر بالضيق، وزاد الصمت الذي استطال بيننا فيما بعد من إحساسي بعدم الارتياح. بدأتُ أبحث عن شيء أقوله، شيء عادي جدًا ينتشلني مما أنا فيه. نهضت بياتا. دارت حول طاولة الحديقة ووقفت خلف ظهري. شعرتُ بالخوف، وفكرتُ: (ستفعل بي شيئًا ما الآن) وعندما شعرتُ بيديها على حنجرتي، انتزعتُ نفسي بقوة بعيدًا عنها، دافعًا برأسي وكتفي إلى الأمام. لكني أدركتُ في نفس اللحظة تقريبًا سخف ما فعلتُ، واندفعتُ أقول دون أن ألتفت إليها:"لقد أفزعتني."
لم تجب.
اتكأتُ على ظهر الكرسي، وسمعتها تتنفس.
ثم ذهبتْ. بعد قليل نهضتُ وهرعتُ إلى الداخل.
كان الظلام قد أصبح حالكًا تمامًا، وكنتُ قد انتهيتُ من شرب النبيذ وفكرتُ بشيء ما أقوله؛ تطلب مني ذلك بعض الوقت. تناولتُ الكؤوس والزجاجة الفارغة معي، لكن بعد لحظة من التردد تركتُ قماشة الطاولة المخططة بالأزرق في مكانها.
كانت غرفة المعيشة خالية. ذهبتُ إلى المطبخ ووضعتُ الزجاجة والكؤوس في حوض المغسلة. كانت الساعة قد بلغت الحادية عشرة ليلًا. أغلقتُ باب الشرفة وأطفأتُ النور؛ ثم صعدتُ إلى غرفة النوم. كان المصباح الموجود بجانب السرير مضاءً. كانت بياتا مضطجعة وقد أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى.
كانت نائمة أو تتظاهر بالنوم.
لحافي كان مسحوبًا إلى الأسفل، وعلى الملاءة كانت عكازتي التي استخدمتُها بعد الحادث الذي تعرضتُ له في عام زواجنا. التقطتُ العكاز وكنتُ على وشك دسه تحت السرير لكني غيرتُ رأيي. وقفتُ ممسكًا بالعكاز في يدي ورحتُ أحدق في قوس مؤخرتها المغطاة بلحاف صيفي خفيف، واجتاحتني فجأة رغبة جنسية عارمة.
غادرتُ الغرفة على عجل وتوجهتُ إلى غرفة المعيشة، والعكاز في يدي، ودون أن أدري في الواقع لماذا، نزلتُ به على فخذي وكسرتُه نصفين. آلمتني الضربة لكنها خففت من شعوري بالهياج الجنسي. دخلتُ المكتب وأنرتُ المصباح المعلق فوق لوحة الرسم. أطفأتُه ثانية وتمددتُ على الأريكة، غطيتُ نفسي ببطانية وأغمضتُ عيني. تمثّلتْ لي بياتا بوضوح في خيالي. فتحتُ عيني ثانية لكني مع ذلك رأيتها هناك أيضًا.
استيقظتُ عدة مرات خلال الليل ونهضتُ من النوم مبكرًا. ذهبتُ إلى غرفة المعيشة لإزالة شظايا العكاز؛ لم أكن أريد بياتا أن تعلم أني كسرته.
كانت تجلس على الأريكة، فنظرت إلي وقالت: "صباح الخير."
أومأتُ برأسي صامتًا، لكنها واصلت النظر إلي، ثم قالت:"هل انتهى ما بيننا؟"
"لا."
نظرتْ إلي نظرة حادة لم أفهم مغزاها، فقلتُ لها : "لقد أسأتِ فهمي، لم ألاحظ قيامكِ، كنتُ غارقًا في التفكير وعندما شعرتُ فجأة بيديكِ تحطان على رقبتي أدركتُ أنكِ ربما كنتِ... لكني لم أكن أعلم أنكِ كنتِ تقفين هناك."
لم تتفوه هي بشيء.
نظرتُ إليها، فرمقتني بالنظرة العميقة الغامضة نفسها.
قلتُ لها : "يجب أن تصدقيني."
كفت عن التحديق وقالت:
"نعم، أصدقك. أليس كذلك؟"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبذة عن الكاتب:
يُعدّ الكاتب النرويجي الراحل شل آسكلدسن (Kjell Askildsen) أحد أبرز أعمدة المدرسة الاختزالية أو الحدنوية أو التبسيطية (Minimalism) في الأدب الأوروبي المعاصر. تميز بأسلوبه الصارم في حشد التوتر النفسي بأقل عدد ممكن من المفردات، تاركاً الصمت والمسافات البيضاء بين السطور لتقوم بالدور الأكبر في شحن النص بالدراما. نال آسكلدسن أرفع الجوائز الأدبية في النرويج، وتجلت ذروة نضجه في مجموعته الشهيرة "كلاب ثيسالونيكي - Hundene i Tessaloniki (1996). لا يبحث الكاتب في قصصه عن حبكات صاخبة، بل يتأمل العلاقات الإنسانية المغلقة (خاصة بين الأزواج) حيث يتحرك الأبطال في مساحات رمادية باردة، ويتبادلون حوارات مقتضبة تكشف عن عجز هائل في التواصل الحقيقي وعن جفاء عاطفي متبادل. وفي هذه القصة، يوظّف آسكلدسن رمزية قاسية ومستوحاة من حياة كلاب الشوارع التي تظل ملتصقة ببعضها قسرًا لفترة بعد السفاد؛ لتصبح هذه الصورة مرآة نفسية لزوجين عالقين في زواج ميت عاطفيًا، يجهدان في محاولة الانفكاك لكنهما مجبران على الالتصاق والعيش مع رغبة "الانفكاك" المكبوتة والمخاوف المتبادلة.







التعليقات