انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

إلى أين نمضي؟

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج

قاص عراقي.

6 دقائق للقراءة
15 مشاهدة
إلى أين نمضي؟
مشاركة:

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر.

كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن المعركة خُسرت منذ اللحظة التي قرروا فيها خوضها، لكنه كان جندياً، والجندي لا يسأل عن النتائج، بل ينفذ.

حتى جاء الأمر، ليس عبر القنوات المباشرة كما تعود، بل كوشاح أسود عبر موجات الراديو الصغير الذي كان يهمس بالأخبار:

- حان موعد الانسحاب.

كان الصوت مبحوحاً، متقطعاً، كأنه يأتي من مكان بعيد. لكن الأوامر العسكرية لا تُطبق إلا إذا وصلت عبر مراجعه، لذلك انتظر. وعندما وصل الأمر بالاتصال الأرضي، كانت الكلمات غامضة تحمل بعض الشك:

- تجمعوا، احملوا اسلحتكم وما تستطيعون حمله من عتاد، وتوجهوا إلى مقر الفوج.

كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، في ذلك اليوم البارد من عامٍ مضى منذ سنين. السماء، التي لم تكن صافية أصلاً، بل أصبحت سجناً من دخان أسود كثيف، اختلط بغبار المعركة ليحجب حتى ضوء النجوم. هدير الطائرات كان كالرعد الدائم، يعلن عن موت يترقب لحظة سانحة.

في مقر الفوج، التقى الضابط بآمره، فرأى في عينيه انعكاساً للنار التي كانت تلتهم الأفق. إذ قال آمر الفوج بصوت مجهَد:

- انسحبوا إلى المقر الخلفي، على بعد سبعين كيلومتراً شمالاً.

سأل الضابط آمره، وهو يحاول ترويض صوته:

- وبماذا نذهب؟

أجاب الآمر دون أن ينظر في عينيه، ثم مضى:

- سيراً على الأقدام.

كان جواباً لا يحتمل الجدل. فالضابط لم يتعلم في الأكاديمية كيف يناقش الأوامر، بل كيف ينفذها، حتى لو بدت كحلم مريض. لكن في داخله، كان سؤال يدور كالسهام:

- كيف لنا أن نقطع هذه المسافة ونحن أهداف سائرة؟

تجاهل السؤال، وأمر جنوده بالانطلاق. رغم كثرة الأسئلة التي أخذت تتوجه إليه، وهي أسئلة منطقية: ماذا نفعل بالأسلحة والعتاد وهذه المسافة؟

توجهوا إلى الشارع المبلط الوحيد، يحددون اتجاههم بالبوصلة، بعد أن ابتلعت النيران كل معالم الأرض. كان المشهد مهيباً في قسوته: مئات الجنود، كالأشباح، يسيرون بصمت، لا يكاد أحدهم يلتفت إلى الآخر. كانوا كقطع في لعبة خاسرة، يجرون أقدامهم عبر الرمال التي كانت تبتلع الخُطى. أخذوا يتباعدون فيما بينهم، كذلك بدأ يرى بعض الأسلحة والعتاد ملقاة على جانبي الطريق على وميض القصف الجوي العنيف.

كان صوت الطائرات يملأ الفراغ، يذكّرهم بأن السماء ليست لهم، وأن كل خطوة قد تكون الأخيرة.

وسط هذا التيه، وبعد أن انقطع الأمل في إمكانية قطع تلك المسافة، جلس الضابط على قارعة الطريق حتى بدت الرؤية أفضل، ربما اقترب ولد فجر جديد. حينها رأى عجلة عسكرية مهجورة، نصفها غارق في حفرة من الرمال. فكر في إمكانية الاستفادة منها، فتفقد المكان، واستعان بمجموعة من الجنود الذين كانوا يسيرون بلا هدف لإنقاذها. أخرجوها من الحفرة، وكانت صالحة للاستخدام، فاستغلوها واندفعوا بها شمالاً، إلى حيث المقر الخلفي.

لكن الفرحة لم تدم. فما إن سمعوا هدير محركات الطائرات يقترب، حتى كان عليهم التخلي عنها والاختباء في الرمال، يمسكون بالأرض كأنها آخر حصن. كانت الوحشة التي يشعر بها وهو يرى تلك العجلة ربما تصبح هدفاً، ثم يعودون إليها كالجثث التي تعود إلى الحياة، تتكرر تلك الحالة كل بضعة كيلومترات.

في إحدى تلك اللحظات، بينما كانوا متوارين تحت زمجرة طائرة، حدثته نفسه:

- هل تستحق هذه الرمال كل هذا الموت؟ ألسنا ننسحب من أرض لم نكن نحلم بها؟

كان يسمع دقات قلبه تغطي على الهدير أحياناً. ثم يتذكر وجه زوجته، التي لا تدري إن كان سيعود. لذا قال في داخله:

- أيتها الحرب، ماذا فعلت بنا؟ جئتنا قهراً، تاركين خلفنا دماء وذكريات، كأننا لم نكن هنا، كأننا كنا سراباً.

عندما وصلوا أخيراً إلى المقر الخلفي بعد ساعات طوال، لم يجدوا سوى المزيد من الفوضى. كانت الدبابات تحترق كشموع ضخمة، والعجلات المقلوبة تزين الصحراء كأحجار نرد منحوسة.

هنا، علم الضابط أن الأوامر قد سبقتهم؛ فالكل ينسحب، والكل يهرب إلى حيث النجاة من مصير مجهول.لذا سأل أحد الضباط هناك بنبرة مذعورة:

-  أين المكان الخلفي؟ هل بعد هذا؟

لم يجب أحد. انقطعت الاتصالات تماماً، وكأن العالم قد أُغلق عليه، عندها أدرك الحقيقة المريرة: لم تكن هذه معركة، بل كانت مسرحية عبثية. الخسارة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت خسارة الإيمان بمعنى أي شيء. فلم يكن هناك خط دفاع، ولا هدف، ولا أمل، سوى الرمال التي لا تنتهي، والتي كانت تلتهم كل شيء: الدبابات، والجنود، والأحلام.

جلس الضابط منهكاً، مشدوداً إلى الأرض التي تئن تحته. وفجأة، سمع هدير طائرة يقترب، لم يعد لديه طاقة للاختباء، شعر بأن عقارب الساعة قد توقفت، وأن النهاية هي هذا الصوت المتصاعد.

تمسك بالرمل، وكانت حباته تتحسس وجهه، وقال في همس، كمناجاة عاشق:

- يا أرض، لم نأتِ بإرادتنا. كنا جنوداً في وهم، وأوامرنا تأتي من حيث لا نرى. احتفظي بدمي، لا تتركيه يضيع في هذا الفراغ. أنا هنا، بلا حول ولا قوة، أسألك أن تكوني قبري، لا شاهداً على هزيمتي.

ظل هكذا، عيناه مغمضتان، ينتظر. وعندما فتحهما، كانت الطائرة قد ابتعدت، لكن الصمت الذي خلفته كان أثقل من ألف قنبلة.

وقف، لا يدري إن كان قد نجا أم أنه مات. نظر حوله، فرأى عشرات الجنود؛ بعضهم جثث، وبعضهم يجرون خطاهم نحو اللاشيء.

هنا، وجد نفسه وحيداً في وسط تلك الرمال، فأدرك أن الخوف الحقيقي ليس في الموت، بل في أن تظل حياً، ولا تعرف إلى أين تمضي.

في خضم ذلك، سمع في البعيد صوتاً خافتاً، كأنه بكاء امرأة، أو صرخة طفل، أو استغاثة جندي بُترت ساقاه. لم يكد يلتفت حتى اختلط الصوت بهدير آخر للطائرات، أغمض عينيه. ظل للحظات لا يعرف أيسمع أصواتاً حقيقية أم أن الحرب تركت في رأسه ما يكفي من الضجيج كي لا يعود قادراً على التمييز بين ما يحدث وما يتخيله.

مد يده إلى جيبه، وأخرج البوصلة. حدق في إبرتها طويلاً، كانت ترتجف. دارت قليلاً، ثم توقفت لحظة، قبل أن تعود إلى الدوران من جديد.

رفع الضابط رأسه إلى السماء، كان الدخان الأسود يغطي المكان ويحجب كل شيء. نظر خلفه، فإذا بالرمال قد محَت آثار الذين سبقوه. ونظر أمامه، فإذا بالريح تصنع دوامات في الرمل، ثم تهدأ.

لم يعد يعرف أين الشمال، ولا أين الجنوب، ولا إن كان ما يسمونه المكان الخلفي  موجود حقاً، أم أن الجميع صاروا في المكان نفسه، يهربون من شيء لا يعرفون اسمه.

وقف ببطء، ونفض الرمل عن ملابسه، ثم مد يده إلى الأمام ومشى. لم يكن يعرف إن كان يتجه إلى الخلف أم إلى الأمام، ولا إن كان الطريق الذي يسلكه يقوده إلى النجاة أم إلى حرب أخرى. خلفه كانت الرمال تمحو آثار أقدامه، وأمامه كانت الريح تصنع دوامات جديدة ثم تختفي.

توقف لحظة وأصغى. لم يسمع سوى وقع خطواته، ثم تابع السير، بينما ظلت إبرة البوصلة تدور في يده، كأنها تبحث عن جهة لم تعد موجودة. وفي عتمة الدخان الكثيف ظل السؤال معلقاً فوق الصحراء:

"إلى أين نمضي؟"

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د
وثيقة التحلل في زقورة الوحل
سرد

وثيقة التحلل في زقورة الوحل

لم يكن الماءُ في القاعِ بالمعنى الهيدرولوجي النظيف؛ كان حساءً ثقيلاً من التواطؤ، مقبرةً سائلة تطفو عليها جيفُ الذكريات وتتعفن في حشاياها بذورُ القصبِ الميت. ماءٌ آسنٌ، بلونِ الصدأ ورائحةِ الكبريتِ الخام، لا يتحرك إلا ليتخثر، ولا يسكن إلا ليفوح. في ذلك القرارِ المظلم، حيث ينعدم الفارق بين الضوء…

· 6 د