لم يكن الماءُ في القاعِ بالمعنى الهيدرولوجي النظيف؛ كان حساءً ثقيلاً من التواطؤ، مقبرةً سائلة تطفو عليها جيفُ الذكريات وتتعفن في حشاياها بذورُ القصبِ الميت. ماءٌ آسنٌ، بلونِ الصدأ ورائحةِ الكبريتِ الخام، لا يتحرك إلا ليتخثر، ولا يسكن إلا ليفوح. في ذلك القرارِ المظلم، حيث ينعدم الفارق بين الضوء والعتمة وتتساوى كل الموجودات في لزوجتها، فقست أسرابُ أفراخِ الضفادع. كائناتٌ هلامية، متورمة، مبتورةُ الملامح، تحمل أذيالاً رفيعة تشبه أخطاءً مطبعية سقطت سهواً في مسودة خلقٍ متعجلة. لم تكن الأصدافُ المتكلسة التي تحكّ جلودها الملساء سوى شواهدَ قبورٍ لأسلافٍ لم يتركوا أثراً ولا اسماً، ولم يكن الطحلبُ الأخضرُ الكالح الذي يلتفُّ حول خياشيمها سوى كفنٍ يومي يُعاد تدويره بلا اكتراث.
لكنّ الفرخَ السمين ذلك الكائن الطفيلي المحتقن بروثِ البركة لا يولد ليعترف بضآلته البيولوجية. إنه، ككل كائنٍ رخيص يخرج من العدم ممسكاً بوثيقة طردٍ لا يقوى على فك شفرتها، يشرع على الفور في كتابة ملحمته الخاصة وتدبيج نسبه الإلهي. وبما أنّ قاع البركة كان هو المطلق الوحيد المتاح، فقد حوّلوا القاعَ إلى هيكل، وحوّلوا الرواسبَ إلى لاهوت، وحوّلوا العفونة إلى هالةِ قداسة. اجتمعت الأفراخ في رقعةٍ طينية وهي في ركودها المطلق، انتفخت بطونها الشفافة بفضلاتِ الماء حتى بدت أمعاؤها الدقيقة كأنها ديدانٌ تتلوى داخل زجاجٍ عكر، لتمارس طقس النفاق بأبشع صوره، نفاق الكائن التافه الذي يخترع سماءً كاملة كي لا يرى نفاق القاع العالق بخياشيمه.
اعتلى فرخٌ عريضُ الرأس، جاحظُ العينين كحبتي كرزٍ متعفنتين، قوقعةَ حلزونٍ نفق منذ زمن، ونفض ذيله المتقرح بحركةٍ توحي بالعظمة الكهنوتية، ثم صاح بصوتٍ يختنق بالبلغم :
يا معشر النطفِ النورانية! يا خلاصة البهاء المستتر في غياهب الركود! أنصتوا لما تمليه عليّ لواعجُ الأزل، أنتم لستُم شراغيفَ تسبح في سائلِ العدم؛ أنا السلمندرُ الكوني الأكبر! أنا سليل الجمرات التي اتقدت قبل أن يتشكل هذا الكون، تنازلتُ وهبطتُ إلى لزوجتكم لأكون راعياً لهياكلكم الرخوة ومعلماً لمساركم.
تدافعت الأفراخُ نحوه في موجةٍ من الهستيريا الرخيصة، تضرب بذيولها سطح الطين وتلعقُ آثاره اللزجة بهوسٍ وضيع. غير أن فرخاً آخر، كانت زعانفه مشوهة بفعل الديدان الطفيلية، شق الجمعَ واندفع يزاحمه القوقعة، وهو يطلق فحيحاً متهدجاً:
خسئتَ أيها الدعيّ المتورم! من أين لكتلةِ مخاطٍ مثلك أن تدّعي أصل النار؟ أنا الكلمةُ التي سبقت انبثاق الطين! أنا أقدمُ من الريح وأعلى من مدارات السحاب! انظروا إلى وميض جلدي، ألا تبصرون فيه قبساً من اللازورد السماوي المحرم ؟
قهقه الأول بملء شدقه الصغير الملوث، وبصق فقاعة ميثان في وجه غريمه وقال:
بل ذلك صديدُ جربٍ استوطن جلدك الميت يا أعمى! السيادة ليست صديداً يلمع، بل هي ملكوت الأفواه! نحن أربابُ التحول؛ نحن لا نقتات على الرواسب الدنيئة كما يظن الجهلاء، بل نستخلص جوهر الخلود من مسام المادة لنشيد به عرش الأبدية.
وهكذا استعر المزادُ الهزلي؛ نفاقٌ قميء يتدثر بأردية الألوهة والكمال. وإذا ارتعشت ثلمةٌ صغيرة في جسد أحدهم إيذاناً بظهور برعم ساقٍ قميئة، تداعى المجمعُ بالسجود وهم يصرخون:
"تباركت يا صانع الأعضاء! انظروا كيف تنبثق ركائز الكون من لحمه الطاهر!"
وإذا انفجرت من القاع نتانةٌ خانقة لفحت خياشيمهم، ركعوا جميعاً وتمرغوا في الحمأة وهم يرددون:
"هذا بخور العرش! هذه نفحات كروم التين والعنب المقدس التي تسقي أرواحنا في جنات الغيب!" بساتين وكروم لم يرها أحدٌ منهم، ولا يمكن لمستنقعهم أن يحوي بذرةً منها، لكن كبرياء العفن احتاج هذا المجاز الكاذب ليغسل عار الدناءة.
فوق هذا الدرك الأسفل بفراسخ عديدة، حيث ينتهي سلطان الظلام، كانت تشمخُ في الأفق زقورةُ "أور" العظيمة.
هناك، في مدارج النور حيث تغتسل الجدران الآجرية بوهج الشمس الرافدينية وتتطهر بأنسام الفرات الصافية، كانت تتفتح "زهور المعبد": زهورٌ منقوشة في حجر الصوان، وتويجاتٌ من عاجٍ مرصع بالذهب الخالص واللازورد البابلي، تحيط بها ورودٌ حية سُقيت بماءٍ زلال غسلته صلوات الكهنة ومسحته قطرات الزيت واللبان المقدس. كانت زهور المعبد تشهد طقوساً حقيقية لا مدخل للوهم فيها؛ كهنةً بلحىً مهيبة وأردية كتانية نقية يرتلون ترانيم الشكر للإله "نانا"، وعطوراً تصعد في مدارات النقاء كأعمدةٍ من نور خالص.
كانت زهورُ المعبد في "أور" تشرف من عليائها الشاهق على المستنقعات الراكدة في القفار السفلية، لا تحمل غضبٍا ولا حقدا؛ فالغضب اعترافٌ بوزن الغريم، بل كانت ترنو إليها بازدراءٍ كوني مطبق؛ ازدراء البقاء الخالد للهباء الزائل، ترفع الرخام الطاهر عن دنس المراحيض المنسية. كانت تلك الزهور الصامتة، بنقائها المنيع، تعلم أن ما يتحرك في ذلك القاع الأعمى ليس سوى طفراتٍ دودية تافهة تلوك فضلاتها في الظلام، وأن تلك الصلوات والجعجعات الكهنوتية التي يطلقها الشراغيف السمان ليست سوى صدى لمغصٍ معوي ينتاب كائناتٍ وُجدت لتُسحق.
بينما كان قداس الشراغيف يبلغ ذروة الانتشاء، إحدى الإناث تقف على طحلبٍ متفسخ وتصرخ بجنون:
"أنا ربة التحولات، وأنا سيدة الفصول والأجواء!"، انشق الستار الطيني فجأة عن ظلٍّ هائل، بارد، وأخرق:
سمكةٌ قاعية منبوذة
لم تكن السمكة كائناً أسطورياً أرسله مجمع الآلهة لمعاقبة الدجالين، ولا كانت وحشاً يطلب ملحمة؛ كانت ببساطة تجويفاً هضمياً جائعاً، ماكينة بيولوجية بليدة، عمياء عن الرموز، بكماء عن الشعر، تحرك زعانفها بتثاقل آلي قميء. شقت السمكة سقف المعبد الطحلبي بضربة ذيلٍ واحدة أطاحت بمذبح القضاء الكهنوتي.
فُتِح الفمُ الكالح الواسع كهاويةٍ ميكانيكية
وفي تلك الثانية الحاسمة التي التقت فيها شفة السمكة الشرهة بأجساد الشراغيف، وصل العمى بالجمع إلى مداه؛ فلم يفهموا أن الموت قد حلّ، بل صاح "سليل البراكين" وهو ينسحق بين الفكين:
"انظروا! هذا معراج النور! لقد فُتحت البوابة الكبرى لتبتلع الأصفياء إلى كينونة المطلق
لكن المطلق لم يكن سوى حمض الهيدروكلوريك المعدي، والظلام الهضمي اللزج الذي لا يقيم وزناً للمسميات. ابتلعت السمكةُ "سلطان الأفواه"، و"إلهة الفصول"، وحاشية الشراغيف السمان كلها في لقيماتٍ سريعة مبتذلة. تحولت الألقاب، والبلاغة، والملاحم، في طرفة عين، إلى ذرات غلوكوز وبروتين رخيص يسد فاقة سمكةٍ نكرة. سقطت الملحمةُ إلى تفصيلٍ غذائي بائس، وأُغلقت الستارة على ألوهيةٍ هُضمت في صمت.
غير أن النهاية احتفظت بلطمتها الكبرى؛ فمعدة السمكة، لفرط ما كانت تلك الأجسام محتقنة بالقاذورات والسموم الراكدة والأوهام الثقيلة، أصيبت بغثيانٍ فجائي لا يُرد. تقلصت الأحشاء، ارتج المريء في انقباضةٍ ارتدادية عنيفة، ثم قذفت السمكةُ ما عجزت عن هضمه.
بصقت السمكة الكتلة في الطين، ومضت كأن شيئاً لم يكن
وهنا تلاشت الأقنعةُ وخرس الادعاء
لم يعد في وسع اللغة أن تكذب، ولا في مقدور السرد أن يستر العورة. خرجت بقايا الأفراخ كقيءٍ هجين، كتلةٍ ممزقة من اللحم المهروس والأذيال المبتورة والأعين المفقوءة التي سال ماؤها في الوحل. خرس الادعاء خرسةً أبدية؛ لأن الفم الذي أكلته العصارات الهضمية لم يعد فماً، ولأن الشدق الذي ادعى النبوءة صار مجرد شريحة مخاطية تلتصق بالتراب. لم يكن ثمة بعثٌ مقدس، ولا قيامةٌ تعيد تشكيل الأسطورة، بل كان هناك انكشافٌ مخزٍ للمادة في أسوأ حالات سقوطها:
نفايةٌ رذلها الجوع، وقيءٌ رفضته حتى أمعاء سمكةٍ بليدة
استلقت البقايا المتفسخة على حافة الرواسب، عاجزةً عن التلفظ بحرفٍ واحد؛ لقد سقطت الميتاسريالية صريعةً أمام حقيقة اللحم المفروم. ومن علياء شرفاتها المنيعة، انعكست أنوار مشاعل زقورة "أور" على صفحة الماء المتعفن، فبدت زهور المعبد الحجرية كأنها تبتسم ابتسامة صخرية ساخرة، تدوس ببرودها الأبدي على هذا المشهد البائس. لقد رأت الزهور نهايتهم المحتومة منذ البدء، ولم تتنازل حتى لتشهد لحظة البصاق.
تمرغت بقايا "الأنا" الممزقة في الحمأة، وارتعشت أطرافها الناقصة في استسلامٍ مذل، كمن يودع كل حكاية نُسجت ليستر بها عري وجوده
اسجدي إذن لتراب أور... لا سجود التائب الذي يرجو المغفرة، بل انبطاح الرميم الذي أدرك حقيقته المطلقة:
إن الحكايات المتورمة بالنفاق قد تبني لك عروشاً من رغوة، وتمنحك أجنحةً من هواء فاسد، غير أن الجوع،حين يفتح فاه الحقيقي والبارد،يسحب السرد من حنجرتك، ويمزق أسطورتك، ثم يلقي بك قيئاً تافهاً في مستنقعٍ يبصق حتى آلهته.







التعليقات