سبق وكتبت وتناولت التجربة الشعرية للشاعرة والكاتبة اليونانية مارثا فاسكانتيرا ، كما قدمت عنها مداخلة مرئية منشورة على قناتي يوتيوب منذ عام تقريبًا ومن يومها فأنا متابع لتطور تجربتها ونشاطها المسرحي والثقافي فهي من الأصوات الشابة النشطة في الشعر اليوناني المعاصر، وقد بنت تجربتها على صلة وثيقة بين الشعر والمسرح والموسيقى، مستفيدة من دراستها للفيلولوجيا والفلسفة ومن انشغالها المبكر بالكتابة والفنون. بدأت الكتابة والنشر منذ شبابها المبكر، وأصدرت عددًا من الكتب والمجموعات الشعرية، كما كتبت نصوصًا مسرحية وأعمالًا للأطفال، وتحولت بعض قصائدها إلى أغانٍ وعروض مسرحية. ومن يتابع مسيرتها يلاحظ أن الشعر عندها لا نجده منفصلًا عن أسئلتها الإنسانية؛ حيث تحضر في نصوصها الحرب والطفولة والمرأة والحرية والحب والموت والذاكرة، إلى جانب قلق الفرد العادي أمام مرور الزمن وضياع المعنى.
ولكنني اليوم سأقف مع ديوان «حصان طروادة»، الصادر سنة 2021، والذي يشكل محطة مهمة في هذه امسيرتها. ضم الديوان إحدى وخمسين قصيدة، متنوعة، إلى جانب نصوص مقفاة ومونولوجات مسرحية. وقد أوضحت فاسكانتيرا أن الكتاب حمل رسائل تتصل بالسلام والحرية وحقوق الإنسان والمساواة، غير أن هذه القضايا لم تظهر فيه كشعارات منفصلة عن التجربة، لكننا سنلمس أنها امتزجت بالحب والخوف والخيبة والأسئلة الوجودية. ولهذا وصف ناقد يوناني قصائد الديوان بأنها أشبه بـ«سرد هادئ»، بينما رأى ناقد آخر أن فاسكانتيرا استطاعت أن تبني عالمًا شعريًا خاصًا، واضح السمات، وأن تصل بالكلمات القليلة إلى أجزاء كاملة من الحياة، ولقد اخترت.
ومن هذا الديوان نختار قصيدة «في الأعماق»؛ وهي نص قصير نسبيًا، هذا النص يفتح سؤالًا كبيرًا عن الحياة التي تمر بينما ننشغل بتدبيرها.
تبدأ الشاعرة باعتراف صادم: «في الأعماق لم أعش»، ثم تقودنا من بطاقة الهوية وعلبة السجائر والساعات الضائعة إلى الجمال والروح والموت، إلى أن تقودنا برغبة جامحة إلى الرقص والرحيل بحرية. نحن ببساطة مع قصيدة عن الإنسان عندما يكتشف أن هذا الوجود شيء، وأن عيش الحياة التي نعيشها شيء آخر.
في الأعماق
في أعماقي، لم أعش حقًا...
لقد منحوني فقط بطاقة هوية.
أنا علبة سجائر تتنقل من يد إلى أخرى،
تدخنني مرةً ضرورةُ البقاء هذه،
ومرةً ضرورة أخرى.
غطّانا السطح،
وضاعت جواهر صغيرة في القاع.
مضت السنوات،
ولم يبقَ لنا سوى الليالي.
كنا نعدّ الساعات،
لكننا أضعنا غروب الشمس.
الحياة تساوم على اللحظات،
بينما كنا نحن نبحث عن الطرق الطويلة.
الجمال لا يعيش وحده،
إنه يحتاج إلى روح أيضًا.
استهلكنا أنفسنا كثيرًا في الإملاء،
وفي النهاية نسينا ما الذي كانت تقوله القصيدة.
لكن هذا الجهل الجميل
هو الذي صنع حضارة.
وحتى الموت يحتاج إلى سبب كي يأتي،
فهو أيضًا لا يريد أن يأخذ معه
مجرد جسد خالٍ من الروح.
في أعماقي،
كنت أود أن أرقص وأنا محمّلة بالديناميت،
وأن أنفجر في لحظة رقصة الزيبكيكو.
أن أرحل حرة!

تبدأ قصيدة «في الأعماق» من جملة تبدو اعترافًا، لكنها تضعنا منذ اللحظة الأولى أمام مشهد كامل:
«في أعماقي، لم أعش حقًا... لقد منحوني فقط بطاقة هوية».
هناك ذات تنظر إلى نفسها من مسافة، كأنها خرجت من جسدها وراحت تتأمل سنواتها الماضية. بطاقة الهوية هنا شيء مرئي ومحسوس، وثيقة تؤكد وجود صاحبها، بينما الصوت الداخلي ينفي أنه عاش حقًا. منذ هذه المفارقة يبدأ النص في الانتقال بين الخارج والداخل، وبين ما يمكن إثباته وما لا تستطيع أية وثيقة أن تثبته.
ثم تقفز الصورة فجأة:
«أنا علبة سجائر تتنقل من يد إلى أخرى».
تكاد القصيدة هنا تتحول إلى لقطة سينمائية. نرى العلبة وهي تنتقل بين الأيدي، ولا نحتاج إلى أن تخبرنا الشاعرة من أصحاب هذه الأيدي. تركت الصورة مفتوحة كي نكملها نحن. هذا يستهلكنا، وذاك قد يتركنا قليلًا ثم تعود يد أخرى لتأخذنا. والأجمل أن الصورة تنقلب عندما تقول:
«تدخنني مرةً ضرورةُ البقاء هذه، ومرةً ضرورة أخرى».
لم يعد الإنسان هو الذي يدخن السيجارة، وإنما صار هو المادة التي تحترق. تتحرك العلبة، تتحرك الأيدي، يتناقص ما في داخلها، ويتحول العمر ضمنيًا إلى شيء قابل للاستهلاك.
يعمل النص بعد ذلك بما يشبه مونتاجًا شعريًا سريعًا. لا تشرح فاسكانتيرا الصلة بين الصور، وإنما تقطع من واحدة إلى أخرى:
«غطّانا السطح،
وضاعت جواهر صغيرة في القاع».
من السطح نهبط إلى القاع، ومن الخارج ندخل إلى الأعماق. ثم يقفز النص من المكان إلى الزمن:
«مضت السنوات،
ولم يبقَ لنا سوى الليالي».
وهنا يحدث قطع آخر:
«كنا نعدّ الساعات،
لكننا أضعنا غروب الشمس».
السنوات، الليالي، الساعات، الغروب؛ الزمن لم يعد أفكارًا مجردة، لكنها صارت سلسلة من الصور. هناك حركة عقارب متخيلة في مقابل شمس تغيب، وكأن الإنسان كان ينظر إلى الساعة بينما المشهد الأجمل يحدث خلف النافذة. هذه واحدة من أكثر صور القصيدة بساطة وقوة؛ لأن خسارة الحياة لم تقع في كارثة واحدة، وإنما حدثت أثناء الانشغال بحسابها.
ثم توسع الشاعرة اللقطة:
«الحياة تساوم على اللحظات، بينما كنا نحن نبحث عن الطرق الطويلة».
تظهر الطريق هنا بوصفها امتدادًا مكانيًا يقابل اللحظة كزمنٍ خاطفٍ. هكذا يظل المكان والزمن والذات، كل الأشياء تتحرك بعضها داخل بعض. نبحث بعيدًا، بينما الشيء الذي نريده ربما كان يمر بجوارنا.
وعندما تقول:
«استهلكنا أنفسنا كثيرًا في الإملاء، وفي النهاية نسينا ما الذي كانت تقوله القصيدة»،
هنا تبلغ المفارقة درجة أخرى خطيرة. ننشغل بصحة الحروف وعلامات الترقيم وننسى المعنى. ويمكن للصورة أن تتجاوز الكتابة نفسها: نهتم بطريقة ترتيب الحياة حتى ننسى الحياة.
ثم يدخل الموت إلى المشهد كأنه شخصية مسرحية: «وحتى الموت يحتاج إلى سبب كي يأتي». والأغرب أنه يمتلك إرادة، فهو «لا يريد أن يأخذ معه مجرد جسد خالٍ من الروح». الموت هنا ليس نهاية صامتة؛ لقد صعد إلى خشبة النص وصار طرفًا في الحوار، بينما الذات تقترب من انفجارها الأخير.
وتأتي النهاية كقطع حاد ومفاجئ:
«كنت أود أن أرقص وأنا محمّلة بالديناميت،
وأن أنفجر في لحظة رقصة الزيبكيكو».
اختيار الزيبكيكو يمنح الصورة خصوصية خاصة وساحرة. فهي رقصة فردية ارتجالية، لا تقوم في أصل أدائها الحديث على خطوات مرسومة أو جامدة، وليس شرطًا أن يؤديها الجميع معًا؛ فالراقص يخلق حركته الخاصة استجابة لفهمه وإحساسه بالموسيقى. لذلك تصبح الرقصة هنا نقيضًا لكل ما قيّد الذات في المقاطع السابقة. بعد بطاقة الهوية والضرورات والساعات والإملاء، يأتي جسد يريد أخيرًا أن يصنع حركته بنفسه وبكل حرية ويرفض كل القواعد.
لكن فاسكانتيرا لا تمنحنا رقصة مطمئنة ونهاية ناعمة. فالجسد محمّل بالديناميت. الحركة تقود إلى الانفجار، والانفجار إلى «أن أرحل حرة!». تتحول الخاتمة إلى مشهد احتجاجي صارخ يمكن أن يحمل رفضًا للعنف والحروب وفوضى العالم، وفي الوقت نفسه يبقى متصلًا بصرخة الذات التي تريد الخروج من كل ما استهلكها. إنها رغبة تحرر شعرية باهظة الثمن، حتى وإن كانت الكُلفة مرعبة ومؤلمة.
هكذا يبدو النص كله كحلم متحرك: ذات ترى نفسها وثيقة، ثم علبة سجائر، ثم جواهر غارقة، ثم ساعات وغروبًا وطريقًا، ثم تتحول في النهاية إلى جسد يرقص في لحظة انفجار. لا تستقر الصورة طويلًا، ولا يثبت أي مشهد في مكان واحد. وهذا المونتاج الجمالي هو أحد أسرار قوة القصيدة ودهشتها؛ لأن فاسكانتيرا لا تخبرنا بما ينبغي أن نشعر به، لكنها تمنحنا صورًا وحركات ومونتاجًا يعارض اكتمال الحدث والمعنى، وتترك لنا المساحة كي ندخل بينها ونتخيل أنفسنا داخلها.
يمكن تلخيص ما قاله النقاد اليونانيون عن مارثا فاسكانتيرا، وما قالته هي عن ديوانها «حصان طروادة»، في خمس نقاط كبرى ووهي كالتالي:.
1. الشعر عند فاسكانتيرا عالم شخصي ينفتح على الهم الإنساني
رأى الناقد اليوناني سوتيريس ي. نيكولاكوبولوس أن الدخول إلى شعر مارثا فاسكانتيرا يبدأ من إدراك الطبيعة الحميمة لفعل الكتابة. فهو يصف الشعر بأنه «طريق شديد الوحدة» و«فضاء شخصي مطلق»، وقد يكون أحيانًا «نشيجًا شخصيًا جدًا»، حتى عندما يحمل قيمًا إنسانية عامة. ومن هنا قرأ فاسكانتيرا كشاعرة تنطلق من داخلها، لكنها لا تبقى سجينة تجربتها الفردية. فالألم الخاص يتسع عندها حتى يمس القارئ، والذكرى الصغيرة تستطيع أن تفتح أبوابًا على الفقد والمنفى والحرب والخوف. ويذهب الناقد إلى أن الشعر «يعرّفنا بالعالم من جديد»، ويساعد الإنسان على احتمال وعيه بمرارة الوجود. ولهذا لا يضع مفتاح شعر فاسكانتيرا في الشرح النظري، وإنما في العلاقة التي تنشأ بين النص والقارئ؛ حيث يقترح أن نعيد قراءة قصيدتها حتى نشعر بأنها أصبحت لنا، «كأن الشاعر كتبها لنا وحدنا». هذه الملاحظة تكشف سرًا مهمًا في تجربتها: تبدأ من ذات محددة وقد تكون شخصية، ثم توسع جرحها حتى يصبح قابلًا لأن يسكنه الآخرون.
2. «حصان طروادة» ديوان اجتماعي بقدر ما هو ديوان وجودي
لم تترك فاسكانتيرا غاية ديوان «حصان طروادة» غامضة. قالت في حوارها مع أغاثي ريفيثي إن المجموعة، التي تجمع القصائد والمونولوجات المسرحية، حاولت من خلالها إلى إيصال رسائل اجتماعية تتصل بما سمته «المثل العليا والقيم الخالدة»، وحددتها في السلام والحرية واحترام حقوق الإنسان والمساواة الاجتماعية. وتؤكد بيانات الديوان هذا الاتجاه؛ فهو يضم إحدى وخمسين قصيدة، أكثرها مكتوب بأنواع شعرية متعددة وعدد من المونولوجات المسرحية. وتتناول القصائد الحاضر والماضي والمستقبل، وتواجه الظلم الاجتماعي وسلب الحرية والاعتداء على حقوق الإنسان وتهديد السلام، من دون أن تتخلى عن الحب والقلق الوجودي ومصائر الأفراد. لذلك لا ينبغي اختزال «حصان طروادة» في شعر الاحتجاج. فالاجتماعي عند فاسكانتيرا يلتقي بالوجودي: حرية المجتمع تتصل بحرية الفرد، والحرب الخارجية تقابلها حروب خفية داخل النفس، والسؤال عن العدالة يقودنا إلى السؤال عن معنى حياتنا نفسها. وهذا يساعدنا بصورة خاصة على فهم قصيدة «في الأعماق»، فخسارة العمر تصبح شكلًا آخر من أشكال سلب الحرية.
3. قصيدتها تميل إلى السرد الهادئ، لكنها تخبئ توترًا ومرارة قاسية
من آلمهم أن نشير بأن الناقد أثناسيوس أ. ناسيوبولوس اختار لمقالته عن «حصان طروادة» عنوانًا دالًا للغاية: «أبيات مثل سرد هادئ»، وهي قراءة سجلتها قاعدة «بيبليونيت» بأنها منشورة في صحيفة إفيميريدا تون سينداكتون في 11 سبتمبر 2021. إذا تأملنا العنوان سنجد أنه وحده يضيء ملمحًا ظاهرًا في نصوص فاسكانتيرا: القصيدة عندها لا تعتمد دائمًا على التكثيف الغامض، ولكن الأكثر أهمية أنها تتحرك أحيانًا كما تتحرك حكاية قصيرة؛ شخص، مكان، ذكرى، حركة، ثم انكشافات داخلية. ويتقاطع هذا مع قراءة نيكولاكوبولوس الذي وجد أن الكلمات القليلة تستطيع عندها حمل «أجزاء كاملة من الحياة». لذلك تبدو البساطة في شعرها خادعة. السطر يبدو واضحًا، والحكاية قابلة للتتبع، لكن شيئًا ثقيلًا ينمو تحت هذا الهدوء. في «في الأعماق»، مثلًا، يبدأ الأمر باعتراف شخصي، ثم تمر القصيدة بالساعات والغروب والجمال والروح،إلى أن تصل إلى صورة الزيبكيكو والديناميت والرحيل الحر. كأنها لا تحتاج إلى تعمية لغوية كي تصنع الدهشة؛ فالانقلاب يحدث داخل المعنى نفسه. وهنا يلتقي السرد بالشعر، ويتحول الهدوء تدريجيًا إلى مواجهة مع الذات.
4. الشاعرة ترى الإبداع كشفًا للذات، وترفض أن تصبح غايته رضا الآخرين
قدمت فاسكانتيرا في حواراتها مفتاتيح عديدة لفهم علاقتها بالكتابة. قالت إن الإبداع الفكري للأديب «مرتبط ارتباطًا لا ينفصم بنفسيته»، وإن المعرفة نفسها تمر عبر قلقه الداخلي وطريقة تفكيره؛ ولذلك يودع الكاتب في العمل «حقائقه الخاصة»، ومن مجموع هذه العناصر يتشكل أسلوبه وهويته الأدبية. وفي حوار أحدث ذهبت أبعد من ذلك عندما حذرت المبدع من الاستغراق في انتظار أحكام الآخرين، وقالت إن الفنان ينبغي أن يعمل «بحرية، ومن دون عوائق»، وألا يظل منشغلًا بما إذا كان محبوبًا أو بما إذا كان عمله سينجح؛ لأن «قلق طلب الاعتراف سيبتلع شغف الإبداع». وهي لا ترفض النقد، لكنها تقول بوضوح: «النقد مرحب به»، لكنها ترفض تحوله إلى غاية قائمة بذاتها. هذه النظرة تفسر مقدار حضور الحرية في «حصان طروادة». فالحرية ليست عندها موضوعًا سياسيًا أو اجتماعيًا وحسب، وإنما شرط للخلق نفسه. ومن هنا تصبح عبارة «أن أرحل حرة» في «في الأعماق» متصلة بفلسفة أوسع ترى أن الإنسان والمبدع كليهما يفقدان جوهرهما عندما يعيشان وفق انتظار قبول الآخرين.
5. الحلم والسلام والطفولة ليست موضوعات عابرة، لكنها نواة لرؤيتها إلى الإنسان
تساعد تصريحات فاسكانتيرا وبعض نصوصها المنشورة على فهم الوجه الآخر لـ«حصان طروادة». فهي تقول عن مسيرتها التي امتدت، عند صدور الديوان، نحو سبعة وعشرين عامًا: «ترددت، وخبت، وتحمست»، لكنها لم تفكر في التخلي عن أحلامها، ثم تقدم عبارة شديدة الدلالة: «أحلامي هي أكسجين حياتي»؛ لأنها تصلها بطفولتها وتحفظ الطفل حيًا داخلها. ولا تريد، كما تقول، أن تكبر «في عالم بلا لون، من دون ضربات الأحلام المضيئة». هذا الطفل الداخلي يتحول في شعرها إلى طفل إنساني أوسع. ففي قصيدتها «الإنسانية والطفل» ترسم عالمًا باع مثله وقايض حريته، ثم تضع طفلًا يرى أرجوحته معلقة على دبابة أحرقت مدينته، قبل أن توسع صورته ليصبح «البلد كله، والأرض كلها، والكون كله». لذلك يبدو السلام عند فاسكانتيرا أبعد من شعار أخلاقي؛ إنه دفاع عن الجزء الهش جدًا في الإنسانيتنا. والحلم بدوره ليس هروبًا من الواقع، وإنما قوة تمنع الواقع من إفقار الروح. ومن هنا نفهم لماذا تجتمع في «حصان طروادة» الحرية والسلام والطفولة والحب والقلق الوجودي: كلها وجوه لسؤال واحد، كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته وسط عالم يهددها باستمرار؟
يمكننا أن نقرأ تجربة مارثا فاسكانتيرا ضمن مشهد شعري يوناني شاب يتسم بالديناميكية والتجريب، ويعكس قلقًا إنسانيًا متجددًا، دون أن يقطع صلته بذاكرته الثقافية. بعض مفردات التراث تعود في هذه الكتابة برؤى مغايرة؛ فالزيبكيكو، مثلًا، لا يحضر كزينة تراثية، وإنما يولد داخل سياق جديد ودلالة مختلفة. فالكتابة هنا تقرأ الأشياء من جديد، ولا تمارس لعبة القص واللصق. وتبدو نصوص فاسكانتيرا نموذجًا جيدًا لفهم هذا المشهد الإبداعي المتطور. ويلفت الانتباه أيضًا وجود نشاط نقدي يوناني يثابر على تقديم هذه الأصوات، ومتابعة إصداراتها، وقراءة منجزها بعمق ويحاول أن يخلق حوارًا ضروريًا بين الإبداع والنقد.







التعليقات