انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

قراءة في رواية ( أرواح من رمال ) لنادية الأبرو تعطيل الفعل السردي و تضاعيف لغة المحكي

حيدر عبد الرضا
حيدر عبد الرضا

كاتب وناقد عراقي

5 دقائق للقراءة
23 مشاهدة
قراءة في رواية ( أرواح من رمال ) لنادية الأبرو تعطيل الفعل السردي و تضاعيف لغة المحكي
مشاركة:

توطئة :

تشهد رواية (أرواح من رمال) للكاتبة نادية الأبرو مجموعة ظواهر اسلوبية تطالها اللغة السردية التي تلتمس من قارئها التوقف و التأمل في جنبات النص . فالرواية موضع بحثنا تمتلك ثلاثية قطبية من المحاور السردية التي تتكفل بسرد ماضوية وحاضرية الحكاية الروائية التي تمتاز بمساحة مشروطة من موقعية السارد المشارك ، و من خلال نقل كل شخصية لأجزاء من دورها في الحكاية الروائية ، نلاحظ بأن أغلب فقرات اللغة السردية تجاوزت حدود نقل التفاصيل و المواقف و حالات المروي له ، لتتبين بعض الملفوظات و كأنها تداعيات ممزوجة بذاتية هذه الشخصية و مسارها الحكائي من الرؤية السردية .

الناظم السردي و الرؤية من الخلف .

لعل الناظم (الخارجي ــ الداخلي) في المقاطع السردية يبئر عالم الحكاية من منظورات متعددة وفي أماكن مختلفة و متوحدة ، بصرف النظر عن المكان الأحادي الذي تنطلق منه التفاصيل الروائية ك(المعتقل ــ المشفى) انطلاقا من كون الوظيفة الموقعية للسارد الناظم تتوفر و المسرود الذاكراتي على مساحة تتخذ من صيغة السرد الجواني خلاصا لها بالمكوث في ملتزمات المكان الأحادي المنصوص عليه في فقرات السرد : ( هي المرة الأولى منذ سنين .. ها أنا أجلس قبالتها أمعن النظر في زمن رسم خطواته بوضوح على قسمات وجهها الحنطي .. أرى خطوطا لم تكن موجودة من قبل فوق الفم و بجانب الذقن . / ص7 الرواية ) و من خلال ما طالعنا به السرد هنا و في أماكن أخرى نلاحظ تتبع حركة تنامي الحكي تمر بثلاثة مستويات :

1ــ المستوى الأول :

مستوى السرد الذي يقدم أغلبه عن طريق (الفاعل الذاتي / المتكلم) أي إننا نلاحظ بطئا في حركة سيرهذا المستوى ، راجعا إلى المساحات الاسترجاعية و الوصفية الموغلة على طول و عرض النص .

2ــ المستوى الثاني :

و يتمثل في تعطيل الفعل السردي فيما و ترك حاضر السرد كخروجا نحو مساحات استرجاعية مختلفة قربا و بعدا عن الفاصلة التي تمثل بداية الحكي ( الطرق مكتظة بالوجوه الغرقة .. وجوه بلون الرعب و الحجر ) و ذلك حسبما يقتضيه مقام السرد .

3ــ المستوى الثالث :

فهو تقنية الاستبطان و يتمثل في ترك واقع السرد و الاحداث الخارجية و جعل دخيلة الشخصية الروائية هي ( المبأر ) كما أن المبئر سيكون هو الشخصية الروائية ذاتها ، ويتم هذا المستوى في إطار الحكي الذاتي ، أي أن هذه الشخصية الروائية تكون ذاتا للسرد و موضوعا لها في آن واحد . و من خلال هذه الانماط السردية الثلاثة قدم الخطاب الروائي لرواية (أرواح من رمال) و استطاعت الكاتبة نادية الأبرو في إطار ذلك أن تسمح لذاتها بالتسلل إلى ذلك العالم المتخيل ، ممارسة سلطتها كخالق لهذا الكيان المتخيل ، طارحة أفكارها ورؤاها من خلال شخوصها ، لاسيما (كاظم ــ وفية ــ عبد الجبار) .

قراءة في رواية ( أرواح من رمال ) لنادية الأبرو

تعطيل الفعل السردي و تضاعيف لغة المحكي

 الرؤية السردية في الرواية .

و في إطار الحديث عن (الرؤية السردية) في هذه الرواية ، و رصد تمظهراتها لابد أساسا من الحديث و التفريق بين صوتين سرديين تناوبا في تشكيل البناء الحكائي لهذه الرواية . إذا استثنينا من ذلك صوت الناظم الخارجي باعتبار أن دوره مقتصر على بناء الأفضية المكانية و رصد الأحداث الخارجية ــ هذان الصوتان هما (صوت المتكلم) الذي يطرح أسمه على طول صفحات الرواية . فيما تبقى أصوات الشخوص الأخرى التي تنكشف بين الفينة و الأخرى ، ملأ للمساحة السردية التي يتركها المتكلم وراءه عند تراجعه عن مهمة السرد ، مما يفسح المجال أمام مسرحة الأحداث ، و اختلاف الرؤى و تعالي الأصوات و تعددها ، الأمر الذي يتم من خلال إدراك الحدث وفق منظورات متعددة التي يطلق عليها تودوروف (جهات الحكي)و الملحوظ في الرواية (أوراح من رمال) أن الغلبة في خطابها الروائي كان للصوت الأوحد (المتكلم) الذي هو حينا يسرد و يبئر وحينا آخر يقوم بتنظيم عملية الحوار بين باقي الشخوص ، غير أن هذا التمازج بين السرد و المبئر (أي بين الذي يتكلم و الذي يرى) قد ينفصل فيقوم (الناظم) بسرد الأحداث من منظور شخوص الرواية ، كما هو الحال في مقاطع عديدة من زمن الرواية . و في الكثير من الأحيان يقدم لنا (الفاعل الذاتي) و من ورائه الكاتب رؤيته التأملية للثيمة الأساسية في هذه الرواية وهي ( الموت ــ الزنازن ــ القيود المعنوية) و بهذه الصورة المحفوفة بالتوجس و الخوف و القلق تارة و بالتطلع إلى الخلاص النسبي تارة أخرى : (أستطيع أن أدعي النوم .. التقلص .. الأنكماش كجنين .. الخوف الهلع .. الارتعاش لا من البرد الذي كنت تحرصين علي منه ، بل من خيالات و صور وحشية . / ص100 الرواية ) و تتجلى عبر هذه النماذج الوحداتية من النص ، الكثير من الاسترجاعات و المنولوجات و المسرودات التي تصل في أحيان كثيرة إلى درجة التداعيات و الانشاءات ، تمارسها الشخصية الحاكية في حالات مؤثرة من الرؤية السردية الممزوجة بين مقام التبئير و مقام لغة الحكي .

الأحداث المدركة في إطار لغة السارد .

لعلنا لاحظنا في أغلب الوحدات السردية بأن ضمير المتكلم يتراجع عن صيغة خطابه المسرود مفسحا المجال أمام إحدى الشخوص لتتولى الحكي من خلال صيغة الخطاب المتكلم ، كما الحال عرضا مع الدكتورة إيمان و اللسن التراب تبتلع نصف جسدها في مكان صحراوي مقفر : (كانت إصابتها في أعلى الكتف .. لم تكن خطرة .. وكم توسلتها على الخروج معنا من تلك الحفرة لكنها رفضت بشدة ، وكأنها كانت على موعد مع حبيب انتظرته طويلا ــ ابتسمت كمن بلغ منتهاه و قالت بأقتضاب : ــ دعك مني ياوفية .. لا تنظري إلى الوراء .. وفية عيشي لأجلك و اشعلي شمعة لأرواحنا . / ص213 الرواية ) .

 تعليق القراءة :

ففي إطار صيغة الخطاب المنقول يتم نقل هذه الأصوات عبر مصدرها المكاني و الزمني . من اللافت للانتباه أن  مقاطع الأحداث الروائية ، تدور حكايتها عند حقبة نهاية الثمانينات و بداية التسعينات ، حيث تطال زمن الحرب ثمة اعتقالات تلامس أكثر الناس بعدا عن حقيقة الجرم المشبه بالخيانة أو الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو حركة ثورية سرانية . هكذا علمنا من خلال المحاور الثلاثية الأقطاب ( كاظم ــ وفية ــ عبد الجبار ) بأن تقنية الاسترجاع في لغة المحكي هي من كاد أن يعطل الأفعال السردية عن مكامن حراكها وجعل الرواية كما لو إنها تداعيات و هوامش من دفاتر الذاكرة و النسيان و الحقيقة الدامية و القهرية .

مشاركة:

آخر تحديث: ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٢٤ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

التحول السردي و تفكيك الأسطورة في عالم الأديب محمد فيض خالد
قراءات

التحول السردي و تفكيك الأسطورة في عالم الأديب محمد فيض خالد

.... بقلم / __________________ عن (بقعة ضوء فوق جدار معتم تراب الحكايات) "ظلّ ذلك الصندوق الخشبي الكبير موضع شغفه، شغلت به نفسه، ثبت في خاطره أن العالم استقر في جوفه، البشر، الحكايات، الأغاني، الأنغام الشجية التي يميل على وقعها الأنفار في الحقول بين شجيرات القطن، تراه.......... " ليأخذناالكاتب فر…

· 3 د
بين رخام التمثال وخرير النهر: 

قراءة نقدية في «أنشودة الحجر» للشاعرة علياء المالكي
قراءات

بين رخام التمثال وخرير النهر: قراءة نقدية في «أنشودة الحجر» للشاعرة علياء المالكي

تقف الشاعرة علياء المالكي على منصة قاعة الجواهري في اتحاد الأدباء، لا لكي تسرد نصاً عابراً في مدونة الشعر المعاصر، بل لتمارس طقساً حوارياً يستحضر أرواح الرواد، معلنةً منذ اللحظة الأولى أنها جاءت لتحاور رائد الشعر الحر بدر شاكر السياب في زخات مطره، وتستأذن الحاضرين لتتلو «أنشودة الحجر». إنها ليست…

· 5 د
قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟
قراءات

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟ بغداد- حمدي العطار ليس الشعر مجرد كلمات موزونة أو قوافٍ متناسقة، بل هو أحد أعمق أشكال التعبير عن التجربة الإنسانية، بما تنطوي عليه من أحلام ومخاوف وتناقضات وأسئلة وجودية، ومن هنا فإن الحكم على الشعراء لا يتوقف عند مضمون قصائدهم أو مدى توافقها مع…

· 9 د