"ظلّ ذلك الصندوق الخشبي الكبير موضع شغفه، شغلت به نفسه، ثبت في خاطره أن العالم استقر في جوفه، البشر، الحكايات، الأغاني، الأنغام الشجية التي يميل على وقعها الأنفار في الحقول بين شجيرات القطن، تراه.......... "
ليأخذناالكاتب فر استهلالته إلى قصة تُمثّل نموذجاً ناضجاً وسامياً لقصة القسوة والنوستالجيا، حيث يتقاطع فيها السرد الاجتماعي والتحليل النفسي بلغة أدبية دالة، ورائقة.
و قبل التعمق في هذا يجب أن نشهد بأن الكاتب المختمرة تجاربه بحكايا الجنوب لها من الصدق ما يجعل التفاصيل ساحرة.، و ما بإمكانه أن يُطلِع العالم على طازجية الحدث و غنى التجربة.
وسنستعرض خمس نقاط بإمكانها الوقوف على أبرز الركائز الفنية والموضوعية لهذه القصة :
* التناص والعنوان:
رمزية الضوء والعتمةتكشف لنا أن العنوان ليس مجرد عتبة نصية بل هو المحور البصري والمفهومي للقصة كلها
- العتمة: (الجدار المعتم): ترمز للفقر، والعزلة، والرتابة، والتهميش الاجتماعي الذي يعيشه أهل القرية والصبية على هامش الحياة.
- بقعة الضوء: تتمثل في دكان "الأفندي" المضاء بـ "الكلوب"، والتي تحتضن "الصندوق السحري" (الراديو). الضوء هنا ليس مجرد إنارة مادية، بل هو شغف، وطموح، ونافذة نحو العالم الخارجي وعوالم الفن والسحر ("علي بابا"، "الشاطر حسن").

* الثنائيات الضدية وصناعة التوتر
تعتمد القصة في بنائها على مجموعة من المقابلات الثنائية التي تزيد النص ثراءً:
- الواقع والمخيلة: واقع القرية المرير (العمل في شجيرات القطن، القهر، شظف العيش) مقابل خيال الصبي المشتعل بالخوف والشغف حول ماهية الراديو.
- البساطة والذكاء التسويقي: بساطة أهل القرية والصبية مقابل دهب وذكاء "الأفندي" الذي استغل شغفهم وخيالهم بوضع قدرة الفول وإيهامهم بـ "سر الإناء النحاسي".
- الماضي والحاضر: الماضي المفعم بالشغف رغم الفقر، والحاضر المليء بالرفاهية والماديات (العمل كطبيب في بلاد النفط) لكنه خالٍ من الروح والدفء.
* البعد النفسي: سيكولوجية الطفل والتروما اللطيفة
أبدع الكاتب في رسم الحالة النفسية للطفلفاتى لنا بالدهشة الخائفة حيث امتزاج الفرح بالشغف بالخوف والارتعاد؛ فالاستماع لقصص الجن، واللصوص لم يكن مجرد تسلية، بل تجربة حسية جسدية تتعدى السمع إلى الارتجاف والشحوب والتبول اللارادي (كما حدث مع رجب الأحول).
عقدة الحرمان والتعويض: الراديو بالنسبة للطفل لم يكن أداة ترفيه بل رمزا للسيطرة والامتلاك؛ لذا تشكل لديه "قَسَمٌ داخلي" أن يشتري هذا الصندوق عندما يكبر، كنوع من تعويض الفقر والحرمان العاطفي والمادي.
و بهذا يتكشف لنا البعد المحوري الذي يطلعنا على عالم الكاتب ألا و هو:
* التحول السردي وتفكيك الأسطورة
فينتقل النص ببراعة من زمن الطفولة والأساطير إلى المعاصرة والواقعية:
حين يكبر الصبي ويصبح طبيباً ميسوراً، يمتلئ بيته بالصناديق الحديثة. إلا أن امتلاك "الراديو الضخم" لم يعد له بريقه القديم، بل أدى وظيفة تثبيت للهوية وتسكين للألم.
تنتهي الأسطورة تماماً عند العودة إلى المكان القديم حيث ابتلعت الخرسانةُ الجدرانَ الطينية، ومات الأفندي، وانمحت "بقعة الضوء".
و كانت النهاية الفاجعة هي موت الصديق بعيداً عن قريته ودفنه في مكان آخر، وضياع صناديقه الخشبية، يرمز إلى ضياع الذاكرة وانطفاء بقعة الضوء الأخيرة.
و عن اللغة والأسلوب المتحلي بالتصوير البصري والحسي فقد استخدم الكاتب أسلوباً مشبعاً بالحواس (حرارة الفول، ضوء الكلوب الزاهي، طنين الرأس، ارتجاف اللسان، تقاطيع الوجه المتشنجة).
اللغة الواقعية المغلفة بالشاعرية: حافظت اللغة على المفردات البيئية الفلكلورية الصعيدية ("الأنفار"، "قوص"، "قدرة الفول"، "البندر"، "الكلوب") مما منح القصة مصداقية زمكانية عالية.
حقاً لقد نجح محمد فيض خالد في تقديم نص يختزل رحلة الإنسانية بين حلم البدايات القاسي والمضيء، وبين واقع النهاية المترف والبارد. إنها قصة عن الأشياء التي نتعلق بها لا لقيمتها المادية، بل لما تتركه من "ضوء" في عتمة ذاكرتنا.







التعليقات