تقف الشاعرة علياء المالكي على منصة قاعة الجواهري في اتحاد الأدباء، لا لكي تسرد نصاً عابراً في مدونة الشعر المعاصر، بل لتمارس طقساً حوارياً يستحضر أرواح الرواد، معلنةً منذ اللحظة الأولى أنها جاءت لتحاور رائد الشعر الحر بدر شاكر السياب في زخات مطره، وتستأذن الحاضرين لتتلو «أنشودة الحجر». إنها ليست مجرد محاكاة أسلوبية، بل هي عملية استغوار نقدية ووجدانية تتنفس بلغة شفافة، تحاكي شجن الجنوب العراقي وتردد صدى الإيقاع السيابي المترع بالحزن الشفيف والذاكرة المبللة بالماء.
تبدأ القصيدة بتشييد فضاء سردي يستحضر الأسطورة الشخصية للسياب، متخذة من "الطفلة الضائعة" رمزاً للبراءة العراقية المستلبة أو للقصيدة ذاتها التي تاهت في سالف الأزمان بين باسقات النخيل وجريد الشجر. تقول المالكي في مطلع شجيّ يرسم معالم هذه الغربة المبكرة:
(بسالِفِ الأزمانِ ضاعتْ طفلةٌ
وسطَ النخيلِ والشجرْ
كانت تُغني للشموعِ والدمى
لكنها غابتْ ولمْ تَعُدْ
فأنشدَ السيابُ للمطرْ)
تؤكد هذه الأبيات الأولى انطلاق الشاعريه من نقطة الغياب؛ فالطفولة العراقية التي كانت تغني للشموع والدمى قد انزوت في ظلمات التغريب، مما دفع السياب قديماً لينشد للمطر نشيد الخصب والمأساة، ولتستكمل علياء المالكي اليوم هذا الخيط الرمزي متسائلة عن وحشتها ووحشة تمثاله القابع على جرف الشط في البصرة.
تعتمد الشاعرة في بنائها اللغوي والنصي على تقنية المقارنه والتحاكي والتجذير المكاني، إذ تسحب المتلقي إلى جغرافيا السياب الأثيرية؛ حيث تحضر "جيكور"، و"بويب"، و"أبو الخصيب"، و"الشناشيل"، و"وفيقة". بيد أن هذه الرموز لا تأتي كاستعارة مجردة، بل تعاد صياغتها داخل نسيج شعري محزون يكشف عن انكسارات الذات المعاصرة وهي تقف أمام تمثال حجري ينادي الماضي بلا عيون:
(اليومَ أشكو وحشتي ويشتكي تمثالُهُ
منادياً جيكورَ والنهرْ
بلا عيونٍ كالمَها
تُراصِفُ الأضواءَ في سحرْ
بلا جريمةِ الهوى
والعاشقِ الذي مضى وما صَبرْ
وكلما عانقتُهُ
تُجففُ الغيماتُ في سمائِهِ
دَقَّ الوَترْ.. مطرْ.. مطرْ )
تتسم اللغة لدى المالكي بالرقةوالشفافية الموسيقية، معتمدة على تفعيلات متدفقة ذات جرس شجي، حيث يتصاعد الإيقاع كزخات مطر خفيف ثم يتكاثف ليتحجر في صمت المكان. إن الشاعرة تخاطب السياب بلسان العاشق الحزين والمغترب الذي لم يجد في زمنه أماناً، فتتساءل في حوارية شجية تعيد إنتاج الاقتراب المباشر مع «أنشودة المطر»:
(إلى متى أظلُّ هكذا؟
قلبيَ يئنُّ كلما حلَّ المساءْ
فأسألُ السيابَ عن حُزني يُجيبْ:
أتدرينَ أيَّ حزنٍ يبعثُ المطرْ؟
فتسقطُ الكرومْ وتصرخُ النساءْ
وينطقُ الحجرْ )
هاهنا يتحول "الحجر" من مجرد مادة صامتة للتمثال المنصوب إلى كائن حي يتكلم، ليختزن ذاكرة الأمة وفواجعها الشاخصة عبر العقود.

من الناحية المعنوية والدلالية، تنقلنا القصيدة من سيال المياه إلى صلابة الصخر، ومن خصب المطر الموعود إلى جفاف الواقع والمنفى. تحذر الشاعرة السياب الراحل من الوقوف على جرف النوى والمدى، مؤكدة له أن الشباك لم تعد ترتق، وأن حزنه البادي على ثراه لن يستطيع صد وجه المأساة التي تراكمت:
(يا أيها السيابُ لا تقفْ على جُرْفِ المَدى
يا أيها السيابُ لا تقفْ على جُرْفِ النوى
فلن ترتقَ الشباكْ
ولن تصدَّ وجهَ حُزنِيَ الذي يبدو على ثراكْ
فكلما رأيتَهُ وجدْتَهُ يشكو النشيجْ
تراهُ لا يراكْ
وأنتَ أنتَ جدولٌ بلا خليجْ
فلا تقفْ هنا ولا هناكْ )
إنها تتأمل التمثال وترى فيه شبيهاً برحلتها، فهو "جدول بلا خليج"، يقف شاخصاً يشكو النشيج لكنه لا يرى من حوله. وتتراكم نفيات الشاعرة عبر تكرار أداة النفي «بلا» لتشكل لزمة إيقاعية محرومة تعمق حالة الخلاء الروحي:
(بلا وفيقةَ التي كانت تُراقبُ الطريقْ
وتُطفئُ الشمسَ التي باتت تنامُ في الغيومْ
فيَهدأُ الحريقْ
بلا شناشيلَ للقاءِ
بلا سُوَيَعاتٍ بعيدةٍ نَسيناها تموتُ في الشتاءْ
كما يموتُ ذلكَ الحبُّ العتيقْ)
هذا التكرار للفيض المنفي يعكس تعميق حالة الفراغ الروحي والوحشة التي تعيشها الذات الشاعرة، وكأن العالم المعاصر تم تجريده من أسباب الخصب والحب، ليبقى الشاعر متمرضاً في وقت المطر، تماماً كما مرض السياب في غربته وعلى أسرة المصحات البعيدة :
(ويمرضُ السيابُ في وقتِ المطرْ
لو تعلمونَ ما الخطرْ!
لأنهُ وكلما يجيءُ يختفي النداءْ ويرحلُ البشرْ )
تتجلى الشفافية السيابية في قصيدة علياء المالكي حين تنتقل السردية الشعرية من ضفة اليأس المطلق إلى استحضار الأمل الحزين المضمخ برائحة الأرض والجنوب. فالشاعرة تقرر البقاء بالقرب من الشاعر/التمثال على مشاريف الدجى، حيث يكون القمر رفيقاً يروي نشيداً بلا خطر وبلا مطر:
(لذا أنا قررتُ أن أبقى بقُرْبِهِ
على مشارِفِ الدُّجى
رفيقُنا القمرْ
يروي لنا نشيدَهُ ولكنْ بلا خطرْ.. بلا مطرْ )
هنا تتناغم المشاهد السحرية لقرى الجنوب العراقي؛ إذ ينحدر النشيد نحو أبي الخصيب وبويب، متشبعاً بعطر الحناء الذي يمطر بلا سماء، وبمشاهد البنات وهن يغزلن النسيج ركضاً مع العطر والتغني الشجي بلا ضجيج:
(إلى أبي الخصيبِ في وقتِ المساءْ
إلى بُويبَ والهوا عطرٌ من الحنّاءِ يُمطرُ بلا سماءْ
إلى البناتِ حينَ يغزِلْنَ النسيجْ
والعطرُ يعدو بينَهُنَّ مسرِعاً مع الغناءْ
لكنهُ بلا ضجيجْ
يجِيءُ من غاباتِ نخلٍ لا تنامْ
فتشتهي طعمَ الجنوبْ
حتى إذا حلَّ الظلامْ عادَ النشيدْ
فيولدُ السحرُ الذي في شعرِهِ
صوتُ الندى مع المطرْ
كأنهُ طفلٌ جديدْ )
يمثل هذا المقطع ذروة الغنائية في النص، حيث تتصاعد الألفاظ لتنسج لوحة انطباعية مشبعة بالألوان والعطور والظلال، معيدة للسياب ألقه البكري وصوت الندى الممتزج بالمطر قبل أن تلتهمه أوجاع المرض والغربة.
لا تلبث القصيدة أن تعود للذات الشاعرة وحاضرها الفاجع، لترسم ختاماً سردياً مكثفاً يتداخل فيه المنفى الفردي مع المنفى الجماعي. تعلن الشاعرة عن غربتها وضياعها في قصيدتها ومنافيها، مذكرين إيانا بإصرارها الذاتي وصمودها حين ارتشفت قطرة من ضفاف الوطن، فصارت نخلة سامقة لا تنحني مهما استباحت سعفها يد الجفاف:
(الآنَ أشكو غُربتي
كم ضعتُ في المنفى وفي قصيدتي
حينَ ارتشفتُ قطرةً من الضفافْ
وصِرتُ وحدي نخلةً لا تنحني
مهما استباحتْ سَعْفَها يدُ الجفافْ
حينَ استراحتْ شرفتي من الستائرِ التي
أَمْضَتْ سنينَ العمرِ تُخفي وجهَها.. كانتْ تخافْ)
وفي اللحظة الأخيرة، يتجرد المسرح الشعري من كل البشر والمظاهر، فلا يبقى في الأرض أحد، سوى الشاعرة الملتصقة بأرضها وذاكرتها، يقفون في ثلاثية أسطورية تلخص جوهر التجربة الشعرية العراقية:
(وليسَ في أرضي أحدْ
وحيدةٌ مع الحجرْ
أنا وتمثالي وذلكَ المطرْ)
إن «أنشودة الحجر» لعلياء المالكي هي وثيقة نقدية وشعرية رفيعة المستوى، نجحت في التسلل إلى بؤرة التجربة السيابية واستدعاء رموزها ليس لمجرد التغني بها، بل لإعادة مساجلتها وتأويلها في ضوء انكسارات الراهن. لقد استطاعت الشاعرة عبر لغة عذبة ومترعة بالإيقاعات الداخلية والنبرات الحزينة أن تخلق نصاً شعرياً متماسكاً يجمع بين رخام التمثال وخرير النهر، حيث يتحدث الحجر حين يصمت البشر، ويبقى المطر شاهداً أبدياً على أحزان الجنوب وفجائع الشعراء.







التعليقات